الماعز والبامبو: بناء الوافد في النص الروائي

 

 

تعالج روايتا أيام الماعز (2014) لكاتبها بنيامين وساق البامبو (2013) لسعود السنعوسي الثنائية النظرية الأثيرة في مجال النقد والتحليل بمختلف مساقاته: الأنا والآخر. وإذ أنه لا مناص من مناقشة هذه الثنائية في مجتمعات ما بعد الحداثة المعولمة، التي تتشدق بانفتاحها النظري على الآخر، في حين لا تتوانى عن خلق حدود مجتمعية صغيرة تقسم مجتمعاتها إلى أعراق وطوائف وانتماءات، كان لا بدَّ على الأدب أن يكون مرآةً للمجتمع، وأن يعكس في الروايتين تلك الثنائية بين الآخر/الوافد والأنا/ المُستَقبِل، وما تثيره من تساؤلات وقضايا، علّها تسهم في شيء من الحلول.

 

وتتناول أيام الماعز قصة "نجيب" الوافد الهندي إلى المملكة العربية السعودية أملاً في تأمين حياة أفضل له ولأسرته، أسوة بغيره من الوافدين إلى الخليج. تأخذ القصة منحى تراجيديًا حين يجد "نجيب" نفسه راعيًا للإبل والأغنام، على خلاف ما كان يتوقعه من العمل في شركةٍ أو مصنع، ويحدوه ذلك للهرب ليزج بنفسه في السجن طوعًا طلبًا للترحيل. اقرأ أيضًا: القصيبي و"حياة في الإدارة".

 

قَدَمَ سهيل الوافي الترجمة للقارئ العربي نقلاً عن النص الإنجليزي الذي استرعى اهتمام عددٍ من الجوائز الأدبية الآسيوية، في حين صدر النص المالايالامي في سبعين طبعة.

 

من جانب آخر، حازت رواية ساق البامبو للسنعوسي الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون في سبعٍ وعشرين طبعة منذ إصدارها وحتى مايو 2016، على الجائزة العالمية للرواية العربية في 2013، لما وجدته لجنة التحكيم فيها من "القوة والعمق وتطرح سؤال الهوية في مجتمعات الخليج العربي الحديثة"، في تتبعها لرحلة "عيسى/هوزيه الطاروف" ("هوزيه" بعد هذا الموضع) المولود لأبٍ كويتي و أمٍ فلبينية في مجتمعين متشعبي الانتماءات والهويات. اقرأ أيضًا: عبقرية السنعوسي في "ساق البامبو".

 

الروايتان متوازيتان إلى حدٍ ما في طرحهما للمسألة من خلال الاعتماد على الشخصية الرئيسية كراوٍ للحكاية، بما يسمح للقارئ أن يوطد معرفته بالشخصية وأن يقترب أكثر مما تختبره. ولما كانت ساق البامبو تقع في ضعف عدد صفحات أيام الماعز، عَمِدَ الكاتب إلى تجزئة القصة إلى ستة أجزاء بأسلوبٍ هو أقرب إلى كتابة المذكرات. فيما يختار بنيامين أن يسرد القصة بأسلوبٍ دائري، فيبدأ من النهاية قبل أن يأخذ القارئ في رحلةٍ مع الشخصية الرئيسية وصولاً إلى نقطة البداية.

 

النصان مكتوبان بلغة سهلة لا تستعصي على القارئ، إلا أنني أرى، وبعد الاطلاع على مقتطفاتٍ من النص الانجليزي للرواية، أن ترجمة الوافي لأيام الماعز، لا تخلو من حريةٍ أدبية مكَّنَتْ المترجم من تطويع أسلوب أدبي أكثر من ذلك المستخدم في ساق البامبو. هذا لا ينتقص من لغة السنعوسي وأسلوبه، عندما يُدرك القارئ محاولته في الحفاظ على مصداقية البساطة اللغوية لشخصيته الرئيسية راوي الحكاية. اقرأ أيضًا: الساعة الخامسة والعشرون؛ ساعة النهاية المؤلمة للإنسان.

 

تعاني الشخصيتان الرئيسيتان، علاوةً على أحلامهما بحياةٍ أفضل في الجنة الخليجية الموعودة، من قلقٍ وجودي مزمن في محاولتهما البحثَ عن الهوية والرزق، يدفعهما خلال رحلتيهما لطرح عددٍ من الأسئلة التي تسمح لهما وللقارئ بأنسنة الآخر/الوافد في مجتمعات الاستقبال التي لا تتوانى عن إبقائه على الهامش، إما خوفاً من عار أو لاقتصار وجوده على أداء خدمة، كما في ساق البامبو وأيام الماعز تِبَعاً.

 

لابدّ من الإشارة أيضاً إلى أنه على الرغم من كون "هوزيه" في ساق البامبو ينتمي ولو بجزءٍ منه إلى المجتمع الخليجي الذي يفد إليه في محاولة لفك شفرة الهوية، فهو وافدٌ، غريبٌ ومختلف، بالتالي هو "آخر"، على غرار "نجيب" الذي يفد إلى الخليج طلباً للرزق، غريب ومختلف أيضاً، لذا استدعت الحاجة محاولة تسليط الضوء على عددٍ من المواضيع التي يبني عليها الكاتبان شخصية الوافد.

 

لما أشرت إليه مسبقاً من توازي الروايتين إلى حدٍ كبير، فإنهما تُركِزان على أسئلة الهوية والانتماء – للوطن (أيهما، بالنسبة لساق البامبو؟)، للمجتمع (مجتمع الوافد /مجتمع المُستَقبِل الخليجي)، الدين (أيهما، بالنسبة لساق البامبو؟)، واللغة (لغة الوافد/لغة الآخر/ولغةٌ هجينةُ بين هذه وتلك)، ومن خلال صورٍ رمزية، في إطار المتخيل المرغوب والواقعي الصادم حول الأنا/المُستَقبِل. اقرأ أيضًا: 5 روايات حاصلة على جوائز أدبيّة عليك ألّا تؤجّل قراءتها.

 

 

الانتماء

للحديث عن الانتماء، تعود الشخصيتان إلى العديد من المراجع ذات الخصوصية الثقافية، فـ"نجيب" يقارن تجربته في رعي الأغنام بـ"تجربة خيالية نسمع عنها في الحكايات الغربية والعجيبة" التي ترد في قصيدة رَمَنَن الشعبية (ص.101)، و هي مسرحية شعرية رعوية ألفها تشانغامبوجا بيلاي في 1936، ويستند على ما اختبره في مجتمعه من طرق التغذية والاهتمام بالأغنام، علّه يجد في خبراته المحلية ما يسعفه في عمله الجديد. ويطلق "نجيب" على الأغنام التي يرعاها أسماء مالايالامية ليخلق مجتمعاً مالايالامياً موازياً لذلك الذي نشأ فيه، ويُمكِنُه الانتماء إليه وسط الصحراء السعودية (ص.131). اقرأ أيضًا: ساراماغو وزهوّ الموت.

 

أما واقع انتمائه لمجتمعه الوافد إلى السعودية، فيقتصر على لقاءات متباعدة ومقتضبة، من ثم محاولة هروب مع رفيق رحلته "عبد الحكيم"، وعلى عثوره على " شجرة عظيمة تحب الجميع، يفزع إليها الجميع عند الشدائد ويعيش في ظلها مجموعة من الناس" في مطعم مليبار رستورنت الكيرلاتي في مدينة البطحاء (ص. 192)، وفي تعاطف رفقاء المحبس معه.

 

المفارقة الساخرة حول الانتماء في أيام الماعز أن يُلحق الوافد الكيرلاتي في مجتمعه الأم بالخليج، فيشير "نجيب" إلى الكيرلاتيين العاملين في الخليج على أنهم خليجيون بعد اضطرارهم لقضاء سنينٍ طويلة في الجنة الخليجية (ص.33)، وأن هذا الانتماء المستجد لا يكون إلا حين يجد الكيرلاتي لنفسه أرباباً خليجيين، فيُصَيرُه ذلك بدوره إلى خليجي (ص.40). اقرأ أيضًا: آداب إعارة الكتاب في التراث الإسلامي.

 

أما في ساق البامبو، يختزل "هوزيه" أسئلة الانتماء والدين واللغة في الصفحات الأولى للرواية، مشيراً إلى تعدد الأسماء لمشكلةٍ واحدة: مشكلة الهوية. فهو "العربي" بالنسبة للفلبيني، و"الفليبيني" بالنسبة للعربي، ويحمل "اسم الرب الذي تؤمن به" والدته، وهو في التغالوغ "هوزيه"، وفي العربية "عيسى"، إلا أنه يوضح أن المشكلة لا تكمن في الأسماء "بل بما يختفي وراءها" (ص.17)، أي أن هذه الأسماء لا تُطلَقُ جزافاً دون أن يتكبد حاملها ما فوق طاقته من دلالاتٍ ومعان.

 

لأن والدته أسمته تيمناً ببطل الفلبين القومي في حربها لنيل الاستقلال ضد الإسبان، يستهل "هوزيه" خمسة من أجزاء قصته الستة باقتباساتٍ لخوسيه ريزال، الذي يتحدث عنه بإسهاب أكثر في (ص.258)، كمرجعٍ ثقافي ثابت في الرواية، وتذكير دائم بانتماءٍ أعمق إلى الثقافة الفلبينية منه إلى العربية، إذا يستهل الراوي أغلب أجزاء الرواية باقتباساتٍ لريزال. اقرأ أيضًا: في استخدام الراوي العليم: أورهان باموق وميشيل ويلبيك أمثلة.

 

في حين أن والدته، التي تفد الكويت للعمل خادمة لدى إحدى العوائل الكويتية وتغادرها بطفلٍ لم يكن لأبيه أن يحتفظ به خوفاً من سطوة القيل والقال في المجتمع، تحرص على تذكير "هوزيه" أنه لا ينتمي إلى الفلبين كلياً من خلال محاولتها تعليمه بعض الكلمات العربية وإن اقتصرت على ما تعلمته هي أثناء خدمتها لعائلة الطاروف (ص.31)، "هوزيه" من جانبه يتماهى بشكلٍ فطري مع الفلبين حتى يخال نفسه "إحدى أشجار أرض جدي. لا أستبعد أن يورق رأسي، أو أن تنبت ثمرة مانجو خلف أذني، أو أن أرفع ذراعي لأكشف عن عذق موز نبت في إبطي" (ص.93)، فلا عرى أكثر قوةً وتأصلاً في بناء هوية الفرد أكثر من تلك التي تجمعه بأرضه.

 

إلا أنه يستدرك أن من يقبل أن تكون له أكثر من أم، وأكثر من أرض وانتماء ودين ليس إلا تائهاً (ص.102)، وبالتالي كان لِزاماً عليه أن يبحث وأن يختار هوية.

 

أما في الكويت، يُراقبُ "هوزيه" عادات وطبائع الناس علّه يتبناها فيصير واحداً منهم، فيُعلِقُ في موضعٍ على عادة الكويتيين التحديق في الآخرين، أو تبادل التحية دون أن تكون لهم معرفة بمن يحيون أو من يحييهم، لكنه يستشعر وطأة عدم انتمائه عندما يُسمحُ له بتناول الطعام مع عائلته الكويتية التي تأكل في صمت، في حين يترك لذاكرته حرية استحضار حميمية اجتماع عائلته الفلبينية للطعام "ماما آيدا وأمي وأدريان، الرز الأبيض وصلصة الصويا والموز المشوي وأقدام الدجاج المقرمشة" (ص.247). اقرأ أيضًا: 4 روايات صوفيّة قد تثير اهتمام محبّي قواعد العشق الأربعون.

 

كما في أيام الماعز، يجد "هوزيه" بعض العزاء في المجتمع الوافد، في احتفال لعددٍ من أبناء الجالية الفلبينية بالسنة الجديدة التي أحالت شقةً في الكويت إلى فلبين صغيرة بمأكولاتها ومشروباتها وصخب احتفالاتها، ولكنه يعي أنه لا ينتمي كلياً إلى هذا المجتمع أيضًا عندما يشير إليهم بضمير الغائب لا المتكلم "الفلبينيون.. هنا أو هناك، كما هم دائماً (...) ليس اهتمام الفلبينيين حكر على أعياد الميلاد، فالمناسبات العامة أيضاً لها خصوصية لديهم.. لماذا لديهم بدلاً من لدينا؟ هل أنا أنتقي المفردات بشكلٍ صحيح؟" (ص.359).

 

يجدُ بعض السلوى في التقائه مجدداُ بشبابٍ كويتي وصفوه حين التقاهم أول مرةٍ في الفلبين على أنه "كويتي.. ولكن مصنوع في الفلبين" (ص.159)، إذ أن في ذلك فرصةً له لـ"الاقتراب من كويتيتي(ـه) التي لم يشعر بها قط" (ص.346)، على الرغم من أنها اقتصرت على إكمال عدة اللاعبين في لعب الورق (ص.355)، إلا أن شيئاً من الانتماء للآخر المرغوب، أفضل من حالةٍ مستدامة من عدم الانتماء، ولربما هذا ما يبرر إهداء "هوزيه" الكتاب لأصحابه الكويتيين لا لأسرته. أما انتمائه لأسرته، فلم يكن إلا من جانب شقيقته "خولة" التي كشفت عن شعرها بعد أن كانت تغطيه بالحجاب، في إشارةٍ منها إلى قبوله، ولو بعد حين، شقيقاً لها (ص.294). اقرأ أيضًا: كيفيّة التغلّب على عقبة الكاتب.

 

 

الدين

في أيام الماعز، تُستهل العلاقة بالدين، بالالتباس الدلالي لكلمة أرباب، التي يستخدمها "نجيب" وغيره من الوافدين في الإشارة إلى رب العمل. فيتضرع "نجيب" إلى الأرباب ليغادر ورفيقه المطار "تعال بسرعة يا أرباب! كم انتظرناك ها.. يالله بسرعة.. وأفرج عنا هذا الفزع يا أرباب! أرباب!" (ص.38)، وحين يستلمه الأرباب من المطار يصفه "نجيب" بما لا يتفق وقذارة الأرباب، ونتانته وجلافته، على أنه "حارس أحلامي وربي المتجسد الذي يتولى تحقيق أحلامي" (ص.40). وهذه العلاقة بين الأرباب والعبد لا تنتهي حتى آخر لحظة، في مشهد الحشر والعرض، إن شئنا الاستمرار في ايجاد مزيد من التباسات المعنى والدلالة، إذ لا يزال للأرباب مطلق الصلاحية في أن يفعل ما يشاء "إذا عثر على عبده الذي هرب منه، فمن حقه أن يجره إلى مكتب المسؤول ويقدم بلاغاً عنه، فيتغير مجرى القضية ويصبح المسجون عن مخالفة يسيره مرتكب جريمة خطيرة.. ثم يتركك إلى القانون ومحكمة الشريعة والعقاب. من حقه أيضا أن يستأذن من المسؤول ليذهب بعامله مباشره.. أو أن يطلب بترحيله إلى بلده.. وإن اتفق أن يطالب بذلك لقد نجا العامل.. ولكن إذا أمر بالرجوع إلى كفيله فقد تحدد مصيره" (ص.33). اقرأ أيضًا: رمزيّة جمال أبو حمدان في مسرحية "ليلة دفن الممثلة جيم".

 

حين لا يجد "نجيب" في أربابه المُخَلِص المنتظر، لا يكاد فصلُ يخلو من مناجاةٍ، وتضرع إلى رب الأرباب، وإعادة تأكيدٍ على ما يوليه العبد "نجيب" من يقين في أن " الله سيجازيني عن صبري الجزاء الأوفى في ابني وزينب في الوطن.. أو كنت أحاول أن أقنع نفسي بذلك الاعتقاد. ولولا هذا الاعتقاد فكيف كانت حالتي عند ذاكّ" (ص.90)، وفي أن كل شيء "من تدابير الله.. لا بد من الصبر عليها.. وليس لدينا خيار غيره.. ولا تكون الأيام القادمة إلا وهي أسوأ من أمسها.. يا ربي الرؤوف الرحيم، نسألك أن تقوينا حتى نجتاز أنا وعبد الحكيم هذه الأيام الشاقة." (ص.90).

 

للدين حضور أكبر في ساق البامبو وذلك أن "هوزيه"، على خلاف "نجيب" المسلم، تائه في محاولاته فهم هويته الدينية بين تعميدٍ منقوص في الفلبين، واهتمام متذبذب بالبوذية وطقوسها، واعتناق مرتقب للإسلام حين العودة إلى الكويت.

 

يشرح "هوزيه" أن قدره أن يقضي عمره "باحثًا عن اسم ودين ووطن" (ص.66)، ويجزم بأنه يحمل صورةً "غريبة ومبهمة" عن الإسلام لتمايز إسلام الفلبين عن الكويت، واختلاف شخوصه بين البطل القومي المسلم لابو-لابو وجماعة أبو سيّاف (ص.208) واختلاف إسلام فيلم الرسالة، عن إسلام أولئك الذي اغتالوا مخرجه (ص.273). اقرأ أيضًا: الدخول إلى زنزانة سلمان العودة.

 

خلافاً لإهمال والدته تربيته دينياً، فقد وجد "هوزيه" في "إبراهيم سلام" وهو الفلبيني المسلم معلماً دينياً حين التقاه في أحد مساجد الكويت ليأخذه في رحلة للتعرف إلى الله وأنبياءه، ومعجزاته، حتى يجده بعد جدال مع معلمه حول محاوله "إبراهيم" إضفاء عقلانية مصطنعة في محاولة تبرير معجزات الله، في قلبه، ويبدو أن هذا كافٍ لـ"هوزيه" دينياً (ص.300).

 

قناعة "هوزيه" الدينية الجديدة قد تشي بتوصل هوياته المتصارعة إلى تسوية: فيختار من اللغة، كما أشير لاحقًا، لغة الأم، ومن المعتقد ما يُلحِقُهُ بالأب. اقرأ أيضًا: غازي القصيبي ولغز يعقوب العريان.

 

 

اللغة

ما من شيء يضاعف هامشية الآخر في المجتمعات المُستَقبِلة، أكثر من خندقةٍ لغويةٍ، يمارسها الطرفان، عن وعي أو من غيره، للمحافظة على الحدود المتخيلة بين معسكريهما، مولدةً عند خطوط التماس محكيةً هجينة تفرضها لغة القوي/المُستَقبِل على لغة الضعيف/ الوافد. فنحن منذ بدأنا الرحلة مع "نجيب" في أيام الماعز لا نعرف المزرعة إلا على أنها "مَسَرة" والخبز على أنه "كُبُوس". وكما يقول "نجيب" محاولاً إخبار أربابه عن موت بعض من الغنم بالمالايالامية، مفترضاً أن أربابه " لابدَّ أنه تعلم لغتي ولو بعض الشيء خلال هذه الأيام"، ولكنه يستدرك العلاقة اللغوية الشائكة. اقرأ أيضًا: "بوب موب عمي": تجربة في الحداثة السائلة.

 

يسرد "نجيب" ما تعلمه من كلماتٍ عربية (ص.78-79) ويضيف "على أي حال، ما تعني الكلمة؟! المهم التفاهم.. فهمت بهذه الكلمات ما قال لي الأرباب، وفهم بها ما قلت له.. هذا كل ما أريده من مهارة اللغة" (ص.80). ولا يغيب عن القارئ العربي المعنى الذي يورده "نجيب" لكلمة أرباب في قائمته، إذ يعني بها المنقذ، وهو معنى، يختزل معضلة الربوبية المتجسدة في الأرباب الخليجي، وهو ما عرَّجنا عليه سابقاً في الحديث عن الدين.

 

واللغة في ساق البامبو متواطئة مع الراوي والرواية، إذ يُوظِفُ الكاتب تقنية أدبيةً يُوهِمُ بها القارئ أن النص مترجمٌ من التغالوغ إلى العربية، بواسطة من يتعرف عليه القارئ فيما بعد على أنه إحدى شخصيات الرواية، وبالتالي فإن في اختيار "هوزيه" الراوي للغته الأم دلالةٌ وتأكيدٌ على ما قاله ريزال "إن الذي لا يحب لغته الأم هو أسوأ من سمكة نتنة" (ص.258)، وإن كانت للأم محاولات في تحبيب العربية إليه قبل وصوله إلى الكويت، بالتالي ترغيبه في لغة وهوية الأب. اقرأ أيضًا: لماذا يندُر الأدب حول الحقبة الستالينيَّة؟

 

أما في الكويت، يدرك القارئ ضِمناً أن لغة التواصل هي الانجليزية، إذا لا وسيط سواها بين الشخصيات، وإن كانت بدرجاتٍ متفاوتة "مشعل يتحدث الانجليزية بطلاقة، تركي وجابر بدرجة أقل، أما عبد الله ومهدي فقد كانا يخاطبانني كما تخاطب ماما غنيمة بابو وراجو ولاكشمي ولوزافيميندا"، وإن كان هذا يشعره بالشفقة عليهم لاضطرارهم استخدام لغةٍ غير لغتهم، إلا أنه يجد بعض الراحة في معرفة أن في فعلهم ذلك كسر لعزلته ومحاولةً لقبوله في المجموعة (ص.354). أما محاولته هو أن يجد لنفسه منفذاً لغوياً إلى الكويت من خلال السلام على المارة ممن يعرف ولا يعرف كعادة الكويتيين، يجد نفسه محط سخرية الكويتيين بلغته هو. يشعره ذلك بالمهانة. لم يستطع سوى أن يشتم بالتغالوغ "حتى شتيمتي تعيدني إلى بلاد أمي"، وحين أراد أن يشتم في بلاد أبيه الرجل الذي أشعره بعدم انتمائه، أبت اللغة إلا أن تخونه بتأنيثه لحمار عوضاً عن تذكيره ليتفق والموصوف في الجنس (ص.310). اقرأ أيضًا: تشارلز ديكنز والنّساء اللاتي صنعنَه.

 

 

الرمزية

لا يمكن للقارئ أن يتجاهل الرمزية التي تَختزِلُ "نجيب" أولاً في رقم يُعطى له حين يجد في السجن مهربه الأخير "13858" (ص. 12)، ومن ثم تُصَيّره حيواناً، حين يدرك أن نتانة المزرعة وما فيها قد "أصبحت جزءاً منه" (ص.105)، وأنه قادرٌ على تمييز روائح كل قاطنيها من البهائم خلا واحداً لا تميزه أية رائحة "هناك حيوان وحيد في "المَسَرة" بلا رائحة مميزة.. هذا الحيوان هو أنا!" (ص. 105).

 

تستمر عملية الحيونة التدريجية حين يُمنَع "نجيب" من الاستنجاء (ص.62)، وحين يجد نفسه مضطراً إلى تناول الشعير والملح كالأغنام "لقد أصبحت مثلها فعلا." (ص. 122). كما يستحضر زوجته ومولوده البكر الذي لم يحط بخبره، في إشرافه على ولادة عنزة (ص.88) بما يدفعه إلى إطلاق الاسم الذي أراده لابنه على الحمل، وهو نفس الحمل الذي لم يكن يعي مدى اقترانه به إلا يوم اخصاءه؛ "ويوم فقد نبيل رجولته، فقدت أيضاً حيويتي ونشاطي. لم أفهم إلى الآن سر ذلك الاقتران وكيف سقطت رجولتي مع رجولة تيس" (ص.94)، وصولًا إلى يوم خلاصه، واكتمال تحوله إلى ماعز لا أمل لها في الأنسنة حين "خيل إليّ حينها أن ثمانين نعجة تساق إلى "مَسَرة" مكبلة بالقيود كنت واحداً منها؛ الإنسان الماعز"(ص.199). اقرأ أيضًا: تأريخ التمييز العرقي في رواية "عاملة المنزل".

 

"هوزيه" في ساق البامبو متعدد الرموز و الصور، فهو في الفلبين مشروع ثمرة أناناس وفي الكويت موزة مستوردة (ص.135)، و لكن الصورة التي يحافظ عليها الكاتب بدءًا بالعنوان هي صورة ساق البامبو أو الخيزران، وهي نباتات سريعة النمو في مختلف الظروف، لا تستوجب الكثير من العناية والاهتمام، وعملية الاستخدام في صنع مستلزمات الحياة من سلالٍ وأوانٍ وقبعاتٍ حتى أحذية، وترمز إلى التواضع والقوة والمرونة. اقرأ أيضًا: جمال ناجي يُجسّد أوديب في موسم الحوريات.

 

 

المُستَقبِل

لا يمكن للقارئ أن يتعرف على "نجيب" في أيام الماعز إلا من خلال موضعه في وإزاء المجتمع المُسَتقبِل الخليجي، إذ تبدأ المفارقات، كما أشرت سابقاً في إشارة الكيرلاتيين إلى العاملين من أبناء جلدتهم في الخليج كخليجيين، وتنتهي المضحكات المبكيات من الأحلام بـ"سيارة مكيفة، غرفة نوم مكيفة، سرير وفوقه فراش وثير وإلى جانبه تلفاز" حين ينهي"نجيب" "ليلة العرس" الخليجية مضطجعاً على الحصباء (ص.51). اقرأ أيضًا: غسان كنفاني وما تبقى لنا.

 

يستمر "نجيب" في تصوير صدمته الثقافية في الفصول السادس وحتى الثامن، بشكلٍ خاص، من خلال وصفه لـ"عالمٍ عجيب أعجب مما توقعناه" (ص.37)، فيمر أمامه سربٍ من البطاريق من النساء والرجال بملابسهم البيضاء و السوداء، وروائح العطور التي سرعان ما بددتها نتانة الأرباب، مروراً بالطهارة وقيمة الماء، وصولاً إلى فصل الحملان عن أمهاتها في ما يفترضه "نجيب" من أن ذلك من أجل "قطع العلاقة الروحية بين الأم و ولدها"، مضيفاً أن "هذه هي عادة العرب، أو على الأقل، هكذا عادة أربابي، و لا خيار لي إلا اتباعها" (ص.68).  

 

"هوزيه" الذي يستحضر إصرار والدته تعليمه بعض الكلمات العربية تمهيداً لعودته إلى الكويت أرض العجائب، حتى يتخيل نفسه "أليس" في لحاقها بالأرنب "أتبع وعود أمي بدلاً من الأرنب لأسقط في حفرة تفضي إلى الكويت، بلاد العجائب"(ص.71) لأن الفلبين كانت جحيماً "وأن الكويت هي الجنة التي أستحق" (ص.71). كما يحاول "هوزيه"، كما فعل في مستهل الرواية من تقديمٍ لتنوع المجتمع الفلبيني، أن يقدم للقارئ فسيفساء المجتمع الكويتي بمختلف أطيافه الاجتماعية (السنة، الشيعة، البدون والطبقات الاجتماعية) عسى أن يجد لنفسه مكاناً في تلك اللوحة (ص.204-203)، إلا أن عدم قدرته على الانتماء إلى عالم العجائب الكويتي يُشعِره بالعزلة وعدم الجدوى، فيفاضل بين ممتلكاته في الفلبين والكويت "في بلاد أمي كنت لا أملك شيئاً سوى عائلة. في بلاد أبي أملك كل شيء سوى عائلة"(ص.303). اقرأ أيضًا: أغانٍ أدبية مقتبسة عن كتب.

 

 

فهم الآخر/الوافد قد يبدأ من إدراك الأنا/ المُستَقبل، أن ما يختفي تحت سطح المتلازمات الثنائية النظرية هو هوياتٌ لا تختلف في تركيبها عن هوية الأنا، بالتالي فإن مساحة المشترك بينهما أكثر اتساعاً وتشابهاً مما يعتقد، فكلاهما مشغولٌ بانتماء، ومعتقد، ولغة، ورزق، وهوية، وإن اختلفت في ظاهرها. فصورة الُمستَقبِل التي يرسمها الوافد قبل وصوله ما هي إلا اسقاطٌ لخيالاتٍ حميمية لحياةٍ أفضل ومستقبلٍ واعد، سُرعان ما تبددها تصرفات شخصيةٌ، لا يمكن إنكار وجودها، أو ممارساتٌ مجتمعية تراكمت على مر أزمانٍ من الانغلاق وبالتالي افتراض دونية الآخر. اقرأ أيضًا: 5 من أشهر الروايات العربية.

 

تُدَرَسُ أيام الماعز ضمن المقررات المدرسية في الهند، و لربما يجب النظر في إدراجها وساق البامبو في المقررات الخليجية، إذ أنه ليس المراد من الروايتين أن يشعر القارئ الخليجي خصوصاً بأنه عرضة لاتهام أو مستهدف بتشويه صورةٍ أو سمعة، ظناً منه أنها تعميم مجحف لمجتمعاتٍ يضرب بكرمها وحسن ضيافتها الأمثال أو انتقاصٌ لأخلاقياتها وإنسانيتها، بل أن يعي من خلال نماذج صغيرة وضِعَت تحت مجهر ما قد يتعرض إليه من تساء وِفادتهم في هذه المجتمعات لمجرد اختلافهم. وأن يدرك العبء الذي يتقاسمه مناصفة كمجتمعٍ مُستقبلٍ مع المجتمعات المُصَدِرةِ للعمالة الوافدة التي لا تُعفى هي الأخرى من المسؤولية لضمان معاملةٍ كريمة لهذه الفئة. لا يجب أن يجد الرقيب الخليجي قبل القارئ ما يضطره لأن يواري سوءته بورقة المنع والحجب، لاختيار الروايتين رسم صورٍ مغايرة لخياله المثالي، بل أن يرى في الروايتين فرصةٌ للأنا الخليجي لرؤية انعكاس صورته، سوية كانت أم مشوهة، في مرايا الآخرين.

 

 

اقرأ أيضًا: 

أهم الكتب التي يجب قراءتها

الطنطوريّة وحكاية عُمر

5 كتب ممنوعة

4 كتب تغذوية تحتاجها لصحة أفضل