التوازن الصعب بين الحميمية والاستقلالية: جبران عن سرِّ دوام الحُبّ

 

 

 

"أحِبّا بعضكما، لكن لا تُقيِّدا المحبّةَ بالقيود، لِتكُن المحبّة بَحرًا متموِّجًا بين شواطئ نفسَيكما."

 

"ما نفع الوقوع في الحب إذا لم يحرك ما في داخلكم؟"سألت ماري مكارثي صديقتها هانا أريندت خلال تراسلهما عن الحب. هذا السؤال يدور في الأذهان لأنه يتطرق إلى نقطة أساسية في الحب، أصدقه وأكثره قوة.

 

دائمًا ما يغيرنا الحب، يشفينا من أمراضنا الموجعة، يرفعنا إلى الأعلى، نحو أقصى قدراتنا الإنسانية. وكما كتب الرئيس السابق للولايات المتحدة باراك أوباما في تأملاته عما علمته أمه عن الحب، يسمح لنا الحب "أن نخترق عزلتنا وإن حالفنا الحظ نتحول أخيرًا إلى شيء أكثر قوة." اقرأ أيضًا: التحوُّل فجأة من الصداقة إلى الحب: رسائل سارتر إلى سيمون دي بوفوار.

 

 

لكن في الأيدولوجية الرومانسية المبنية عليها اعتقاداتنا الحديثة عن الحب، قوة العلاقة تؤخذ إلى أبعد ما يمكن بحيث يحاول كل من الطرفين الذوبان في شخصية الآخر، وهنا يعود الحب هشًا، فعندما يشترك الحبيبان معًا بشكل كامل، وبقرب، يصبح هذا الالتحام واعتمادهما على بعضهما كالشلل، وتتغير هذه القوة الكلسية لتصبح معرضة للكسر في حال النمو.

 

في أسمى أنواع الحب تتواجد العلاقة التبادلية بالأفكار والمشاعر، مع فردية واستقلالية تامة، وكلا العاملين يتغيران بسلاسة ومرونة. اقرأ أيضًا: لماذا عليك أن تقرأ المزيد من الروايات الرومانسيَّة؟

 

الفيلسوف مارتن هايدغر صور ذلك بطريقة رائعة في رسائل الحب لهانا:

 

"لماذا يكون الحب غني بالمقارنة مع كافة التجارب الإنسانية المحتملة، وعبئ بمذاق حلو لمن هم مأسورون في شباكه؟ لأننا نصبح ما نحب ولكن نبقي أنفسنا."

 

 

 

يستكشف جبران خليل جبران (6 يناير 1883-  10 ابريل 1931) الشاعر والفيلسوف والرسام اللبناني، برؤية غير مألوفة وبدقة شعرية هذا التوازن الصعب بين الحميمية والاستقلالية في نص من تحفته الفنية؛ النبي- 1923. اقرأ أيضًا: حكاية حطام عشق في رواية "ظلال العشق".

 

 

كنصيحة، لسر بقاء الحب بين الأزواج، يقول جبران:

 

"ولكن فليكن بين وجودكم معًا فسحات تفصلكم بعضكم عن بعض حتى ترقص أرياح السموات فيما بينكم.

أحبوا بعضكم بعضًا ولكن لا تقيدوا المحبة بالقيود، بل لتكن المحبة بحرًا متموجًا بين شواطئ نفوسكم.

ليملأ كل واحد منكم كأس رفيقه ولكن لا تشربوا من كأس واحدة، أعطوا من خبزكم كل واحد لرفيقه ولكن لا تأكلوا من رغيف واحد.

غنوا، ارقصوا معًا، كونوا فرحين أبدًا، ولكن فليكن كل منكم على حده؛ كما أن أوتار القيثارة يقوم كل منها وحده ولكنها جميعا تخرج نغمًا واحدًا.

ليعط كل منكم قلبه لرفيقه، ولكن حذار أن يكون هذا العطاء لأجل الحفظ؛ لأن يد الحياة وحدها تستطيع أن تحتفظ بقلوبكم.

قفوا معًا، ولكن لا يقرب أحدكم من الآخر كثيرًا، لأن عمودي الهيكل يقفان منفصلين والسنديانة والسروة لا تنمو الواحدة منهما في ظل رفيقتها."

 

 

 

يمكنك -عزيزي القارئ- الاطلاع على عدة أعمال في هذا السياق، منها:

فيرجينيا وولف في ما يجعل الحب يبقي، الفيلسوف آلان باديو في كيف نقع ونبقي في الحب، آنا دوستويفسكي في السر لزواج سعيد، ماري أوليفر في كيف أن الخلافات تجعل الأزواج أقرب معًا، وجوزيف كامبل في العامل الوحيد الأكثر أهمية في الحفاظ على العلاقات الرومانسية، وأيضًا يمكنك زيارة جبران مجددًا في المجنون.

 

 

المقال مترجم، لقراءة النصّ الأصلي اضغط هنا.

 

 

اقرأ أيضًا:

أصل الحب في كتاب "طوق الحمامة في الأُلفة والأُلّاف"

الحب، قدرٌ يتربص خلف الباب

مذهلات توجب قراءة "الحب في زمن الكوليرا"

"عيناها"..رحلة نحو الرواية الإيرانية