أنطون تشيخوف: ما بعد حداثيّ سابق لزمنه

 

 

 

ترجمتُ كتابات أنطون تشيخوف لمُدَّة تزيد عن العشرين عامًا، ناقلًا أكثر من مئة قصة أقل شُهرة أو غير معروفة أو غير مُترجمة للإنجليزيَّة، وقد كنتُ أسأل نفسي خلال هذين العقدين: ما معنى أن تكون تشيخوفيًّا؟ فنحنُ نسمع بمواقف تشيخوفيَّة واليأس التشيخوفي والقرارات التشيخوفيَّة، وهُناك رأي نابكوف الشهير حول التشيخوفيَّة في روايته "بِنن":

 

"قبل عشرة سنين، كانت مُعجبة بحبيب وسيم هجرها من أجل مُتسكِّعة صغيرة، ومن ثمَّ فقد حظيت بعلاقة طويلة مٌعقَّدة بشكل يائس –مُعقَّدة تشيخوفيًّا وليس دوستفيكيًّا– مع كسيح تزوَّج ممرضته الآن، فتاة ظريفة رخيصة."

 

 

لكن، هل فعلًا التشيخوفسكيَّة "طويلة ومُعقَّدة بشكل يائس"؟

 

هُناك تلك النوعيَّة العميقة والمُتهرِّبة لمسرحيَّات أنطون تشيخوف، التي يحاول العديد من المُخرجين حول العالم فهمها كل عام، وهُناك أيضًا تعقيد القصص التي كتبها في آخر سنوات حياته القصيرة –لقد مات في عُمر 44 عام 1904– ولكن هُناك الكثير من أعمال تشيخوف مع هذا. اقرأ أيضًا: الماعز والبامبو: بناء الوافد في النص الروائي.

 

إذا نظرنا لمدى ما كتبه بشكل كامل، سيكون علينا أن نرى مُصطلح "تشيخوفي" في ضوء مُختلف، فقد دامت سيرته الكتابيَّة لأكثر من عشرين عامًا، من 1880 وحتَّى 1903، وخلال هذه السنين كتب أكثر من 700 رواية قصيرة وقصص قصيرة وقصص قصيرة جدًّا، معظمها عندما كان في عشرينيَّاته، إلى جانب المسرحيَّات الأربع العظيمة التي جعلته أبو المسرح الحديث، والعديد من المسرحيَّات ذات المقطع الواحد الكوميديَّة، وكان شعاره:

 

"اكتب بقدر استطاعتك! اكتب، اكتب، اكتب حتى تتكسَّر أصابعك!"

 

 

وهذا ما فعله تشيخوف؛ فلطالما قامت مجلَّتا موسكو وسانت بيترسبريغ الأسبوعيتان، اللتان كانتا تملكان قُرَّاءً في جميع أنحاء روسيا، بنشر أكثر من قطعة له في كُل عدد لتظهر تحت أسماء مُستعارة غريبة، مثل: الرجل الذي لا يملك طحالًا" و"تشامبانسكي" أي السيِّد شمبانيا و"مجنون الالتواء رقم 6"، وقد اهتم العديد من الباحثين العظماء في أدب تشيخوف في القرن العشرين في إنتاجيَّته المُفرطة وسُرعته وموهبته في الكتابة وأسماءه المُستعارة المُتوهِّمة، إذ قال واحد من مؤرخيه، ذائع الصيت رونالد هينغلي، عن قصصه الباكرة:

 

"لقد كُتبت من أجل المال، (ولكن كل أعمال تشيخوف كُتبت من أجل المال) ونُشِرت في العديد من مجلَّات تلك الفترة الهزليَّة، فقد كان يشعُر بالتزام لأن يزيد أرباحًا كتلك حتَّى أقصاها بأن يحلبها أكثر وأكثر بالهراء الفارغ."

 

 

عليَّ أن أختلف مع هذا في الرأي، فلم تكن أي من مئات قصص تشيخوف الأولى التي رأيتها بأي طريقة "هراءً فارغًا"، لقد كانت أعمال تشيخوف الأولى مُبتكرة وحيويَّة ومُثيرة للحماس؛ فهي تُقرأ بكونها تجريبيَّة قبل وقتها، وعندما نطرح القصص التي كان يكتُبها بشكل تقليدي أكثر جانبًا، كتب قلم تشيخوف المُجرِّب والصغير عُمرًا قصصًا على شكل تقارير إحصائيَّة، مسوح إحصائيَّة، مُقتطفات يوميَّة وقصص على شكل لوائح من المشاكل الرياضيَّة وإعلانات وحيدة القلب ومسرحيَّات مُصغَّرة، لقد كتب حتَّى قصَّة حُب طولها صفحة واحدة على شكل إيداع قانوني، مع مكان في أعلى الصفحة الأيسر لأجل الطابع الحكومي. اقرأ أيضًا: "شيء خطير جدًا سيحدث في هذه القرية"؛ قصة لم تنشر لماركيز.

 

ما أجده مُثيرًا للاهتمام حول تلك القصص الباكرة، هو أنَّك قد تُخطئها كالتفافات كوميديَّة حمقاء (أو موجزة) للنظرة الأولى، ولكن هُناك شيء مشؤوم، شيء "تشيخوفيّ"، يجري أسفل السطح، ففي قصَّة مكتوبة على شكل واجب مدرسي من قبل طالبة تُدعى ناديا، مُراهقة طائشة (اسم مُرسها هو تشيكنوت؛ واحد من أسماء تشيخوف المُستعارة في ذلك الوقت)، حيث تأتي الكوميديا من لُغة ناديا الركيكة وأخطاءها الإملائيَّة وسرقتها الأدبيَّة لتحشو مقالتها، ولكن إن استطاع المرء القراءة بين السطور، سيرى أنَّ ناديا تعيش ظروفًا مشؤومة ليست عالمة بها أبدًا، اسم تلك القطعة "واجب ناديا ن. المدرسي حول الإجازة". اقرأ أيضًا: دوستويفسكي؛ حول العقل ضد القلب وكيف نصل لمعرفة الحقيقة.

 

مقطع:

 

 

مقال

كيف قضيتِ إجازتك؟

في اللحظة التي اجتزت فيها امتحاناتي غادرتُ مع أُمي وأثاثنا وأخي لوني، طالب في السنة الثالثة في المدرسة الثانويَّة، لمنزلنا الريفي. زارتنا: كاتيا كوزفيتش وأمُها وأبوها وزينا وإيغور الصغير والعديد من أصدقائي الآخرين، والذين ذهبوا معي في نزُهات على الأقدام وزيَّنوا الأبواب، وقد كان هناك العديد من الرجال، ولكننا الفتيات بقينا بعيدًا ولم نهتم بهم أبدًا، وقرأت العديد من الكُتب، من ضمنها كُتب لميشيرسكي ومايكوف ودوماس وليفنوف وترجينيف ولومونوسوف، وقد كانت طبيعة في حديقتنا في قمَّتها، فقد نمت الأشجار بغزارة وافرة، لم يقطع جذوعها القويَّة فأسٌ بعد، بينما تُلقي أوراقها اللطيفة ظلًّا غامرًا كثير النسمات فوق الأعشاب الناعمة القصبيَّة المُبقَّعة بقمم أعشاب الحوذان الذهبيَّة ورذاذًا لازورديًّا من نبتة الجريس والقٌرنفل الأحمر، وأشرقت الشمس في الصباح وغَرُبت، بينما كانت فوق، كان هُناك غيوم من الطيور الطائرة، وقد كان هُناك ذاك الراعي الذي كان يرعى أغنامه، وكان هُناك بعض الغيوم تحت السماء. آه كم أُحب الطبيعة! أبي كان شديد العصبيَّة طوال الصيف، فقد أراد المصرف الشرير أن يأخذ مُلكيَّة منزلنا هكذا وحسب، ولم تترك أُمي جوار أبي لخوفها أن يقتل نفسه، وقد حظيتُ بإجازة جيِّدة جدًا لأنني درستُ العلوم وانسجمتُ مع نفسي بشكل جيِّد جدًّا. النهاية.

 

 

 

خلال تلك الفترة، بداية ثمانينيات القرن التاسع عشر، جرَّب تشيخوف العديد من الأساليب، حيث ظهر العديد مما كتبه ما بعد حداثي؛ فقصَّته "سارة بيرنهارد تأتي للبلدة"، مثلًا، كُتبت على شكل مجموعة مجنونة ومحمومة من التليغرامات والرسائل والمُراجعات ومُقتطفات من مُحادثات مُضطربة وغير مُترابطة جاءت كردّ فعل حول وصول سارة بيرنارد لموسكو (مع 8 أطنان من الأمتعة)، لتؤدّي مسرحيتي "غادة الكاميليا" و"أدرين لاكوفرير" في مسرحي ميكالوفسكي وبولشوي. اقرأ أيضًا: 5 مقاطع موسيقيّة تساعدك على التركيز أثناء القراءة.

 

من الصعب تصديق أن مُعظم ما كان تشيخوف ينشره خلال تلك الفترة كُتِب قبل ثلاثين عامًا من "دادا" وغيرها من الحركات التجريبيَّة في بداية القرن العشرين، فقد كُتِبت قصَّتُه "تراجيديون قذرون ومؤلفو مسرحيَّات مجذومون" على شكل مسرحيَّة تقع أحداثها في فوَّهة بركان نَشِط، وقد كانت إحدى الشخصيَّات "تارنوفسكي: مؤلِّف مسرحي يعرف شياطينًا وحيتانًا وتماسيحًا، نبضه 225 ودرجة حرارته 109.4"، بينما الشخصيَّة الأخرى: "تشارلز الثاني عشر: ملك السويد؛ يمتلك ألمعيَّة وسحر حمَّال ميناء من التتار." اقرأ أيضًا: 5 روايات حاصلة على جوائز أدبيّة عليك ألّا تؤجّل قراءتها.

 

المكان:

فوَّهة بركان، ومكتب مُغطَّىً بالدماء يجلس عليه ترانوفسكي، وبدلًا من رأسه على كتفيه هُناك جُمجمة، بينما يحترق الكبريت في فمه ويخرج من فتحتي أنفه شياطين قافزة تضحك ضحكة مكتومة، يقوم بغمس قلمه— ليس في قارورة حبر ولكن في مرجل من الحمم المُشتعلة تُحركه ساحرات: مشهد مُرعب. يطير نمل من ذاك النوع الذي يعدو أسفل ظهر أحدهم في الهواء، وأسفل المسرح، تتعلَّق أوتار على عٌقَّافات متوهِّجة.. برق ورعد [...] فوضى ورُعب وخوف... الباقي متروك لمُخيِّة المُشاهد. اقرأ أيضًا: 4 خطوات بسيطة لتنظيم مكتبة منزلك.

 

في الواقع، هذه القطعة حمل في ثياب ذئب، فقد كان من المُفترض أن تُفهم على مستويين: كرواية واقعيَّة – أو مسرحيَّة واقعيَّة – يجد فيها قُرَّاء تشيخوف الأذكياء في موسكيتوف وسانت بيتيرسبيرغ الأشخاص الذين كان يهجوهم، فقد كان بإمكان تشيخوف أن يختبئ خلف اسمه المُستعار؛ في هذه الحالة كان "أخو أخي"، ويسخر من شخصيَّات حقيقيَّة دون أن يُغيِّر أسماءهم أو صفاتهم، وبهذا بإمكان القٌرَّاء المُدركين أن يستمتعوا بأعمال تشيخوف الساخرة، بينما يكون بإمكان الآخرين أن يستمتعوا بالمكان البُركاني الغريب والحوار الكوميدي. اقرأ أيضًا: الساعة الخامسة والعشرون؛ ساعة النهاية المؤلمة للإنسان.

 

خلال تلك الفترة، بداية ثمانينيَّات القرن التاسع عشر، كان تشيخوف كاتبًا بدوام كامل وطالب طب بدوام كامل ورجلًا اجتماعيًّا مواكبًا للموضة بدوام كامل وكاتب رسائل ماهر (والتي نعرف من خلالها العديد من تفاصيل حياته اليوميَّة)، وقد كان هُناك طاقة دافعة وإلهام في أعماله، حتَّى أن تقارير تشريح الجُثث التي كان يكتبها لمحطَّة الشُرطة المحليَّة كمُتدرِّب طبِّي كان فيها موهبة تشيخوفيَّة، فقد كتب في إحداها:

 

في الساعة الثامنة من صباح ذاك اليوم، قال إفيم أنَّه سيذهب للبلدة كما يفعل دائمًا، في الساعة التاسعة وُجِد ميتًا في منزل أوزيبوف، كان مُعلَّقًا بحزام في الحمام، يرتدي ملابسه اليوميَّة؛ يلتف أحد طرفي الحزام حول عُنِقه والآخر مربوط بعارضة خشبيَّة ترتفع حوالي ثمانية أقدام فوق الأرض، كان إفيم على الأغلب سكيرًا؛ فعندما أنهى حياته؛ تمَّ فتح جُمجمته وصدره وجوفه البطني، وكانت رائحة الكحول قويَّة."

 

 

في ذلك الوقت؛ أعطى بروفيسور تشيخوف نيودنغ التقرير علامة جيِّد.

 

يبدو أن معنى أن تكون تشيخوفيًّا: حيويًا، مُبتكرًا وتجريبيًا! 

 

 

المقال مترجم؛ لقراءة النصّ الأصلي اضغط هنا.

 

 

اقرأ أيضًا:

8 سلاسل خيال علمي كتبتها نساء

أغانٍ أدبية مقتبسة عن كتب

3 مواقع عربية تقدم لك الكتب الصوتية

الفيلسوفة جوديث بتلر؛ حول أهميَّة الإنسانيَّات ولمَ نقرأ