المؤمن الصادق: أن تتحرر من الحرية

 

 

 

"المؤمن الصادق: أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية"؛  لإيريك هوفر، من ترجمة الراحل غازي القصيبي. هذا الكتاب الذي ألفه عامل بسيط أثناء عمله في ميناء سان فرانسيسكو، ومع ذلك يقدم رؤى رائعة تجاه طبيعة الحركات التي تستمد جذوتها الأولى من الجماهير، كما يقدم تعريفه لتلك الحركات وأوجه الشبه والاختلاف بينها وبين الجيوش، ورغم أن الكتاب نشر في عام ١٩٥١، إلا أنه ينطبق على أغلب الحركات سواء كانت سياسية أم ثورية أم دينية أم شعبية، كما يقدم تفسيرات منطقية لنزعة الفرد غير المبررة للانخراط في تنظيم يسلبه فرديته ليصبح عبدًا لنزعات الجماعة، يلخصها باقتباسه "واستخدموا القاذورات سلاحاً لهم"، حيث تتوقد نارها عبر الأتباع المحبطين، وبعد أن تنتهي حفلة رفض الواقع، يقفز المتطرفون ليقودوا السفينة دون رحمة، وإذا كتب للحركة الاستمرار فإن الرجال العمليين سيتولون الباقي لتتحول إلى ما يشبه السلطة القديمة. اقرأ أيضًا: حكاية التهام لرواية يخبّئ في جيبه قصيدة. 

 

القسم الأول: جاذبية الحركات الجماهيرية

تجذب الحركات الجماهيرية الأتباع لأسباب أهمها: الرغبة في التغيير، فكل ما يريده الأتباع المحبطون في الغالب هو الهروب من أنفسهم، لذلك بزغ نجم الحركات الدينية في الماضي، كالمسيحية والإسلام ثم حركة الإصلاح البروتستانتي، ثم أتت الحركات الثورية والسياسية، كالثورات الفرنسية والإنجليزية والبلشفية والحركات القومية النازية واليابانية وغيرها، كل تلك الحركات كانت تذيب الأتباع في المجموع وتعطيهم البديل المنتظر عن أنفسهم التي يكرهونها وواقعهم الذي يهربون منه، إنها تحول أصحاب الدكاكين الصغيرة إلى عمال وجنود في حلم كبير وأمل جديد ينتظرونه، يقول هنري ثورو:

 

"عندما يشكو المرء شيئاً يحول بينه وبين القيام بواجباته، حتى عندما يجد ألماً في أمعائه، فإنه يبادر إلى محاولة لإصلاح العالم!"

 

 

هؤلاء المحبطون غير راضين عن أنفسهم وبنفس الوقت لديهم إحساس بالقوة، ومشحونون بالأمل. الراغبين بالتغيير تتوقد لديهم الآمال الجامحة، الأمل بجنة في السماء، أو جنة على الأرض.
 

 

إحباط + إحساس بالقوة + آمال جامحة = أتباع متوقعون لأي حركة، لا يهم ما أهداف الحركة، الأهم أن تلبي الشوق إلى الخلاص من الذات، بل إن المطرودين من أي حركة جماهيرية هم أتباع محتملون لأي حركة أخرى، حتى لو كانت العدو الأول لحركتهم. هكذا نفهم أن الشيوعين كانوا ينضمون فورًا للنازية إذا انسلخوا عن الشيوعية. اقرأ أيضًا: لماذا عليك أن تقرأ المزيد من الروايات؟

 

المحبطون يجدون في الحركة بديلاً لأنفسهم أو لجزء منها، والإيمان بقضية مقدسة هو محاولة للتعويض عن الإيمان الذي فقدوه بأنفسهم.

 


 

 

 

القسم الثاني: الأتباع المتوقعون

الطبقة الوسطى (الغالبية) هي التي تحفظ توازن أي أمة، بينما ينفرد الصفوة بالمناصب والتعليم والتفوق، ولا يتبقى للطبقة الدنيا شيء فتمتلئ بالغوغاء، ويُقصد بالغوغاء المجرمون والمنبوذون وفاقدو التوازن والعاجزون والفاشلون وغيرهم، والمفارقة أن من يصنعون التاريخ ليسوا الأغلبية من الطبقة الوسطى، بل الصفوة والغوغاء، والغوغاء هنا هم أتباع مثاليون لأي حركة، لأنهم لا يكنون أي احترام للوضع الراهن ولا يرون أملاً في العلاج، ويفضلون الانصهار في عمل جماعي ويؤمنون بالحلول الراديكالية واقتلاع النظام القائم، سواء عبر ثورة أو هجرة جماعية أو حركة قومية أو جماعة متطرفة. المنبوذون هم من يشكّل حجر الزاوية سواء في بناء عالم جديد كما فعل المهاجرون المنبوذون من أوروبا حين بنوا أمريكا، أو في نشوء حركة ثورية أو مد قومي كما في الحركات الشيوعية والثورات الشعبية والقومية. في الكتاب تحليل نفسي عجيب لمختلف فئات المنبوذين. اقرأ أيضًا: "ما بعد الظلام" ودهشة موراكامي التي لا تنطفئ.

 

 

كما أن الفقراء ليسوا جميعاً أتباع محتملون، لأن الذين يعيشون على الكفاف والذين عاشوا مدة طويلة في جو الفقر لا يفضلون تغيير الأوضاع الراهنة، لكن حديثي الفقر والذين فقدوا اتزانهم لا يستطيعون تحمل المأساة؛ يسكنهم الشوق للعودة لمجد الماضي، كما أن الفقراء فقراً مدقعاً لا يملكون سوى البؤس ويفتقدون لما يملأ فراغ يومهم فهم ليسوا كفقراء الكفاف الذي يعيشون صراعاً يومياً للبحث عن لقمة العيش.
 

أما الفقراء الذين تعودوا على العبودية فقد لا يشكون من تسلط النظام القائم بعكس الأحرار، الحرية عبء كبير لا يستطيعون تحمله.
 

وعلى النقيض نجد أن الذين يتمتعون بروابط اجتماعية قوية لا يميلون للانضمام لأي حركة، وكذلك الذين ينطوون تحت ستار قبلي أو عرقي أو ديني كبير وحميم، فهم يشعرون بالانتماء للجماعة ولا يحبذون تغييرها، لذا تعمد التحركات الجماهيرية وحتى الثورية والدينية لتحطيم الروابط القائمة وجعل الانتماء الحركي أو الديني الجديد في المقدمة وإجبار الفرد على أن يفضّل القائد على أهله وعشيرته ولو خيّر بينه وبين أهله لفضل التخلي عنهم فداء للحركة/ الدين/ الثورة/ القائد.
 

 

 

القسم الثالث: العمل الجماعي والتضحية بالنفس

المحبطون لا يهربون من وضعهم القائم، هم في الحقيقة يهربون من أنفسهم، وهذه الرغبة تتجسد في الاندفاع للعمل الجماعي ومحاولة طمس الذات، أن يكون الفشل جماعياً لا يعني أنك السبب، بينما فشلك في تحقيق ذاتك هي مسؤوليتك وحدك، وهي مسؤولية جسيمة يعمد البعض للهرب منها.

 

عندما يذوب الفرد في الجماعة يصبح جزءاً من الآلة الضخمة، ويكف عن أن يكون فلان، يصبح شيوعيًا، ألمانيًا، مسيحيًا، مسلمًا، عضواً في القبيلة العريقة، قوميًا عربيًا، أيًا كان المجموع، المهم ألا يكون فردًا، بل ذرة في جنس عريق ذو ماضٍ ضارب في القدم ومستقبل يلوح بالبشائر. اقرأ أيضًا: أسلوب الأديب مارون عبود النقدي ورؤيته للنقد.

 

 

الاستعداد للتضحية بالنفس يتطلب عقيدة مخلصة تؤمن أنها تتبع الحقيقة المطلقة، وهذا هو دور الجماعة التي توصل أتباعها للإيمان الأعمى، لدرجة أن جنودًا يابانيين رفضوا لسنوات تصديق أن اليابان هُزمت. المؤمن الصادق لديه القدرة على أن يغمض عينيه ويسد أذنيه، بل إن باسكال قال عن العقيدة الفاعلة أنها لابد أن تعارض الطبيعة والمنطق والرغبة.

 

إن الحركات القوية تنجح في استبدال الحاضر بالمستقبل الذي ما هو الا انعكاس للماضي، ترى الحاضر شيئًا قذرًا لا قيمة له، لذلك تعمد إلى التطلع لمستقبل بديل مشرق والذي قد يكون عودة لتصورات عن أمجاد الماضي التليد.

 

كما أن الحركات عادة تكون مليئة بالشحن العاطفي والمشاعر المتأججة، ولا سيما الحركات الدينية والمتطرفة، فالمتطرف أصلاً قَدره أن يمتلئ بالشعور بالنقص فيلتصق في جماعته بتشنج ليهرب من روحه المنهزمة وذنوبه المترامية، ويصبح مستعدًا للموت فداء للتيار الذي آمن به وخلصه من تلك المشاعر المريعة.

 


 

 

 

القسم الرابع: البداية والنهاية

الحركات الموصوفة بالكتاب ليست كلها شريرة، ولا يهدف الكتاب لتصنيفها بل لفهم طبيعتها، لذلك فالكثير من التحليل ينطبق على الحركات التي يمكن اعتبارها خيّرة، وجميعها تتشارك في البداية والتطور والنهاية.
 

كل الحركات والثورات تنطلق من المثقفين ورجال الكلمة، الذين يضيقون ذرعًا بالوضع القائم فيقومون بتعرية النظام، وقد يكون ذلك ليس لرغبتهم في صلاح المجتمع والبيئة بل لأغراض شخصية في جوهر الأمر، إلا أن المهم أن يبدأ الأمر من رجال فكر وثقافة ودين يثق بهم المجتمع المتعايش بطبيعته مع الوضع الحالي، وهنا يكون النظام على خيار بين استمالة رجل الكلمة واجتذابه لصفه أو إسكاته وقمعه، وغالبًا ما يكون بالإمكان استمالته لأن قهَره وآلامه في الحقيقة ناتجة عن أمور شخصية وإن اصطبغت بالشفقة والرحمة تجاه العامة. اقرأ أيضًا: حروب الظّل؛ عندما تُكشف الأسرار من الداخل.

 

المثير أن المثقف عندما يهيئ البيئة الخصبة للتغيير لا يفعل ذلك كما يأمل لصالح المستنيرين بل للمتطرفين والحركات الشمولية، وهنا يقفز المتطرف للواجهة بعد انتهاء المرحلة الأولى، ويستفيق المثقف من أحلامه وطوباويته.

 

 

عندما يغيب المتطرف فإن الانتقال يكون من مرحلة رجال عمليين لرجال عمليين آخرين، لكن المتطرف هو الذي يستطيع تكوين قوة جماهيرية في هذا الوقت المتشنج، ووقتها فإن من يصاب بالهلع هم المثقفون الذين صلوا لمثل هذا اليوم. هذه هي البيئة التي يبدع فيها المتطرف الذي يقفز على مكتسبات المثقفين ويرغب في بداية جديدة كليًا، هو يستمر في ترديد الشعارات ذاتها التي أطلقها رجال الكلمة، ويعلم ما تريده الجماهير، تريد أن تتخلص من فردانيتها البائسة والانزواء تحت ظل القائد الملهم، فيقبض على كل شيء بلا هوادة، ويحولهم لعبيد، وكل ذلك من أجل الأمل المنشود، لا وقت هنا سوى للأمة العظيمة، والجميع هنا ذرات في ذلك الغبار الوطني والقومي والديني.

 

 

كل حركة تضع هدفًا قريباً ومباشرًا لأتباعها حتى إذا وصلت السلطة وتجاوزت المرحلة الديناميكية وضعت هدفًا بعيدًا كالمخدر الذي يكبح اندفاع الجموع، ولذلك كانت الستالينية بحق أفيونًا للجماهير (وهي التي وصفت الدين بأنه أفيون الشعوب)، ولذلك ففي هذه اللحظة الحاسمة من عمر الحركة، يأتي دور الرجال العمليين الذين يحافظون على المكتسبات ويعطون الآمال البعيدة بعد أن انتهى دور المتطرفين، ولكن إن استمر المتطرف كما استمر هتلر مثلاً، فقد يكون ذلك دلالة على قرب انهيار الحركة.

 

لو أن هتلر مات في منتصف الثلاثينات لربما قاد النازية رجل عملي مثل هيرمان غورينغ للاستقرار. في هذه المرحلة يتم تحنيط الرجال القدامى ووضع القداسة عليهم ويصبحون كالأساطير والقديسين، وتبدأ مرحلة التدريب المستمر والقمع.

 

 

تتبلور الحركة الثورية في صورة مؤسسات وطنية، وقيام الكنيسة يعني انتهاء المد الديني. يصبح مفهوم الولاء والجماعة هنا مهمًا جدًا لكن الاندفاع القديم لم يعد يحكم.

 

 

 

اقرأ أيضًا: 

ربّ إنّي وضعتها أنثى؛ رحلةٌ إلى فلسطين

قراءة في مذكرات "أتغير" لليف أولمن

لماذا تتغيّب مشاهد الولادة عن الأدب؟

8 كتب على كل شخص ذكي أن يقرأها