ألف عام وعام على المسرح العربيّ

 

 

من الغريب القول أن المسرح العربي لم يظهر إلا مؤخرًا في أواسط القرن الماضي؛ في هذا المقال محاولة لتوثيق بعض الصلات المتعلقة ببدايات المسرح العربي، وكشف الحقائق التي تدحض إنكار المسرح عند العرب.

هل مر حقًا ألف عام على المسرح العربي؟ لقد استقيت هذا العنوان من كتاب للمستشرقة السوفيتية تمارا ألكساندروفنا، تقول في مقدمته:

 

"وهل من المعقول أن يكون مر الرقم ألف عام وعام بالضبط؟

لابد لي من الاستدراك والقول إن الرقم لا يمت إلى الدقة العددية بصلة، ... فإني أسرع لأذكرك أن عبارة "ألف عام وعام" يقصد بها الكثرة في الكثير من اللغات الشرقية، حينما يراد التبسيط، أو تعني الكثير والعديد، وبالفارسية كلمة ألف العدد الكثير."

 

 

 

 

لمحة تاريخية: ما هو المسرح؟

باليونانية "theatron"؛ أحد فنون الأداء، يهتم بموضوع التمثيل لقصص وملاحم تاريخية أو اجتماعية أمام حشد ضخم من الجمهور لنقل القصة بشكل حي بهدف تثقيفي أو تعليمي أو ترفيهي، باستخدام مزيج من الكلام، الحركة، الرقص، الموسيقى، الصوت وحتى الحركات البهلوانية أو الإيمائية.

بالإضافة للنمط الروائي الحواري التقليدي، يمكن للمسرح أن يأخذ شكل أوبرا، باليه، كابوكي، الرقص الهندي، أوبرا صينية، تقليد، مسرحيات شعبية أو البانتو. اقرأ أيضًا: تعيسة ووجع الهوية في السودان.

 

 

نشأة المسرح:

لا يمكن البت تمامًا في تاريخ نشأة المسرح، إلا أنه فن يوناني قديم، يعتمد اللغة الشعرية، فكما يرى أرسطو في كتابه فن الشعر أن اليونان عرفوا الشعر الغنائي، ثم بدأ بالتطور حتى وصلوا إلى الشعر الملحمي، وهو ما يمكن تمثيله على خشبة المسرح، ثم بدأ انقسم إلى قسمين: شعر التراجيديا وشعر الكوميديا (المأساة والملهاة)، وبعدها بدأت التراجيديا بالتطور حتى وصلت إلى الحالة التي هي عليها الآن، وكما أورد أرسطو في كتابه فن الشعر، أن اسخيليوس أول من رفع عدد الممثلين من واحد إلى اثنين وقلل من أهمية الجوقة الموسيقية وجعل الأهمية الكبرى للحوار. اقرأ أيضًا: القراءة السريعة: كيف تضاعف سرعتك في القراءة؟

 

كون التراجيديا محاكاة لفعل، فالفعل يقتضي وجود بعض الأشخاص ذوي المميزات لتأديته، إن المسبب لهذه الأفعال هما الفكر والشخصية، وعليهما يعتمد عليه نجاح الشخصية من عدمه.  

 

وأجزاء التراجيديا كما نص عليها أرسطو ستة؛ الحبكة، الشخصية، اللغة، الفكر، المرئيات، المسرحية والغناء.

 

أما قواعد الحبكة الدرامية كما يراها أرسطو؛ فقد تم التعريف بأن التراجيديا حدث تام وكامل وذو عظم معين، والكامل هو ما له بداية ووسط ونهاية، فالبداية لا تعقب شيئًا بالضرورة ولكن يعقبها شيء ذا أهمية وضرورة، أما النهاية هي التي تعقب شيء بالضرورة ولا شيء يعقبها، والوسط هو ما يعقب شيء بالضرورة ويعقبه شيء. اقرأ أيضًا: رمزيّة جمال أبو حمدان في مسرحية "ليلة دفن الممثلة جيم".

 

يمكن القول أن الحد الصحيح والكافي للحبكة، هو الطول الذي يسمح للبطل بالانتقال من خلال سلسلة أحداث حتمية من حال الشقاوة للسعادة أو العكس.

 

 

لا يمكن إنكار الرأي الذي يقول أن المسرح العربي لازال في مرحلته الجنينية إلى هذا الوقت، ولكن هذا يعني أن هناك نطفة مسرحية تزرع في رحم الثقافة العربية.

 

إن أول محاولة مسرحية عربيًا كانت في العصر العباسي على يد ابن دانيال؛ فيما يعرف بمسرح خيال الظل، الذي يعتمد على حركة الدمى، وقد وجد هذا المسرح لتسلية الفقراء الذين تهمهم مناقشة الأمور السياسية والاجتماعية، ولفضح استغلال النظام السياسي، مما كان سببًا في عمل السلطة الحاكمة على الحد من حركته وتطوره. اقرأ أيضًا: لماذا رفض ت. س. إليوت نشر رواية "مزرعة الحيوان" لأورويل؟

 

لقد كانت هذه نهاية مسرح خيال الظل، أو بالأحرى نهاية الشوط الأول الذي كان على الأدب العربي أن يقطعه، لكن لابد من الإشارة أن السبب الكامن وراء عدم معرفة العرب للمسرح برأيي، هو أن الشعر عند العرب بدأ بكونه غنائيًا ولم يتطور إلى ملحمي، لذا لم ظهر أي إشارات للمسرح عند العرب، بعكس الحالة اليونانية، أضف لذلك أن المجتمع اليوناني هو مجتمع متحضر هادئ مدنيّ، أما المجتمع العربي فقد كان قبليًا دائم الهجرة والترحال، نتيجة لعدم الاستقرار لم نلمح عند العرب الأوائل أي نوع من الأدب المسرحي.

 

من الجدير بالذكر أن مسرح خيال الظل لم يجد أي اهتمام في تاريخ الحضارة العربية حتى النصف الثاني من القرن العشرين، بفضل المخطوطات النادرة للعروض ومكتشفات المؤرخين، ومع أن مسرح خيال الظل لم يترك أثرًا خاصا على تطور المسرح العربي المحترف، وهناك بعض الآراء التي ترفض رفضًا تامًا اعتباره شكلًا من أشكال المسرح، يعتمد وجهة النظر هذه مجموعة من النقاد منهم محمد مندور، فؤاد دوارة ومحمود تيمور. 

 

لاحقًا، وبعد أن انشدّ اللبنانيون إلى فلك التأثير الأوروبي، أصبحوا أول من لفت النظر لمقارنة الثقافة المحلية التي سحقها الأتراك بالثقافة الغربية، وقد استمد اللبنانيون مثلهم الأعلى في التطور، عصر التنوير الفرنسي في القرن الثامن عشر، كضرورة ضد الاقطاعية المتخلفة، وهكذا التحمت طموحات الشرقي العربي مع الأفكار الأوروبية. اقرأ أيضًا: 50 اقتباسًا ملهمًا عن القراءة.

 

 

عندما أصدر بطرس البستاني خلال أعوام 1866 – 1869 معجمه الشهير "محيط المحيط"، ضمنه مصطلحي المسرح والخشبة، مع شرح يقول أن هذه الكلمة تعني مكان اللعب، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهر مصطلح الرواية التشخصية، وحتى ذلك الحين كانت المسرحيات المدرسية بدائية في لبنان، إلى أن ظهرت مسرحية (داود الملك لبطرس البستاني عام 1906) التي يمكن عدها عملًا مسرحيًا أصيلًا ذا تركيبة متكاملة ولغة جديدة وشخصيات مشوقة.

 

 

في عام 1876 ظهرت أول تراجيديا عربية متمثلةً بمسرحية المروءة والوفاء لخليل اليازجي وهو الابن الأصغر لناصيف اليازجي. هذه المسرحية قال عنها جورجي زيدان أنها مسرحية فريدة من نوعها في الأدب العربي، ثم أضاف أن ظهورها يشكل خطوة هامة في تاريخ الأدب المسرحي، لأنها تقترب من النماذج الدرامية لكبار الكلاسيكيين الأوربيين.

 

في مصر كان لافتتاح دار الأوبرا دورًا مهمًا في تطور المسرح، إذ إن العرب لم يعرفوا أبنية المسرح بعد تدمير المسارح الرومانية القديمة.

 

إن أول محاولة عربية جادة لإلقاء الضوء على الظاهرة الثقافية والاجتماعية للمسرح العربي تعود إلى يعقوب لاندو، وذلك في كتابه (دراسات في المسرح والسينما عند العرب) عام 1958.

 

فقد وضع لاندو قائمة تضم 610 مسرحيات أصيلة معروفة من قبل القارئ والمتفرج، في ثمانية أنماط: الفارس، المسرحية التاريخية، الميلودراما، الدراما، التراجيديا، الكوميديا، المسرحية السياسية والمسرحية الرمزية.  

ويبقى هذا التصنيف في حدود الشرطية والمنطقية العرجاء، لأن الجنس يختلط بالمواضيع المطروحة؛ فالفارس يمكن أن يكون مكرس سياسيًا، والمسرحية التاريخية قد تأخذ شكلًا رمزيًا. اقرأ أيضًا: الماعز والبامبو: بناء الوافد في النص الروائي.

 

إن الحرب العالمية الأولى والثورة الاشتراكية العظمى قد وضعا حدًا للمعايير القديمة، فلم تعد المهمة الأساسية لرجال الثقافة بعث التراث التقليدي، بل أصبح اهتمامهم يتوجه نحو استيعاب المنجزات الحديثة والبحث عن أساليب واقعية لربط أواصر الحياة.

 

وقد وصل الفن المسرحي في مصر مستوى عالٍ من الرقي بالمقارنة مع بقية الدول العربية، في عام 1930 تم افتتاح أول معهد مسرحي، وفي عام 1933 نظمت أول مسابقة لأفضل مسرحية اشتركت فيها 43 مسرحية.

 

وفي عام 1934 تم تأسيس نقابة الممثلين المصريين، وفي عام 1935 تم تأسيس فرقة قومية للتمثيل وقد دُعي لرئاستها الشاعر اللبناني البارز خليل مطران.

 

في العراق تم تأسيس أول قسم للمسرح عام 1940 تابع لمعهد الفنون الجميلة في بغداد، وفي عام 1968 جرى ضم قسم المسرح لجامعة بغداد. في لبنان أسس أنطون ملتقى ومنير أبو دبس أستوديو للمسرح عام 1960، افتتح على أساسه بعد ذلك قسم للفن المسرحي في جامعة بيروت. وفي تونس أسس حسن زميدلي مدرسة للمسرح عام 1959.

وأقيم في المغرب عام 1974مهرجان لمسارح الشباب في البلاد العربية، وفي عام 1975 أقيم لأول مرة في طرابلس عاصمة ليبيا مهرجان للفنون الشعبية للبلاد العربية كافة. اقرأ أيضًا: الساعة الخامسة والعشرون؛ ساعة النهاية المؤلمة للإنسان.

 

 

لكن، ما هو شكل الفن المسرحي في البلاد العربية الآن؟

إن الجواب على هذا السؤال ليس سهلًا؛ فلوحة تطور الفن المسرحي في البلاد العربية مختلفة ومتنوعة وغير ثابتة، لكن هناك أمر واحد لا شك فيه؛ أن جميع الصعوبات التي تواجه المسارح العربية اليوم متعلقة بالنمو واستيعاب السبل الجديدة التي يؤمل منها إخراج المسرح العربي إلى الساحة الدولية.

 

 

جميع ما ورد أعلاه هو مجرد محاولة لتقليب صفحات التاريخ للمسرح على عجالة وتفنيد الاعتقاد السائد بأن المسرح العربي مفاجئ ودخيل، في سعي للفت الانتباه لهذا الموضوع لطرحه مجددًا من قبل المهتمين والباحثين.

 

 

 

المصادر والمراجع :

فن الشعر لأرسطو – ترجمة وتقديم الدكتور ابراهيم مادة – مكتبة الانجلو المصرية

تاريخ الأدب العربي الحديث – كريمسكي ص598

ألف عام وعام على المسرح العربي – تمارا الكساندروفنا ترجمة توفيق المؤذن – الطبعة الأولى دار الفارابي

 

 

اقرأ أيضًا:

أنطون تشيخوف: ما بعد حداثيّ سابق لزمنه

كيف تحوّل القراءة وقودًا للكتابة؟

5 مقاطع موسيقيّة تساعدك على التركيز أثناء القراءة

رحلة عقل؛ من الإلحاد إلى الإيمان