الطنطوريّة وحكاية عُمر

 

 

 

منذ مدة وأنا خائفة كيف أكتب عن الطّنطوريّة ؟ ومن أي جانب أكتب؟. استدرجتني تفاصيلها الصغيرة كما الكبيرة،  " أليست الكتابة غواية؟ " كما هو وقع الرواية على روحي .

تفاصيل عن رحلة العمر عندما ننظر إليها رجوعاً، أجبر نفسي لكي لا أتذكر، فتتناثر حكاية العمر شظايا، يُستشف منها  لون ضبابيّ يحيلني إلى نقطة الصفر في كلّ مرةٍ من جديد،  وتمضي السنون .

 

رواية الطنطورية عن قطار الحياة السّريع الذي يمرّ بنا خطفاً. لهذا ربما ورطتني معها، فلقد وجدت في الطنطورية تبريراً للطريقة التي سلكت بها في الحياة دون أن أعي، يوم اخترتُ أن أصعد كما رقيّة الطّنطوريّة قطار الحياة مولّية ظهري لمقدمته،  ينطلق بالآخرين و بي نحو الأمام و أنا مُتشبثة بنقطة واحدة تجاوزها القطار عمرًا. اقرأ أيضاً: في ذكرى رحيلها: 24 اقتباساً لرضوى عاشور ستأسرك.

حين يختل بنا الميزان ولا نعود نعرف ماذا نريد فنصعد قطار الآخرين اضطراراً  دون جلبة،  لكننا في الوقت نفسه ندخل قطاراً يخصُنا وحدنا، نحاور الاخرين اذا اقتضت الضرورة، و إلا فنعود إلى الصمت القديم.

  يتوارى في الصمت الكلام ، يسكن متمترسًا فيه .

كيف يروض الانسان الوحشة في روحه؟ وهل يتظاهر بالنسيان و يوغل في التّظاهر "تناسيت حتى بدا أني نسيت" ،  "وبعدها رحتُ ككل مخلوقات هذه الأرض ، أسلك بما يضمن لي البقاء" .

لكنّ رواية الطنطورية كالقدر، لا تقبل أن نضبط فيها الغصّة و الرعشة و نداري دمعاً بات يخجل منه العمر. إنّها تفتح الباب على مصراعيه  "الباب المغلق من سنين بقفل و مفتاح كبير و سُقّاية " ، تشقّ جرحاً قديماً معتقاً، فتسكنك بوجعها الشّجي و تبعثرك روحا و تُبكيك. أين كانت كلّ هذه الدّموع ؟؟ في طياتها سُكِب الألم و الأمل و الحزن و الشّجن رهافة و صدقاً.  اقرأ أيضاً: الصرخة.. آخر أعمال رضوى عاشور.

 

عن الطّنطوريّة و عين غزالة و حيفا و جنين و صيدا، تحدّثت عن الخذلان و العار و المدد الذي لم يصل، غصّة تسدّ مجرى التنفس. وعن صبرا و شاتيلا، عن العالم حين يُجنّ و الموت حين ينفجر كثيفاً و حين تصمت السّماء، وعن الذّباب، سُحب من الذباب حول الجثث. اقرأ أيضاً: "الطنطورية" حكاية فلسطين التي تسكننا.

 وهي أيضاً حكاية المرأة الفلسطينية بامتياز، رقية الطّنطوريّة بطلة الرواية ليست شخصية روائية إنما هي كلّ نساء فلسطين، هي الأم الفلسطينية التي حملت مأساتها بثبات " مطولة يا أمّي ...مطولة"  .

 

أتذكّر درويش :

"فلسطينية العينين و الوشم ، فلسطينية الاسم ، فلسطينية الأحلام و الهمّ .....فلسطينية كانت . و لم تزل! "

 

رقية الطّنطوريّة، امرأة أصيلة تعيش في الشتات الفلسطينيّ، تحمل على صدرها مفتاح الدار. 

"وضعْتُهُ على راحة كفي اليسرى و تأملته، مفتاح حديدي قديم، داكن اللّون صقيل، يملأ الكفّ و له ثِقل"

 

رضوى عاشور، سأنحاز دائما لقلمك، فغيابه أثقل من رضوى.