التحرر من الزمان والمكان في "لعبة الكريات الزجاجية"

 

 

لأكثر من عامين كانت "لعبة الكريات الزجاجية" على قائمة قراءتي، وأكثر من مرة كنت أقلبها، أقرأ شيئًا عن كاتبها، أنتهي بأن يصيبني كثير من الإحباط وشيء من الغضب ولا أقرأها.

 

رواية "لعبة الكريات الزجاجية" لهيرمان هيسه مكتوبة بأسلوب السيرة الذاتية، الصفحات الخمسين الأولى كانت تأريخًا لشخصية غير موجودة على أرض غير موجودة وفي زمن غير معروف؛ فلا هي معلومات أصدقها ولا هي رواية ممتعة، لكنها نجحت في ابقائي معها. تحرير الكاتب الرواية من ارتباط الزمان والمكان أعطاها اتساعًا وحرية، وقدّم وصفًا جيدًا لما أراد أن يركز عليه.

 

اقليم كاستاليا غير المعروف مكانه تحديدًا على الأرض هو ساحة الرواية، وزمانها ما بعد عصر صحافة التسلية، الذي يكتفي أيضًا بوصفه عوضًا عن تحديد مكانه بالنسبة إلى خط التاريخ؛ فيخبرنا عنه أنه لم يكن مجردًا من الفكر، لكن لم ينجح البشر فيه في توظيف الأفكار والإفادة منها كما يجب، "أو على الأصح لم يعرف السبيل إلى منح الفكر المكان والوظيفة المناسبين له في نظام الحياة والدولة".  

 

كان عصر صحافة التسلية بعد العصر الوسيط الأوروبي، ذلك العصر الذي انتصر فيه العقل وتغلب على وصاية الكنيسة تغلبًا تامًا، وتمتع الفكر "بحرية لم يسمع بها من قبل، حرية لا طاقة له هو على احتمالها" وذلك "دون أن يكون قد تمكن  من التوصل إلى قانون أصيل يحترمه، ولا إلى سلطة أصيلة وأساس للتحليل والشرعية" بحسب وصف الكاتب، تميز عصر التسلية بالفردية المطلقة التي كانت إحدى نتاجاتها تلك المقالات التي تتناول الحياة الخاصة للعلماء والمشاهير وعلاقاتهم ورسائلهم عدا عن منتجاتهم الأدبية والفكرية، كتّاب هذه المقالات كانوا من هيئات تحرير الجرائد أو من الكتاب "الأحرار" وكانوا يعرفون بأنهم "أدباء".

 

مع ما ذكر عن عصر صحافة التسلية إلا أنه وفي فترة انحدار فكرية شديدة نشأت أعمال عظيمة كان لها أثر مستمر في الحياة الحاضرة مثل الموسيقى، ثم كان النتاج العظيم من هذا العصر والذي قام بعد صراعات ومجاهدات من مخلصين آلمهم ما كان عليه الحال ووضعوا لعبة الكريات الزجاجية التي هي العنصر الأساسي في روايتنا. ولا يزال هيسه متمسكًا بمهارة في الحفاظ على تركيز القارئ على أفكاره الأساسية؛ فلا يذكر كيفية اللعبة ولا أصولها ويقتصر على ذكر خصائصها التي تعتمد على العلوم والفنون (بخاصة الرياضة والموسيقى) ويتم فيها إنشاء وتبادل صيغ وعبارات علمية معتمدة على هذين العلمين بشكل أساسي.

 

أما الشخصية الأساسية فهو يوزف كنشت الذي تؤرخ له الرواية، والذي سيصبح أستاذ الموسيقى ورأسها في إقليم كاستاليا. تسرد الرواية بسلاسة -مملة في بعض الأحيان- تسلسل حياة كنشت ابتداءً من اختياره ليدخل عالم الصفوة. أحسن الكاتب ثانية في تحرير الرواية من الروابط والتركيز على أفكاره فيها إذ بدأ بمقدمة تعزل كنشت عن الحياة الشخصية فهو منذ طفولته وحيد معزول.   

 

كان إلى جانب اللعبة مخرج آخر مهم من مخرجات عصر صحافة التسلية بل لعله أشد أهمية من اللعبة ذاتها، وهو انفصال أصحاب الفكر والعلم والمشتغلين بهما "الصفوة" كما يسميهم الكاتب عن الدنيا وحياة البشر فيها وهنا مركز الرواية.

 

الصفوة في كاستاليا لم تخل من الروح البشرية وحاجاتها، فكانت تقارب الحياة الروحية وتفاعلاتها بأشكال أخرى غير تلك التي ينكرونها من الدين؛ فهم يقدسون الماجستر ومعلمي الموسيقى، ويتبعون نظامًا هرميًا لا ينحرفون عنه، كما يحصرون فكرهم في العلم فيجعلونه مسلكًا وملجأ. وعلى لسان الماجستر:

 

" كاستاليا تفوق الجمهوريات الأخرى وتعلوها في شعورها بذاتها نتيجة لوظيفتها ذات الصفة الفنية الخاصة، تلك الصفة التي توشك أن تكون قدسية" ويكمل "أننا نمتاز بمهمة هي المحافظة على قدس أقداس كاستاليا، على سرها الخاص ورمزها الفريد، ألا وهو لعبة الكريات الزجاجية".

 

وكانت تتم ادارة الإقليم من قبل هيئة عليا شديدة التنظيم لها بروتوكول ونظام هرمي يقدسه أصحابه ولا يخالفونه.

 

الرواية بطيئة في أحداثها، هادئة، تكاد تخلو من التسارع والتشويق، لكنها تمسك بك للبقاء معها، تدافعُ الأفكار التي وإن كانت مضطربة لكنها هادئة. يصادفك الشعور بالملل بسبب الأحداث القليلة المتوقعة وما أن انتصفت الرواية حتى بلغ بطلها قمة الهرم وأصبح رأس الإقليم، فتساءلتُ عن ما بقي للكاتب ليقوله إذا كان كنشت قد وصل الى رأس الإقليم، لكن مرة أخرى الأحداث ليست هي ملعب الكاتب، وإنما الأفكار؛ فعلى الرأس تبرز فكرة كنشت الأساسية، عن صلة الإقليم بالحياة الدنيا وعن دور كاستاليا فيها، وحاجة الكاستاليين إلى أهل الدنيا كما أن الآخرين يحتاجونهم، عن الانتقال من المرحلة التي تقيم بها إذا ما وصلت أوجها قبل أن يُكتب لك الفناء الذي هو الدورة الطبيعية، عن أهل كاستاليا الذين لم يستمعوا لكنشت ولم يقبلوا فكرته، عن قتاله حتى اللحظة الأخيرة!

 

هل على الدنيا أن تكون منفصلة عن الفكر، ثم هل على التاريخ أن ينفصل عنهما؟

 

الحياة هي ذلك الخليط المتكامل، وإن لم يبد لنا تكامله، هي تلك الخطوط المرسومة بعناية لا نملك أن ندركها كلها، هي صراخ المرء في فكره ودنياه، بين روحانياته وقدسيته وشيطانياته، في التاريخ الذي يحلو قليلًا ويقبح كثيرًا، ثم في الفنون التي تخرج بعد عراك النفس والفكر والتاريخ، نلتمسه فيرتفع بنا بينما نحن في أدنى الأرض نحرثها.

 

لماذا يصور هيسه ابن الدنيا وابن الطائفة الكاستالية حين يسيران في يوم كثير السحب بين النور والظلام، جاعلًا النور للطائفة والظلام لأهل الدنيا؟ نعم، في الأرض نور وظلام، يسعى الإنسان للنور ويريده لكن لا يمنعه من أن يدرك أنهما مختلفان يؤديان ما عليهما من جميل التعاقب وما ينتج عنه.

 

 

اقرأ أيضًا: 

الإيقاع المتحول لرواية "جنوب الحدود، غرب الشمس"

7 روايات أساسية في كل مكتبة!

كاريزما غرينوي في "العطر"