الشخصية الروائية بين إبداع المؤلف ونتاج الواقع

 

 

 

كثيرًا ما نقرأ روايات وكتبًا فكريةً وتمضي هذه الكتب في حال سبيلها دون شيء يَعلقُ في الذهن، تحاول بعد فترة تذّكر أحداثها وأفكارها وحتّى شخصياتها لكن دون جدوى، وتجد نفسك قد قرأت كِتابًا من سنوات لكنك لم تنسَ شخصيته الرئيسة، وهنا يأتي السؤال، لماذا شخصيات دون غيرها تعلق في أذهاننا؟ لماذا تعيش هذه الشخصيات وكأنها أحد أفراد عائلتنا؟.

هناك عدة متغيرات تتحكم في بقاء الشخصيات الروائية أو القصصية في ذاكرة القارئ، أحيانا يجد فيها نتفاً من سيرته الذاتية، أو يكتسب من تصوراتها وحواراتها تعليقات مفيدة على ما يعرفه من الحياة، أو يشعر بعد أن يتعرّفها أن معرفته بنفسه قد تزايدت، أو تختصر هذه الشخصيات تاريخًا سياسيًا أو اجتماعيًا. لعل الشخصية الروائية تحدد ذاتها قبل أن تُكتب، أي إنها موجودة في الحياة، وما على الروائي إلا أن يتمتع بحدسٍ لكي يستدل عليها.وهنا، هل الروائي “صانع” للشخصية الروائية، أي أنها تقف بكل أبعادها وصفاتها وأفعالها تحت تصرفه؟ أم أنه “كاشف” عنها فقط، يدوّن ما تقوم به من أفعال، وما تتكلم به؟.

 

أذكر أن جابرييل غارسيا ماركيز تحدث في أحدى قصصه عن شخصية قال عنها: شخصية روائية تعيش لكي تبحث عن مؤلف، ويبقى الروائيون في انتظارها طيلة حياتهم. في نظر ماركيز فإن الشخصية الملهمة هي شخصية لا يحاول الكاتب إستجلابها من مخزونه الإبداعي وإنما هي شخصية تبحث عن المؤلف حتى تجده. الروائي الذي لا يملك قدرة الممثل على التقمص يفشل في تقديم شخصية ناضجة. الروائي الذي لا يتلبس حالة الشخصية ويجعلها في مقام الكائن الحي ولا يقرأ شخصيته بشكل عميق يقدمها بشكل مرتبك.

وهنا بعض من الشخصيات الروائية التي حاول كتّابها تحميلها الكثير من المضامين:

 

1. الأمير ميشكين ” الأبله” Prince Lev Nikolaevich Myshkin (ثيدودور ديستوفيسكي Fyodor Dostoyevsky)

 

من لوحةٍ في معرض بازل إلى شخصيةٍ روائيةٍ تحاسب وتسخر من الأرستقراطية الروسية،” المسيح يُرفع من على الصليب” للفنان هانز هولبين في متحف بازل هي تلك اللوحة التي توقف عندها ديستوفيسكي كثيراً قبل أن يكتب روايته “الأبله”، هذه الشخصية التي تمثل المسيحي المثالي الذي يقف في منتصف المجتمع ليكشف له عن عوراته ونقائصه وعيوبه، في نوبات صرع ديوستوفيسكي كان الأبله يظهر ويختفي، ثمانِ مسودّات احتاج هذا الكاتب حتى يصنع شخصيته التي أرادها أن تكون الشاهد على روسيا، أراد من هذا الأبله أن يكون المسيح المصلوب لأجل رفعة البشرية وصلاحها.

 

2. أبو الخيزران ( رجال في الشمس – غسان كنفاني)

  هي شخصية المهرّب الفلسطيني الانتهازي المخصيّ الذي خسر رجولته في عام 1948، يعبر أبو الخيزران الحدود الكويتية العراقية “بالفهلوة” وهي دلالات إن أُخذت في سياقها الزمني كانت أكثر ميلاً للتدليل على القيادة الفلسطينية التي تؤدي بعد هزيمتها دور متلاعب انتهازي ينتهي بثلاثة فلسطينيين بالقضاء اختناقا داخل خزّانه الذي مع كل مشهده الإنساني لتخليصهم، إلا أنه لا يتورّع عن سرقة حاجياتهم وإلقاء جثثهم في مكب النفايات، وإطلاق صرخته النهائية اللائمة لهم والمتبرئة من علاقتها في أي شيء ” لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟!”. كالقيادة الفلسطينية المتباكية على الشعب الفلسطيني ولكنها لا تتوقف عن استغلال قضيته لمصالحها الشخصية. ألم يكن غريباً أن يكون المكان مليئاً بالمهربين الخبراء من البصرة إلا أن الشخصية التي يقع عليها الاختيار هي شخصية أبو الخيزران الفلسطيني؟.

 

3. بازروفBazarov – (الآباء والبنون- ايفان تورغينيف Ivan Turgenev)

 

هذه الشخصية تجسد نموذجاً لثورة الجيل الجديد في القرن التاسع عشرـ على الجيل القديم، كما أنها تسعى إلى تشريح الصراع بين الشباب والشيوخ، بشكل إنساني عام. لكنها في الرواية تتناول مجتمعاً إشتراكياً بالتأكيد.يقول السيد خالد ربيع السيد في مقالته في صحيفة عكاظ “رسم الكاتب شخصية بازروف كشاب ذكي ومتمرد لا يشترك مع الجيل القديم في كثير أو قليل من السلوكيات أو الآراء أو الفكر على نحو عام. أي أنه يمثل الانفصال الثقافي بين جيلين متعايشين في زمن واحد، الأمر الذي أدى إلى حدوث مفارقات وغربة (تعايشية)، وذلك ما يصوره ترجنيف بفنية فذة من خلال بطله بازروف ذو الشخصية الساخرة غير التقديسية “.

 

4. الأخ الكبير ( 1984 – جورج أورويلGeorge Orwell)

 

ما زال الأخ الكبير يلد أخاه منذ القرون الأولى، هذه الشخصية التي تحرّك حبال الدمى في مسرحية الدولة الشمولية، هل كان أورويل يضع رؤية مستقبلية للأخ الأكبر أم أنه كان يستعيد الماضي فيها؟ الملفت في هذه الشخصية أنها لا تتكلم ولكنها تنظر فقط للشخصيات الأخرى ومع ذلك فالمحور الرئيس لصراعهم النفسي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي يتوقف عنده، “الأخ الكبير يراقبك” عبارةٌ يستطيع أي مواطن في أي وطن أن يشعر أنها موجهة إليه.ليفنى الشعب ويبقى الأخ الكبير، هل طرق أسماعنا لفظ مشابه؟ لعله “القائد المفدّى، الملهَم، العظيم” وغيرها من هذه التسميات التي تجترّ الأخ الكبير مرة تلو أخرى.

 

5. ميرسول Meursault(الغريب – ألبير كامي Albert Camus)

 

إن عدميّة ألبير كامي قد تجسّدت بوضوح في شخصية ميرسول، هذا الإختزال لعموم الأوروبيين في شخصية واحدة، شخصيةٍ كان يجب أن تفيقَ هذا العالم الدامي من جبروت قتله وتقول له إن الموت أصبح عاديًا جدًا، كانت الحرب العالمية الثانية دامية بحق، فكانت الشخصية مدروسة بقدرة كاتبها على صياغة هذا التاريخ العالمي المتحارب في شخص واحد تشغله التفاصيل ولا ينظر للأمور العظيمة من حوله، هي صرخة في وجه العالم أنكم استمرأتم الموت فأصبح عادياً جداً.

 

 ليس هنالك شخصية تستطيع أن تكون مؤثرة وذات طابع خاص ما لم يكن كاتبها قادرًا على استنباط الغايات النهائية منها ومعرفة سقفها، اللمسات الأخيرة التي تضربها فرشاة الكاتب على لوحة روايته لعلها هي ما تجعلها تدوم إلى الأبد في ذاكرة القارئ.

 
 

اقرأ أيضاً

5 روايات عالمية تتجسد بحرفية سينمائية

الأعمال العشرة الأكثر سوداوية في الأدب العالمي

"الغريب" فلسفة أمل