إرث ملعون: فريدريك سبوتس عن كلاوس مان

 

 

 

"إرث ملعون" هو عنوان السيرة الذاتية الجديدة التي كتبها فريدريك سبوتس عن حياة "كلاوس مان"، ومن الصفحة الأولى من الكتاب يبدأ سبوتس بسرد أوجه النّحس التي وسمت حياة مان. لقد كان منفيًا، كباقي الآلاف من المثقفين الذين نُفوا خارج ألمانيا عندما تولى هتلر السيطرة على الحكم عام 1933، مدمنًا على تعاطي المخدرات التي حاول مقاومتها لكن انتهى به الحال مستسلمًا لإغراء الكوكايين والمورفين. وفي الوقت الذي كانت المثليّة الجنسية فيه تعتبر جريمة وفضيحة تقريبًا في كل مكان؛ كان كلاوس مان مثليًا دون إحساسٍ بالذنب. لقد كان مان ذا نزعة للانتحار، كاشفا في مذكراته عن توقه للموت. حين ناداه الموتُ أخيرًا، وهو في فندق في مدينة كان سنة 1949، كان من المستحيل قول أيّ شياطينه كان مسؤولًا عن موته: من المحتمل أنّه مات منتحرًا، بجرعة مخدّرٍ زائدة، أو ببساطة استسلم جسده وروحه مذعنين لعقودٍ من سوء الحظ.

 

 

لكن النحس الأول الذي عانى منه كلاوس مان، الإرث الذي يعتبره سبوتس الأسوأ، هو كونه ابن "توماس مان". كونه من عائلة مان يعني أن كلاوس حظي بفرص يحسده عليها الجميع تقريبًا. نُشر له وهو لمّا يزل مراهقًا، وباتَ نجمًا في أوروبا في عشرينياته، كما أمضى كلّ حياته وسط النخبة الثقافيّة في أوروبا وأمريكا. لكن، وكما في الأسطورة الإغرقيّة، كانت الشهرة الأدبيّة متدلّية أمام أنفه فقط لتنتزع بعيدًا حين يحاول أن يقبض عليها. لقد كتبَ كتبًا كثيرة، قليلٌ منها حقّق النجاح، كما لم يفلح أبدًا في الاقتراب من منجز أبيه. حتّى اليوم، حين يُتعرّف على اسم كلاوس، فإن ذلك عائدٌ بالدرجة الأولى لكونه ابن أبيه. اقرأ أيضًا: ربّ إنّي وضعتها أنثى؛ رحلةٌ إلى فلسطين.

 

 

عادة ما يتحول كاتب السيرة الغيريّة إمّا عدوًّا لصاحب السيرة أو إلى محامٍ يدافع عنه. سبوتس هنا يتبنّى النهج الأخير: كل مآسي كلاوس وفشله، وهي كثيرة، حدثت له لا بفعل عيوبه المُفجعة بل للتأثير المؤذي لوالده عليه. لا يوجد شك أنّ والد كلاوس، توماس مان، ترك وراءه ما يستحقُّ الاحتفاء به تمامًا كمعظم الكتّاب العظماء، من ]تشارلز[ ديكينز وحتّى ]صول[ بيلو.

 

 

خاف أولاد توماس مان الستة منه وكرهوه عمومًا، ويمكن أن تستشفّ جو العائلة من حقيقة تعارفهم عليه لا كوالدهم بل بكونه Der Zauberer - الساحر1، وهو اسمٌ غريب لشخصيّة قويّة تنأى بنفسها ]عن محيطها[.

 

نادرًا ما عبّر كلاوس عن مشاعره لأبيه بحريّة، لكنّه عبّر عن مشاعر الألم والنبذ في مذكراته:

 

 

"أشعر بقوّة وبمرارة بمشاعر البرود التي يكنّها الساحر لي. سواء كانت مشاعره مشفقة أم عدائية (أو بغرابة تامّة "منزعجًا" لوجود الصبي) هو لم يبدِ أي اهتمام، لم يهتمّ بي أبدًا بطريقة جديّة. فقدانه الاهتمام تجاه الجنس البشريّ عامّة يتبدّى بقوّة تجاهي."

 

 

 

ربما كانت الأمور لتكون أسهل على كلاوس فيما لو اختار، مثل بعض إخوانه، أن يسلك طريقًا في الموسيقى أو القانون، في أي حقلٍ بعيدٍ عن نطاق أبيه.

ولكن  كما يُظهر سبوتس، الشيء الوحيد الذي لم يداخل كلاوس فيه الشك أنّه وُلد ليكون كاتبًا. قامت جريدة بتعيينه كناقدٍ مسرحيّ وهو لمّا يزل في الثامنة عشرة، فلم يلتفت بعد هذا الحدث إلى الوراء.

 

 

لقد كتب بكثافة، حتّى في ظلّ ظروف صعبة: مسرحيّات، مذكّرات، روايات، سِيَر، وصحافة. أمّا اليوم، ففي الواقع لا نجد أيًا من أعماله معروفة خارج ألمانيا، باستثناء روايته "mephisto"، التي تصوّر حياة ممثل محترف تحت حكم الرايخ الثالث. لا يثير سبوتس لغطًا حول ما إذا كان يجب أن تأخذ الأمور مسارًا آخر: هو يقرّ بأنّ أعمال كلاوس طُبعت ب"التسرّع و"اللامبالاة". (من المثير الملاحظة، كيف شكّلت حياة كلاوس الأدبيّة صدىً لحياة جوليان، الابن غزير الإنتاج ]للروائي[ ناثانيال هوثورن، الذي ناقشنا مسيرته هنا عامين من الآن). اقرأ أيضًا: كيف تقاطعت القراءة مع الأكل عبر التاريخ؟

 

 

لدى كلاوس نمط بارز ]في كتابته[ يتمثّل في أنّ أهم موضوعاته هو ذاته. كتب أول سيرة ذاتية في منتصف عشرينياته "صبيّ هذه الأوقات"، وبعد عشر سنوات كتب الثانية "نقطة التحول". وحتّى عندما كتب رواياتٍ تاريخيّة أبطالها شخصيات معروفة كتشايكوفسكي ولودفيغ ملك بافاريا، فإنّه كان مشغولًا بثيمات تتصل بتجربته الشخصية: المثليّة، الكآبة، العزلة، والتراجيديا. ولكن حتى لو كان كلاوس كاتبا يمتلك هبة أبيه، لم يكن ليحظى ببهجة الشهرة والنجاح كما والده، ببساطة لأنه وُلد في الزمان الخطأ.

 

 

خلال حرب فايمر، بات كلاوس وشقيقته إريكا – اللذان أطلقا على نفسيهما لقب توأم، على الرغم من وجود عامٍ يفصل بينهما – مشاهيرًا في الصحافة الشعبية، الشكرُ لمآثرهما داخل المسرح وخارجه. لو كان تلفزيون الواقع2 موجودًا وقتها، فلا شكّ بأنهما كانا سيغدوان نجمين آنذاك. تحديدًا، كلاوس، الذي كتب بصراحة عن تجاربه مع الجنس والمخدرات، والذي، لعديدٍ من الألمان، غدا رمزًا لعبث الشباب، وجيل ما بعد الحرب العالمية الأولى. (بالطبع، التقط والده ذلك الملمح فيه في قصته العظيمة "اضطراب وحزن مبكر" – "Disorder and Early Sorrow").

 

 

كلّ هذا، مضافًا إليه عداءه المُعلن للسياسات النازيّة، عنى أنّ ألمانيا حالما تصير في قبضة هتلر ستُضحي مكانًا خطِرًا على كلاوس. قبل أن تنقضي ستة أسابيع، هرب كلاوس مع إريكا إلى باريس. توماس مان، كما شاء الحظ، كان خارج ألمانيا في ذلك الوقت وببساطة لم يعد إليها مجددًا. يعقد سبوتس مقارنة شفيفة بين طريقة كلٍّ من توماس وكلاوس في تدبّر شؤونهما خلال السنين الأولى لهجرتهما. توماس، في ظلّ قاعدة قرّاء كبيرة في الوطن، تردّد  في إعلان أي تصريح سياسيّ يمكن أن يدفع الرايخ الثالث ليحظر كتبه؛ هذا قبل ال1936، العام الذي هاجم فيه توماس هتلر بضراوة وخسر فيه جنسيته الألمانية. كلاوس، على خلاف أبيه، لم يكن لديه ما يخسره، فسارع إلى نقد ألمانيا النازيّة وعلى العلن. "في هذه الساعة"، كتب في رسالة مفتوحة إلى الشاعر غوتفريد بِن، "أيًا كان من يتردد فإنّه لن يظل واحدًا منًا". اقرأ أيضًا: أولاد الغيتو؛ حكاية في مجابهة النسيان.

 

 

بـ "واحد منّا"، كان كلاوس يقصد ألمانيا الحقيقيّة، أمّة ال Dichter und Denker، أي الشعراء والمفكّرين. لكنّه كلاوس هو من أُخرج من دائرة "واحدٍ منّا" من قبل غالبية الألمان –والكتّاب الألمان– الذين بقوا في الوطن.

 

 

الحياة في المنفى، حتّى على شخصٍ شهيرٍ ككلاوس، كانت مريرة. كتبه، المنشورة لدى دار émigré، باعت بضع مئات من النسخ فقط. أوصل كلاوس مجلّتين للحضيض، واحدة تصدر بالألمانيّة وأخرى بالإنجليزيّة؛ كانتا تملكان مساهمين مميّزين ومعايير أدبيّة عالية، لكنّهما استمرتا في التغطية بضعة مواضيع فقط بعد نشره مادّة في كلّ واحدة منهما.  جاءت لحظات على كلاوس كان معدمًا فيها، لا يملك مالًا يكفيه لشراء وجبة طعام.

 

 

فيما يخصّ حياته العاطفيّة، التي تمكّن سبوتس أن يعيد تركيبها مستعينًا بيوميّاته المفصّلة، فإنّها كانت مُحبطة ومليئة بالوحدة، سلسلة من المغازلات والعلاقات العابرة. وحتّى حين تخلّى عن أمل العيش ككاتب وقرّر التطوّع في العسكريّة الأمريكيّة، فإنّه قد رُفض. وصل الـFBI استنكار يتهم كلاوس بالشيوعيّة، وتطلّب الأمر تحقيقًا موسّعًا ومتطفلًا قبل أن يُمنح الجنسية الأمريكيّة ويتمكن من ارتداء الزي الرسمي.

 

 

 

يُظهر سبوتس، أنّه وخلال الحرب، استمتع كلاوس بآخر انفجارات المجد. لقد عمل خلال تلك الفترة كمراسلٍ لستارز آند سترايبس Stars and Stripes، معاشرًا أريستوقراطيّي إيطاليّا المتحرّرة، كما عمل على سيناريو فيلم لروبيرتو روسيلّيني. لكن بعد الحرب، عادت كلّ مشاكله: لا عمل، لا حب، لا مكان يُطلق عليه وطنًا. العودة لألمانيا لم تدخل حساباته – كان مقتنعًا أن الألمان لم يتعلموا شيئًا وما زالوا هيتلريّين في دواخلهم – كما أنّ العيش مع والديه في لوس أنجيلوس كان أفضل بشكلٍ طفيف. وقائع سنينه الأخيرة كانت أشبه برحلاتٍ عقيمة، أعمال لم تجزِل عليه، وكتب لم يتسنّى له إنهاءها. اقرأ أيضًا: 50 اقتباسًا ملهمًا عن القراءة.

 

 

يخلص سبوتس إلى أنّ "كلاوس ذو عقلٍ راجحٍ، موهوب، ذو خبرة، ودزينة أخرى من السمات المدهشة، لكنه بلا حظ". لعلّ كاتب سيرة آخر يخلص إلى نتائج مختلفة؛ الناس هم من يصنعون حظوظهم، حتّى درجة معيّنة كأقلّ تقدير، فبعض المهاجرين نجوا من تجارب أصعب من تجارب كلاوس. عمومًا وفي الوقت الذي مات فيه، لم يتفاجأ أحد ممّن عرفهم بموته. وهذا يسري على أمّه، التي كان لها كلمة الختام على حياة كلاوس مان المأساويّة: "كان ضروريًا أن أستعد لهذه اللحظة باستمرار، وقد كنت كذلك".

 

 

 

المقال مترجم، لقراءة النصّ الأصلي اضغط هنا.

 

 

 

 

(1): في إشارة إلى رواية قصيرة نشرها توماس مان عام 1929 بعنوان "ماريو والساحر" – " Mario und der Zauberer"

(2): برامج تلفزيونيّة أشبه بالبرامج الوثائقيّة، لكنّها تركز على الترفيه أكثر من تقديم المعلومات. ظهرت في منتصف القرن العشرين لكنّها ازدهرت في تسعينياته وبداية الألفية الثالثة، ومن أشهرها مسلسل "Big Brothers".

 

 

 

اقرأ أيضًا:

لماذا عليك أن تقرأ المزيد من الروايات؟

8 كتب على كل شخص ذكي أن يقرأها

قراءة في مذكرات "أتغير" لليف أولمن

4 كتب تغذوية تحتاجها لصحة أفضل