استعراض كتاب "الصعود إلى القوة"

 

 

لعل ذلك التشخص المباشر، الصريح والواضح بشأننا نحن العرب مع الإدارة؛ الذي قرره الدكتور محمد الرميحي في إحدى كلماته الافتتاحية حينما كان رئيس تحرير مجلة العربي الكويتية الرصينة، هو ما يدفعني ويحفزني للالتفات ولو قليلًا لأدبيات الإدارة والقيادة كعلم وفن وأسلوب للعيش؛ أعني عيش الفرد بوصفه جزءًا من المجتمع، وبكونه مركز المجتمع الذي هو عماد بنيان الأمم.

 

 

إن الإدارة هي ذاك العلم والفن الذي يتطور بسرعة خارقة، ويتحول مع التحولات التي تشهدها البيئة، ويحتاج في تقديري إلى عناية ومتابعة واعية، تترفع عن مجرد الحديث المكرر والمترجم في مقالات الإدارة واستعراض الكتب الإدارية، إلى وعي أكبر من ناحية التطبيق والتجربة والتفعيل، وبالمثل، يجب أن ننزل بالإدارة إلى مستوى الشارع البسيط العادي الذي يموج بتيارات مختلفة المشارب والأهواء، أعني أن يكون موضوع الإدارة موضوعًا مفصليًا في ذات كل إنسان عربي من أجل الارتقاء بذاته وبمن حوله أولاً، ثم بجميع الناس من حوله، انتهاءً بالبشرية أجمع.

 

 

من هذا المنطلق، قرأت مؤخرًا تلخيصًا عن كتاب متوسط الحجم؛ عملي ومباشر، ورأيت أن أضيفه للقراء سعيًا لزيادة المحتوى الإداري العربي وإبحارًا مع القارئ العربي المهتم بآخر إصدارات الكتب التي يتداولها العالم هذه اللحظة.

 

 

"الصعود إلى القوة" هو الكتاب الذي أتحدّث عنه، والمقصد من تأليفه هو استعراض رحلة صعود الإداري الاستثنائي والشاب عبر سلم المنظمات الإدارية.

 

 

في "الصعود إلى القوة" يتتبع مؤلفا الكتاب رون كاروتشي وإريك هانسن رحلة ذلك الإنسان الاستثنائي الذي يلعب دورًا تنفيذيًا في المنظمة التي يعمل معها. حصل الكتاب على تقييم 3.9 من 5 نجوم على منصة الكتب والقراء الاجتماعية "جودريدز"، يتكون من قرابة الثلاثمئة صفحة وصدر عام 2014.

 

 

ما يشد المرء للكتاب هو معالجته لمرحلة الانتقال من الإدارة الوسطى للتنفيذية العليا القيادية لفئة التنفيذيين الشباب الذين يصعدون هذه الأيام في الكثير من المنظمات حول العالم بسرعة، ويحاول الإجابة على سؤال مُلح، وهو كيف ستقود بكفاءة في منظمتك ومنصبك وكيف تحقق ذاتك كرئيس، في ظل تحديات شاقة تفرضها التغييرات الاقتصادية، السياسة، التقنية والاجتماعية.

 

 

ستجد أمامك منهجًا عمليًا جاهزًا للتطبيق وتلمحيات واقعية تصب في تطوير القيادات والمديرين. يعتمد الكتاب في توجيهاته على توصيات دراسة قام بها المؤلفان على قرابة 2600 موظف تنفيذي واستخدموا أدوات تحليل متطورة للوصول لمثل هذه التوجيهات، وذلك بعد استيعابهم للتوجهات النفسية وللسمات والأفعال التي تحول القيادي من جيد إلى رائع، وذلك بغض النظر عن نوع الصناعة التي يعملون فيها. والنتيجة هي دليل استرشادي قابل للامتثال والاستخدام لتكون قائدًا أعلى.

 

 

يبدأ الكتاب بمشكلة مفادها أن أغلب قيادات الشركات الآن باتت أكثر ميلاً لتكون من فئة الشباب، بخبرة قليلة وبمنافع أفضل من سابق عهد التنفيذيين؛ ومن هنا يوجه الكتاب إرشاداته بشكل مباشر إلى التنفيذي الصاعد في أي شركة كان، ويدعوه إلى الانتباه إلى مسألة الصعود إلى أعلى كما يسميها، ويقرنها بشرط الجاهزية، ذلك لأن الصعود السريع إلى الأعلى يؤدي بالمرء إلى شعور بدوار المرتفعات كما يسميه، وهنا نصيحة للقيادي الناشئ؛ صعود السلم الإداري بسرعة قد يصيبك بدوار المرتفعات، فخذ حذرك واستعدادك.

 

 

يلمح الكتاب إلى التخطيط بشكل استباقي واستراتيجي لصعودك المتوقع من الإدارة المتوسطة إلى الإدارة العليا ومن ثم إلى المنصب التنفيذي، إذ ينصح بتجنب الركض بهذا الاتجاه، ويقترح المشي بخطى ثابتة؛ والمشي غير الركض إذا عرفتم القصد.

 

 

 

عليك –وفق الكتاب- ألا تبدأ باعتقادك أن تكرار أسلوبك الأول للنجاح سينجح في إيصالك للمنصب العالي، فتكرار هذا الأمر لا يجدي نفعًا في تلك الأماكن العالية؛ فحتى تستطيع تغيير وتطوير المنظمة التي تساهم فيها يجب أن تسمح لها بتغييرك وتطويرك.

 

 

يناقش الكتاب مفهوم المواطنة في المنظمات؛ والمواطنة درجة رفيعة يصلها العامل في منظمة ما، لتجعله يعمل ويتصرف وكأن المنظمة دولة وهو أحد مواطنيها؛ بذلك يصبح تعامله معها ومع من هم خارجها وداخلها وفق ما يتناسب مع وطنيته، وهنا يهتم الكتاب بتطوير هذه النقطة مع إبقاء النفس متفتحة ومتقبلة للتجديد والنقاء، بحيث لا يشوش عليك ميلك إلى الشركة على نقدك البناء لها.

 

 

 

إن النغمة التي يتحدث بها الكتاب تقول باختصار؛ تمسكك بدورك كقيادي أعلى، وساهم في وضَع توجهات استراتيجية ولا تختلط بأعمال الموظفين في المستوى الأدنى. انظر للمستقبل، ولا تغفل تموضع المنظمة بشكل تنافسي. استخدم قوتك التنفيذية لتحقيق المزيد من أهداف المنظمة، وليس فقط أهدافك. اكتسب سمعة الثقة، وهي الخاصية الأكثر طلباً في عالم الأعمال. ولعل الشباب العربي الفتي ينطبق عليه ما يقال حول الإداري الصاعد والناشئ، بحماسه وطاقته، وكذلك رغبته في التغيير الإيجابي؛ الشباب العربي –برأيي- هو مثال لما أراد وصفه الكتاب وأرشد إليه، ولعل ما بدأت به يصلح جدًا أن أختم به، وهو اقتباس كلمات الدكتور الرميحي حول مكاشفته عن العرب والإدارة حيث يقول:

 

 

لقد خضنا نحن العرب حروبًا عديدة في العقود الأربعة الماضية، وكان ما فشلنا فيه هو إدارة الجيوش، فأنت تقرأ اليوم مذكرات القادة، وقصص الزعماء، فتعرف أن الجيش الذي حارب كانت تنقصه الذخيرة أو الزاد وحتى الماء أو المعارف، وكل ذلك نقص شديد في الإدارة، إدارة الحروب. ثم تقرأ عن معاهدات السلم التي وقعت وتقرأ عن نقائصها وثغراتها وكل ذاك مرجعه نقص في إدارة مفاوضات السلام .وتقرأ عن فشل المؤسسات في تحقيق أهدافها الصناعية والخدمية والتعليمية والإعلامية، وهو نقص أساسي في إدارة تلك المؤسسات من حيث البشر أو الموارد، أو كلاهما معًا. وأن أكبر معوق لنجاح الإدارة في مؤسساتنا العربية هو عدم اعترافنا بأهمية دور هذه الإدارة، وقد قيل : عندما تقلل من قدرات عدوك يهزمك. وقد قللنا من أهمية الإدارة حتى هزمتنا. ولعلنا بمعرفتنا نخوض معاركنا الجديدة وننتصر فلا يوجد بعد الهزيمة إلا الانتصار.

 

 

والله من وراء القصد.