بابلو نيرودا بين الأدب والسياسة (3)

 

حوار بابلو نيرودا مع مجلة باريس ريفيو – يناير 1970

أجرت الحوار: ريتا غويبرت

 

غويبرت: تبرعت أكثر من مرة بمكتبات مختلفة. ألست تشارك الآن في مشروع "مستعمرة الكتاب" في إيسلانيغرا؟

نيرودا: لقد تبرعت بأكثر من مكتبة إلى الجامعة الوحيدة في بلادي. أنا أعيش على دخل كتبي، وليست لدي أي مدخرات. ليس لدي ماأتخلص منه، إلا ماأدفع كل شهر من نتاج كتبي. بذلك الدخل، أمكن لي جمع مبلغٍ معين لشراء قطعة أرضٍ على الساحل، لكي يستطيع الكتاب إمضاء الصيف هنا، وكتابة أعمالهم الإبداعية في مناخ جميل بشكل استثنائي. سيؤسس المكان مؤسسة كانتالاو، وسيديره بشكل مشترك كل من الجامعة الكاثوليكية، جامعة تشيلي، ومجتمع الكتاب.

غويبرت:  ديوان عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة هو أحد دواوينك المبكرة، ولايزال يقرأ حتى الآن عن طريق الآلاف من المعجبين منذ طباعته أول مرة.

نيرودا: كتبت في مقدمة الطبعة الجديدة، والتي تحتفي بصدور مليون نسخة من ذلك الكتاب – بالمناسبة، سيبلغ عدد النسخ مليونان قريبًا – بأني لاأفهم لماذا يحدث كل هذا الاحتفاء. لماذا لايزال الناس يقرأون الكتاب الذي يحتوي حزن الحب، ووجعه، خصوصًا من قِبل الشباب. بكل صراحة، لاأستطيع فهم ذلك. ربما يمثل طرحًا شابًا للعديد من الألغاز، وربما يجاوب عليها. هو كتاب حزين، ولكن جاذبيته لاتهدأ.

غويبرت: أنت من أكثر الشعراء ترجمة، نحو ثلاثين لغة. ماهي اللغة التي قدمت أفضل ترجمة لشعرك.

نيرودا: ربما الإيطالية، للتشابه بين اللغتين. بالنسبة للإنجليزية والفرنسية، وهي لغتان أعرفهما غير الإيطالية، فهما لايرتبطان بالإسبانية، لا نطقًا، ولا في مكان الكلمات، ولا حتى في وزن الكلمات ولونها. الأمر لايتعلق بقدر الترجمة. المنطق يؤكد بأن على قدر الترجمة، يصل الشعر. بينما في الواقع، أمانة الترجمة، ونقل المعنى، قد يدمر القصيدة. في العديد من الترجمات إلى الفرنسية – ولاأقول كلها -، أجد أن شعري يهرب، ولاشيء يبقى. لا أحد يستطيع التظاهر بسبب أن الكتابة المترجمة تطابق الأصل، لكن من الواضح أنني لو كتبت الشعر بالفرنسية، فلن يبدو النصان متشابهان، وذلك لاختلاف قيمة الكلمات. كنت سأكتب شيئًا مختلفًا تمامًا.

غويبرت: قلت بأنك قارئ جيد للقصص البوليسية، من هو مؤلفك المفضل؟

نيرودا: هناك عمل عظيم ينتمي لهذا النوع من الكتابة، وهو يدعى نعش لأجل ديميتريوس للكاتب إريك أمبلير. قرأت كل أعمال أمبلير التي تلته، ولكن لم يوجد عمل يحاكي جمال أساسات ذلك العمل، ودسائسه الاستثنائية، وجوه الغامض. جورج سيمينون أيضًا مهم، ولكن لايوجد أحد يكتب القصة البوليسية بغموضها، وبكل الرعب الذي تحتويه مثل تلك القصص، كما يكتب جايمس هادلي تشايس. روايته التي بعنوان لا زهور للآنسة بلاندش تعتبر رواية قديمة، لكنها تبقى أحد تحف القصص البوليسية الخالدة. هناك تشابه غريب بين تلك الرواية، ورواية الملاذ لويليام فولكنر، ذلك الكتاب الهام. لكني لم أستطع معرفة أي منهما صدر أولًا. بالطبع، حينما يتحدث أحدهم عن القصة البوليسية، يتبادر إلى ذهني داشيل هاميت. هو الشخص الذي أنشأ مايعرف بالتوهيم ماخلف الروائي، ومنحه أساسات قوية. هو المبتكر العظيم، ومن خلفه المئات من الروائيين. لايفوتني جون ماكدونالد، كونه أحد ألمع الأسماء. كلهم كتاب عظماء ويعملون بمشقة على كتبهم. وربما كل من يتبع تلك المدرسة من الروائيين، مدرسة الأدب البوليسي في أمريكا الشمالية، يُعتبر ناقدًا لمجتمع أمريكا الشمالية الرأسمالي المتداعي. ليس هناك ماهو أكبر من الشجب الذي يظهر في تلك الروايات حول فشل وفساد السياسيين والشرطة، وتأثير المال في المدن الكبرى، والفساد الذي يطفح كل مرة في أجزاء أمريكا الشمالية، والذي يعتري "الطريقة الأمريكية في الحياة". ذلك الأدب هو الشهادة الأكثر درامية على ذلك العصر. وحتى الآن، لايزال النقاد يعتبرونه أكثر أنواع الرواية سطحية، بما أنهم لم يتناولوها بعين الاعتبار.

غويبرت: ماالذي تقرؤه من الكتب الأخرى؟

نيرودا: أنا قارئ للتاريخ، خصوصًا تلك الكتب الأثرية، والتي تتحدث عن تاريخ بلادي. لدى تشيلي تاريخ متفرد. ليس بالطبع بسبب منمنمات الآثار القديمة، والتي لاتوجد هنا، بل لأن شاعرًا ابتكر هذه البلاد، وهو العظيم ألونسو دي إيرثيلا زونيغا، والذي عاش في زمان كارلوس الخامس. كان أرستقراطيًا باسكيًا ممن وصل مع الغزاة الأوائل لإسبانيا، وهذا أمر غريب بما أن أغلب من أرسل إلى تشيلي يكون من المحاربين. كان ذلك المكان هو أسوأ مكان يعيش فيه المرء. جرت الحرب بين الأراكونيين والإسبان هنا لعدة قرون، وكانت أطول حربٍ أهلية في تاريخ البشرية. قاتلت تلك القبائل نصف الهمجية لأجل حريتها ضد الإسبان مدة ثلاثمائة سنة. قدم زونيغا، ذلك الشاب الإنساني، مع أولئك القادة الذين أرادوا أن يحكموا كل القارة، ونجحوا في ذلك، باستثناء هذا الشريط الضيق والمسمى تشيلي. كتب ألونسو ملحمة تدعى لا أراوكانا، وهي أطول ملحمة في الأدب القشتالي، وقد شرف فيها قبائل أراوكانيا المجهولة. أولئك الأبطال المجهولين، والذي منحهم ألونسو أول اسم لهم، قد مدحهم ألونسو أكثر من بني جلدته، المقاتلين القشتاليين. نشرت لا أراكونيا في القرن السادس عشر، وترجمت عن القشتالية، وانتشرت كالهشيم في أنحاء أوروبا. يالها من ملحمة رائعة لشاعر عظيم. حازت تشيلي ذلك التاريخ العظيم والبطولي منذ نشأتها. لم ننحدر نحن التشيليون، كما انحدر عدة أقوام مهجنة من الاسبان والهنود الأمريكيين، من جنود إسبانيين عن طريق الاغتصاب والتنكيل، ولكن عن طريق زواج طوعي أو قسري للأراكونيين مع سبايا إسبانيات خلال سنين الحرب الطويلة. نحن استثناء. بالطبع، يلي ذلك مرحلة استقلالنا الدموي منذ 1810. تاريخ مليء بالمآسي، وبالمعارضات، والنضال تحت أسماء مثل سان مارتين، بوليفار، خوسيه ميغيل كاريرا وأوهيجنس، من خلال صفحات طويلة من النجاحات والإخفاقات. كل ذلك يجعلني قارئًا لتلك الكتب التي أنفض عنها الغبار، والتي تثيرني وتلهمني إلى أقصى حد. تجعلني تلك الكتب نائيًا عن الجميع، أعاني البرد هناك، ضمن خطوط عرض بلادي وصحرائها. سبخاتها في الشمال، وساحلها المزهر، وجبال الانديز الثلجية. هذه بلادي، تشيلي. أنا ممن ينتمون لهذه البلد حتى الفناء، والذي لايمكن أن أتركها للأبد، مهما عوملت بالحسنى في بلاد أخرى. أحببت مدن أوروبا الكبرى، وأقدر وادي آرنو، وشوارع معينة في كوبنهاجن وستوكهولم، وبالطبع باريس، باريس، باريس، ومع ذلك سأبقى مشتاقًا للعودة إلى تشيلي.

غويبرت: في مقال بعنوان "معاصريّ"، ينتقد إرنستو مونتينيغرو الناقد الأورغواياني رودريغيز مونيغال، كونه صرح بأنه يتمنى لو يدرس الكتاب المعاصرون في أوروبا وأمريكا الشمالية الأدب اللاتيني ومن يكتبون فيه، إن أرادوا أن يحسنوا أدبهم. شبه مونتينيغرو بتهكم ماقاله مونيغال، كأن نملة تقول لفيل: "هيا، اصعد على ظهري". ثم اقتبس من بورخيس: "على النقيض من الولايات المتحدة الهمجية، لم تنتج هذه البلاد ( هذه القارة ) أي كاتب ذو مقروئية عالمية، مثل ويتمان أو إيميرسون أو بو. كما لم تنتج كاتبًا عميقًا، مثل هنري جيمس أو ميلفيل."

نيرودا: لماذا يهم إن كنا نملك أسماء مثل ويتمان أو كافكا أو بودلير في قارتنا أم لا؟ تاريخ إبداعنا الأدبي كبير بحجم الإنسانية كلها. لايستطيع أحد في أمريكا الشمالية برغم أعداد المثقفين الهائل فيها، أو أوروبا برغم تاريخها العريق، أن يقارن نفسه بتنوعنا الثقافي في أمريكا اللاتينية دون كتب، أو يقارن معانيها بمعانينا في التعبير عن الذات. من السذاجة أن يرمي أحدهم أحجارًا في بركة الآخر، وتمر حياته وهو يأمل أن يتجاوز تلك القارة أو الأخرى. بجانب أن هذا الأمر كله لايعدو كونه رأيًا شخصيًا.

غويبرت: هل لك أن تعلق على الشؤون الأدبية في أمريكا اللاتينية؟

نيرودا: أي مجلة تصدر من هندوراس أو نيويورك، أو مونتيفيديو أو غواياكيل، تكتشف أنها كلها تقدم نفس الكاتالوج الأنيق لأدب مستلهم من إليوت أو كافكا. هذا مثال للاستعمار الثقافي. نحن لانزال مغمورين بالاتيكيت الأوروبي. هنا في تشيلي، على سبيل المثال، سترى سيدة المنزل وهي تريك أي شيء – أطباق صينية مثلًا – وتقول لك بابتسامة راضية: "إنها مستوردة". معظم السلع الفظيعة في البيوت التشيلية هذه الأيام مستوردة، وهي من أسوأ الأنواع. تنتج من مصانع في ألمانيا وفرنسا. تلك القطع التي لامعنى لها تُعتببر الأفضل هنا فقط لأنها مستوردة.

غويبرت: هل السبب هو الخوف من عدم المطابقة؟

نيرودا: بالطبع كنا كلنا نخاف من الأفكار الثورية أثناء الأيام الخوالي، وخصوصًا معشر الكتاب. في هذا العقد، خصوصًا بعد الثورة الكوبية، أصبح الموقف على العكس تمامًا. يعيش الكتاب تحت رعب عدم تصنيفهم كيساريين متشددين، لذلك تجد بعضهم أشبه برجال العصابات. هناك من يكتب فقط نصوصًا تجعلك تظن أنهم في الجبهة الأولى ضد الإمبريالية. نحن، ممن خضنا هذه الحرب، نستمتع حينما نرى الأدب ينحاز إلى جانب الشعب؛ ولكن، نخاف في نفس الوقت من أن يتحول إلى مجرد موضة، وأن يصير الكاتب من عديمي المقروئية، والتصنيف كيساري متشدد، لأنه لن يمضي في الطريق بذات الثورية. في النهاية، كل أنواع الحيوانات يمكن تواجدها في غابة أدبية. في إحدى المرات، حينما تمت إهانتي لعدة سنوات من قبل أشرار لاهم لهم إلا مهاجمة حياتي وشعري، قلت: "لنتركهم وشأنهم، فالغابة تسع الجميع. إذا استطاعت الفيلة أخذ مساحة مناسبة، وهي تأخذ الكثير من المساحات في أفريقيا وسيلان، فمن المؤكد أن هناك مساحة لجميع الشعراء.".

غويبرت: يتهمك بعض الناس بالعدائية تجاه خورخي لويس بورخيس.

نيرودا: ربما يتخذ ذلك العداء منحى ثقافيًا أو فكريًا نظرًا لتوجهاتنا المختلفة. يستطيع الواحد منا أن يحارب بهدوء، لكن لدي أعداء آخرون عدا الكتاب. بالنسبة لي، فعدوي هو الإمبريالية، وأعدائي هم الرأسماليون ومن ألقوا بقذائف النابالم على فيتنام. لكن بورخيس ليس عدوي.

غويبرت: مارأيك بكتابات بورخيس؟

نيرودا: إنه كاتب عظيم. وكل من يتكلم الإسبانية يفخر بتواجد شخص مثله على رأس هرم أمريكا اللاتينية. كان لدينا القليل من الكتاب الذين يمكن مقارنتهم بالأوربيين قبل بورخيس، ولكن لم يكن لدينا كاتب بهذه المقروئية العالمية قبله. لاأستطيع أن أقول بأنه الأعظم، وأرجو أن يتجاوزه الكثير، ولكنه بطريقة ما فتح الطريق وجذب اهتمام أوروبا الأدبي نحو بلداننا. لكن بالنسبة لي، فلن أستعدي بورخيس لمجرد أن الآخرين يودون ذلك. إذا كان يفكر كديناصور، حسنًا، فإنه لن يتعارض مع تفكيري. هو لايفهم شيئًا مما يجري في العالم المعاصر، وهو يعتقد بأني لاأفهم شيئًا كذلك. إذًا، نحن على وفاق.

غويبرت: في يوم الأحد، رأينا بعض الشباب من الأرجنتين يعزفون ويغنون قصائد لبورخيس، ألم يبهجك ذلك المنظر؟

نيرودا: تسرني تلك القصيدة كثيرًا، فهي تظهر لي كم أن بورخيس شاعر محْكم – ولنستخدم ذلك المسمى- وذكي ومعقد يمكن له أن يتحول إلى مثل ذلك الشكل الشعبي، وبتلك اللمسة الشاعرية. أحببت قصيدته كثيرًا، ويجب على الشعراء اللاتينيين تقليدها.