المؤمن الصادق؛ قوة الجماعة كمحرك للإيمان

 

 

لطالما اشتغل لهيبٌ بين ملحد ومؤمن، يساري ويميني، حديث وعتيق بتراشق كل ما بإمكانه تجريد السيء منهم من سوءه وإسقاط اللوم بين وعلى كُلٍ منهم والآخر.

 

يجهل طرفا كل احتدام أن الحق لم يُودع لفئةٍ دون سواها، ويجهلان أكثر من ذلك أن ما يحدث بينهما من ثورةٍ واستثارة ليس سوى إيمان جزيل في كيانهما الذي يتبعانه.

 

 

من هنا تأتي قوة الجماعة فعليًا؛ عندما يبدأ أفرادها برؤية الحقيقة واحدة وهي بين أيديهم وفي ما يعتنقونه. والإيمان إذ لم يكن قولاً واعتقاداً لا يُشكّل وجوده للفرد عن انعدامه تأثيراً كبيراً.

 

 

 

المؤمن الصادق تُعمى عنه عين البصيرة التي في عقله -والتي هي في قلبه قبل ذلك- عن أي شكٍ بإذعان تام لإيمانه الذي يراه بصورة الحق المتفرد الوحيد، حاجبًا به نفسه والعالم عن النظر لأي شيء عداها أو حتى الشك فيها. القوة التي تجعل المؤمن لا يرى حقيقة غيرها. المؤمن العادي يُشكل تربة خصبة لأنه في تلك المرحلة لم تتمكّن منه عاطفته تجاه ما يعتنقه ويتخبط فيه بين الفكرة ونقيضها دون اعتناق أو تصديق لأي منهما.

 

 

على سبيل الإيضاح، الاقتصادي الذي يظهر في حالات الإنعاش الاقتصادي باثاً بلا انقطاع النظرة التفاؤلية اللامحدودة واللا مشروطة لتحسن الاقتصاد وازدهاره، كل ذلك يحدث عنفوانياً منه نظراً لإيمانه الشديد بتحسن الاقتصاد وأيضاً محدودية الفرص التي تجعلنا نرفض الواقع وتجعل الحياة خالية من الرتابة. إيماننّا الصادق يقود حماسنا وطاقتنا للعمل. لا شيء بتأثير الإيمان في نفس مؤمنيه قادر على جعل الصعب هيّن والمُرّ حلو. عندما يكتسح الكساد الأسواق، وينهار الاقتصاد سيسهل اعتناقه هذا المؤمن لأي جماعة منافية.

 

 

يحدث أن يكون العدو حافزاً للمؤمن وكثيراً مايحدث. فيظهر من يخضع طواعية لإيمانه الحاد ويذوب في الكيان الذي ينتمي إليه ويتشكّل على إثره دون وعي أو هوانة. يسعى المؤمن لإثبات يقينه بأن يُسخّر أمامه عدواً يضمن بدوره قوة العقيدة التي اصطفاها وإضعاف خصومه بإثبات ذلك لنفسه وللجميع باستمرار.

 

 

ولا عين قد تغفل الرايخ الألماني الأشهر عن شيء كهذا, كونه عمل على اضعاف اليهود ولم يأت ذلك من أفران الغاز التي أوقدها بل القدرة على ضم الحلفاء ممن يكره اليهود إلى جانبه. عندما تستشعر قوة المؤيدين تزدد عِنداً وكراهية للخصم.

 

 

الذي فعله هتلر أنه استطاع التماس عواطف ومشاعر قوى الدول وصولاً للشعب الألماني حتى تنجح عقيدته. لم يستطع تخيّل إلا ما أراده من قتل ودم في سبيل القضية المقدسة التي آمن بها.

 

 

لم تكن النازية بصورتها الكاملة في عين هتلر ظاهرة حتى لأقرب أتباعه وهذا النوع من الخداع مطلوب لإذابة الأفراد أكثر بالقضية المقدسة والذي هو مطلوب لقوتها. أن تؤمن يقتضي أن تذوب وتتجرّد من كُل الخيارات المحتملة لشرعٍ عداء قضيتك. والأفراد بإيمانهم يُضحون ويخضعون برضا تام.

 

 

البراهين والمُسببات المنطقية التي يدركها القائد لا يمكن أن تكون كذلك على الأتباع أو الصفوة منهم. ليس لأنها لا تفكر منطقياً لكن لأنها لا تتأثر ولا يتم صقل عاطفتها من خلال المنطق. لذلك خطابات هتلر لم تعد ذات منطقٍ حينما تسمعها الآن كما كانت عند جمهوره؛ لأنه كان يعرف تماماً الكلمة والعبارة والتشبيه للوصول لعاطفتهم. إن خلق رأي خاصٍ بالفرد لا يتشكل سريعاً ولا في ليلة وضحاها بل هو عملية مُستمرة من الملاحظة والنقد.

 

 

على هذا يُفسّر المؤرخون أن انضمام ورضوخ الفرد الألماني تحت الحُكم النازي بشرعيته الكاملة كان مُحققّاً ومتوقعاً جداً. أثّر بهم هتلر بحماسة وقادهم لحياة جديدة مما دعاهم بسهولة للإيمان والتصديق به دوناً عن النظام الشيوعي الذي كان منهجهم المثالي.

 

 

خطابات هتلر للشعب الألماني والعالم كانت الأذكى والتي لا يزال الناس يستخدمها كمثال قوي على شحذ الهمم ومثال لإيمانٍ قوي امتلكه الفوهرر الذي كان يستمتع بكل قطرة دمٍ تُسفك من يهودي. ورغم كل ذلك استطاع بإيمانه وولعه الشديد بالنازية تطويع القوى البشرية التي امتلكها واخضعها له.

 

 

خلق هتلر في نفوس الألمان صورة القائد العظيم الذي سيقودهم بحماسة لألمانيا جديدة. كان مؤمناً بقدرته على جعل ألمانيا تتسلّم يد السيطرة على العالم وأن تفرض هيمنتها عليه، لكن بطريقة هتلر المختلفة. استطاع أن يمتلك قلوب الألمان بسطحية واضحة لكنها عميقة في نفوسهم وهي ببساطة قوة الشعارات والخطابات والعبارات المُستخدمة في ايقاد الحماس، عندما يرى الضعيف في غيره رمزاً القوة والحماس! يؤمن به سريعاً وتتبسّط الأخريات الباقية في ذلك.

 

 

يستحيل أن تلمس قضية ما الواقع دون الإيمان الشديد والكثير من المشاعر الطارئة التي قد لا يقبلها مؤمن إذ كانت خارج قضيته. نؤمن أننّا سنستيقظ والشمس تأتي شرقاً والقمر يذهب بعيداً, وأن التفكير دوناً عن ذلك مُفزع ومُهلع. أن تفكر بما يُعاكس المألوف قد يحدث يوماً بتصديق وإيمان لا يأتي من قوة يضعف بريقها في عين المؤمن عقداً والآخر بل هي عقيدة تتوالد وتكبر وتعيش كثيراً. الإيمان وحده من يجعلنا نؤمن بأن ذلك سيحدث ممّا يُجدد التصديق به و بالميعاد القريب.