"بريق العدالة": هل من متسع للخيال العلمي في الأدب العربي؟

 

 

حازت رواية بريق العدالة على نجاح كبير على الصعيدين الجماهيري والمؤسسات الأدبية التي منحت جوائزها بالإجماع لها؛ كجائزة هيوغو ونيبيولا وجائزة الجمعية البريطانية للخيال العلمي ( آرثر سي كلارك).

 

وكاتبة الرواية آن ليكي كما ورد في موقعها الشخصي ببساطة شديدة؛ كاتبة تعيش في مدينة ميسوري الأمريكية ومؤلفة روايات إمبراطورية الراديتش في ثلاثة أجزاء. صدر لها أيضًا مجموعة من القصص القصيرة في عدة مجلات معنية بأدب الخيال العلمي. عملت آن ليكي في عدة مهن؛ من نادلة إلى سكرتيرة وحتى مهندسة تسجيل.

 

 

هذه البساطة في تقديم الكاتبة نفسها في موقعها الشخصي لها بعدٌ آخر؛ ففي الغالب هناك برج شاهق بين المثقف العربي وبين المواطن العادي، إذ يقدّم أغلبهم نفسه كمتخصص وحاصد جوائز وشهادات تكفي لإخراسك. حتى من لم ينجح منهم في حصد الجوائز والشهادات تراه يقدم نفسه في أبهى وأرقى صورة ممكنة؛ هذا يدفعني أن أستعرض هذه النقطة قبل استعراض الرواية.

 

 

الحاجز بين القارئ والكاتب في الوطن العربي ليس فقط حاجزًا استعلائيًا، بل يمتد ليشمل بعض الأصناف الأدبية التي يراها المثقف العربي دونية وليست ذات أهمية، وهذا بدوره انعكس على ذائقة الشعوب؛ فأدب الخيال العلمي في الوطن العربي يخبو شيئًا فشيئًا. ومن هنا تجدر الإشارة إلى مشروع مخطوطة 5229؛ وهو مشروع إماراتي واعد لإنتاج وترجمة أدب الخيال العلمي، والذي أتاح لي ولغيري التعرف على عوالم مدهشة تؤكد أن العقل البشري قادر على الابتكار وإنتاج الخوارق.

 

 

عودةً لبريق العدالة؛ فنحن هنا أمام رواية ثرية متشعبة الشخصيات والأحداث والعوالم. فالشخصيات من قبائل وأعراق خيالية صنعتها الكاتبة وأجادت في تصويرها ووصفها. وهذه الأعراق والقبائل تنتمي إلى نظام يحكمها وأوطان تنتمي إليها. وهذه الأوطان ليست بمعزل عن أطماع الآخرين ورغبتهم في السيطرة عليها. تمامًا كما يحدث في أرض الواقع من صراع على بسط النفوذ والسلطة.

 

 

رغم اختلاف الأسلحة والعتاد وتطور التجهيزات والمعدات الآلية إلا أن وجه الحرب بشع ولا يأبه كثيرًا بالعدالة خاصة أثناء الصراع. لكن حين تهدأ الأمور قليلًا ويبسط القوي سيطرته ويظن أن الآخر قد قبل به أو أظهر قبوله له، سيتناسى أن الظُلم لا يمكن نسيانه والدم الذي سكب سيسري في عروق كل مظلوم مانعًا إيّاه من النسيان.

 

 

هنالك دومًا ذلك الشخص الذي يحاول الموازنة بين العداوة العمياء والإنصاف الذي لايتحلى به سوى النبلاء وأصحاب الأخلاق الرفيعة؛ فما أسهل العداوة الأبدية وما أصعب مكابرة الوحش وكبح جماحه ليصبح أكثر عدالة وإنصافًا.

 

الرواية تزخر بالعديد من المواقف التي يتقابل فيها الخير والشر. والمواقف المعلبة التي يفرضها عليك محيطك وأرضك وانتمائك العرقي واصطفافك التلقائي مع من تنتمي وكل الانجرار الجارف الذي لا نعيه إلا بوقفة بعيدة ونائية عن كل الصراعات، نتسائل فيها: هل نحن حقًا على صواب؟

 

 

الكل يظن أنه يفعل الصواب وأنه يقوم بكل هذه الحروب من أجل الصواب ومن أجل إرساء القيم دون أن يرى أنه في هذا المسير قتل للقيم والأخلاق. لن أحدثكم عن شخصيات الرواية الجاذبة والأخّاذة والغامضة خشية فضح جزء من متعتها التي تنتظركم.

 

 

*دار مخطوطة 5229: هي دار نشر إماراتية مختصة بأدب الخيال العلمي والفانتازيا أسستها كاتبة الخيال العلمي الإماراتية نورة النومان. اسم الدار جاء تكريمًا لمخطوطة ابن فضلان التي خطها عن الرحلة التي أوكلها إليه الخليفة العباسي المقتدر بالله إلى بلاد البلغار. ورقم 5229 هو رقم المخطوطة القابعة في أحد المتاحف التركية المشهورة. وكان للرحلات التي دونها ابن فضلان في المخطوطة فضل في إلهام الكثير من الأعمال الأدبية والفنية، لعل أهمها فلم المقاتل الثالث عشر الذي أنتجته هوليوود عام 1999. وهنا يأتي دورنا نحن في الرجوع إلى هذا التراث الذي أهملناه طويلاً والذي يحمل شتى صنوف الفنون والمعارف التي تخاطب كافة الأعمار ومختلف العقول. أما تخصصية الدار في الخيال العلمي وأدب الفانتازيا فهو ذو أهمية بالغة لشد اليافعين نحو القراءة، حيث كانت ولا زالت قصص الخيال العلمي تجذب الكثير من الشباب وكبار السن وتخاطب مختلف الأعمار. كما أنجب هذا الصنف الأدبي العديد من الشغوفين بالكتابة حيث أثرت هذه القصص بفنتازيتها على خيالهم الإبداعي.