البناء القصصي عند زكريا تامر

 

 

ربما أفضل ما يمكن أن تصف زكريا تامر به، هو الوصف الذي استخدمه إبراهيم الجرادي حين قال عنه؛

"زكريا تامر مسامير في خشب التوابيت"

 

فقد أرسى تامر دعائم القصة السورية وثبتها في خِضم حركة الأدب المضطربة آنذاك.

لا يمكن إهمال دور زكريا تامر في القصة السورية وتطورها، وهو كما يقول عنه الأديب الألماني فولفنانغ فيريك:

"أدب زكريا تامر هو محاربة الظلم والتخلف".

 

 

لتوضيح البناء القصصي عند زكريا تامر سأطرح قصتين من أبرز ما نجده في موروثه الأدبيّ؛ "رجال" و"يوم أشهب". تشكّل هاتان القصتان مدخلًا لأدبه وسببًا وجيهًا لقراءة المزيد له. اقرأ أيضًا: أنطون تشيخوف: ما بعد حداثيّ سابق لزمنه.

 

تُعد قصة "رجال" من أهم وأبرز ما ترك زكريا تامر من إرث أدبيّ؛ فعلى صغر حجمها إلا أنها تحمل في مكنوناتها الكثير؛ فلو نظرنا إلى العنوان "رجال" الذي أتى بصيغة الجمع مع أن البطل واحد هو عبد الحليم المُر الذي يشكل ضمنيًا مثالًا على كل الرجال؛ فهو شرقيّ، مسلم، أصبح مفهوم الرجولة عنده متقزم حدّ التلاشي، لم يعد له دور يعتد به، أو إضافة يشكلها حضوره؛ ليجد عبد الحليم نفسه وقد جرد من كل أسلحة الرجل العربي المتعارف عليها، ولم يبق له منها إلّا "يمين الطلاق".

 

إلى جانب دلالة العنوان الذي لخص وفسر جزءًا من الغموض في العمل الفني، جاءت دلالة اسم عبد الحليم المر؛ الحليم الذي لا يرضى بالدنية أو الرذائل بعكس الشخصية الرئيسية التي حملت الاسم، والتي لم يكن لها نصيب منه؛ لم يستطع عبد الحليم مواجهة المآزق التي وضعت أمامه أو وضع أمامها بحلم! اقرأ أيضًا: 3 روايات تطرح تجربة الاقتراب من الموت.

زكريا تامر الساخر، انحاز للمرأة في مواجهة عقلية الرجل الشرقي، فقد هاجم المجتمع الذكوري السطحي الساذج الذي يكثر فيه التلويح بيمين الطلاق ووقوع الطلاق على أتفه الأسباب.

 

بالانتقال إلى قصته "يوم أشهب"، التي يمكن أن نعدّها "أقصوصة" أو مسرحية من ذوات الفصل الواحد، تعتمد على اللمح والتكثيف والتركيز دون تعدد الشخصيات، سأبدأ الحديث من طرح البناء العام للقصة وتحليل الشخصيات؛ بدءًا من شخصية شكري المبيض، التي أجاد زكريا تامر في رسم ووصف ملامح العنف التي تعرض إليها دون ذكرها بشكل مباشر، فالأقصوصة تعتمد على حسن الاختيارات وتسليط الضوء، وهذه الشخصية تمثل المعادل الموضوعي للشخصية المتحركة، السائق هو الشخصية الثابتة في القصة ومن سماتها أن تكون مغايرة لشخصية شكري المبيض. اقرأ أيضًا: 5 كتب مفضلة لدى أينشتاين.

 

لقد رسم زكريا تامر الصراع في القصة بصورة ساخرة عن طريق حركة الشخصية الأولى وكما نعلم أن الأشياء تتميز بضدها فشخصية شكري تميزت لوجود شخصية السائق والتي تمثل السلطة.

 

عني زكريا تامر بتصوير وتشبيه الشخصيات، فقد أطلق الصفات المتحركة على الشخصية الثابتة وأطلق الصفات الثابتة على الشخصية المتحركة؛ مثلًا: (تمرن، مارس، أخطأت) وهي أفعال إرادية بدرت من شكري، في المقابل؛ (يواجه، سأل) هي أفعال صدرت عن السائق، مشيرًا من وراء ذلك إلى أن الإلحاح هو من صفات شخصية السائق وتحريك الثبوت عند شكري. اقرأ أيضًا: 5 مقاطع موسيقيّة تساعدك على التركيز أثناء القراءة.

 

عمد زكريا تامر في هذا النصّ إلى تصوير طباع السلطة المستبدة في تلك الفترة، وما يتعرض له السجناء داخل السجون، هادفًا من وراء ذلك إلى وصف المجتمع والحياة الاجتماعية ومعالجة آفة الجهل، والسخرية من ذلك الواقع الذي قُلبت فيه الموازين ولم يعد يُنظر إلى الحقيقة بالصورة السليمة.

 

إن فن زكريا تامر وبراعته في وصف عنصر الحركة والسكون وتدرجه في هذا الوصف كان يشدنا في تدرج نفسي وإلحاح عاطفيّ، استطاع التنقل بسلاسة بين التراجيديا والكوميديا مع المحافظة على تلك الشعرة بينهما، وبذلك تمكّن من تغييب الهدف الأساسي لوهلة عن ذهن القارئ. اقرأ أيضًا: "شيء خطير جدًا سيحدث في هذه القرية"؛ قصة لم تنشر لماركيز.

 

قدّم زكريا تامر نصًا أدبيًا يتّسم بالبساطة، واعتمد على اليسر والانسياب دونما مغالاة في الاستعارة أو اجتلاب المحسنات البديعية؛ فالعبارة مألوفة لا يعتريها نادر أو غريب يحد من تدفقها، وهذا هو قوام العمل القصصي الناجح.

 

تقوم طريقة زكريا تامر على مراعاة تسلسل العرض والتدرج بالقصص حتى يرسم ملامح الشخصية التي آثر اختيارها لتكون محورًا لموضوعه الأساسي؛ صانعًا بذلك أداءً فنيًا يميزه عن غيره.

 

 

اقرأ أيضًا: 

10 أفلام من 2015 مقتبسة عن كتب .. عليك مشاهدتها

كيفيّة التغلّب على عقبة الكاتب

7 روايات عليك بها لو كنت من محبّي باتمان

10 كتّاب خسرتهم جائزة نوبل للأدب