"بوب موب عمي": تجربة في الحداثة السائلة

 

لا يزال زيجمونت بومان يجد في مفهوم الحداثة السائلة بديلاً أكثر دقة لوصف مجتمعاتنا المعاصرة عوضًا عن وصفها بـ "ما بعد الحداثة"، بعد ما يربو على ربع قرن من إطلاقه لمشروع الحداثة السائلة في 1999.

يصف بومان هذه المرحلة بالسيولة لما لها من سرعة في التحول وإعادة التحول بين أنماطٍ لا تكاد تثبت حتى تعاود سيولتها، حيث أن أسلوب الحياة في هذه المرحلة على حدّ تعبيره؛

 

 "يكمن في التحديث الوسواسي القهري الإدماني (...) في الإذابة المتواصلة والإحلال السريع للبنى والنماذج الذائبة".

 

 

يمكن قياس سيولة الأوقات التي نعاصرها، مثلاً، من خلال أنماط الإنتاج والاستهلاك التي تسودها، إذ لا يلبث المستهلك أن يمل من المنتج، الذي يراد منه أن يمنحه "تجربة"، أن يمكنه من اختبار حالةٍ أو شعورٍ ما، ويستبدله بغيره متى ما انقضت النشوة المصاحبة لهذه التجربة. فيوضح بومان أن "الإشباع واللذة مشاعر لا يمكن استيعابها بمصطلحات مجردة، فلا بد أن يجربهما المرء "تجربة ذاتية"، لا بد أن يعيشهما".

 

 

ثم لا يلبث المُنتج أن ينتج موادًا استهلاكية قصيرة الأمد تتماشى والاختبار الشخصي للمتعة الآنية التي ينشدها المستهلك، ورغبته الدائمة فيما يُستهلك سريعًا ويستبدل بشكلٍ أسرع سعيًا إلى تجربةٍ أخرى، لأن الدافع وراء هذا النشاط الاستهلاكي تقوده الرغبة، لا الفعالية أو الحاجة أو الديمومة، وهي "قوة دافعة تلد نفسها بنفسها، وتستمد حركتها من داخلها بحيث لا تحتاج إلى تسويغ أو "علة" تبرر وجودها". اقرأ أيضًا: كيفيّة التغلّب على عقبة الكاتب.

 

ولأن التسوق من أجل الاستهلاك "لا يتعلق بالأطعمة، والأحذية، والسيارات أو أثاث المنزل، فالبحث اللانهائي النهم عن نماذج ووصفات جديدة معدلة للحياة هو نوع من التسوق".

 

وكغيره مما يُستهلك، ليس الأدب بمنأى عن التسوق من أجل الاستهلاك المحكوم بعلاقات العرض والطلب، حتى باتت الكتب، إلا ما ندر، تُكتَب على عجالة، وتُنتَج ويُعاد إنتاجها بسرعةٍ لتلبي الطلب المتزايد الذي يفوق العرض، وبما يؤثر على جودة المنتج في أغلب الأحيان. اقرأ أيضًا: التحرر من الزمان والمكان في "لعبة الكريات الزجاجية".

 

في زيارةٍ إلى مهرجان الأيام الثقافي الذي يقام سنويًا في البحرين، والذي يصاحب فعالياته معرضٌ للكتب، استوقفني عنوان أحد الكتب: "بوب موب عمي" (الشعلان، 2014) لمؤلفه الدكتور وليد أحمد الشعلان. تصفحت الكتاب ذو الأوراق السوداء والطباعة البيضاء، بألوانه وصوره، والرموز التي يمكن ولوجها عن طريق تطبيقاتٍ على الهواتف المحمولة. قد لا تسعفني ذاكرتي، بعد عامين من تلك المصادفة، لأدون الحوار الذي قرأته على إحدى صفحات الكتاب، إلا أنني أذكر أنه كان باللهجة المحكية الخليجية، وفيه من الإبدال اللغوي بينها وبين الإنجليزية.  

 

 

لابدّ أن أعترف بأنني حينها أعدت الكتاب إلى مكانه مقلوبًا، ولم أتوان عن وضع كتبٍ أخرى عليه في محاولةٍ مني إخفائه. لا أكتب اليوم عن هذا الكتاب، إلا رغبة مني في استعراض مفهوم الحداثة السائلة وتمثيلاته في المنتوج "الأدبي" المعاصر إن جاز التعبير، إذ أن الكتاب الذي طبع إحدى عشر مرة منذ إصداره في 2014، ليس بحاجة إلى دعاية على ما يبدو. اقرأ أيضًا: النجيب والقُطب: نظرة على ما كان بين الأستاذين.

 

على سبيل التقديم، وفقًا لناشره "دار مدارك"، فإن أحداث الكتاب تجري

 

"في إحدى القرى الأرستقراطية الصغيرة جنوبَ غرب لندن. بينَ دفتي الكتاب حكايةُ يومياتٍ خَبَت ولم تَأفل، دوَنها (خالد) إبّانَ دراسته هناك. حكايةُ حبٌ وحرب وسردٌ تاريخي وتثقيفي لمقتطفاتٍ من جوانب الحياة في إنجلترا".

 

 

الكتاب، كما يقول مؤلفه الشعلان في مقابلة له مع برنامج إذاعي هو كتاب يمزج الترفيه والتعليم في آن واحد، باعتباره كتاب أُريد به تعريف القارئ بمحطاتٍ ومعالم من التاريخ الإنجليزي في المقام الأول. اقرأ أيضًا: صمويل بيكيت في باريس: فراغٌ مضيء.

 

أما على موقع goodreads؛ تباينت وجهات النظر والتعليقات والتقييمات المعطاة للكتاب بين نجمة واحدة كتعبير عن عدم الرضا، وخمس نجوم كتعبير عن الإعجاب.

 

إلا أنه لا بدّ من تحليل البنية والنص، من أجل فهمٍ أفضل لمفهوم الحداثة السائلة وتجلياته في الإنتاج الثقافي. بنيويًا لا يزال الكتاب يتبع نمطًا تقليديًا من الصعب كسر قالبه: كتابة المذكرات، تتخلله حوارات مستفيضة تسرد الأحداث وتصف زمان ومكان القصة وشخوصها. ولتقليدية البناء السردي، تتسلسل أحداث الكتاب التي تقع في إحدى عشر فصلًا، تسلسلًا زمنيًا، خلال التمهيد المُسَطر في 15  نوفمبر 2009، منذ 15 سبتمبر 2004 وتنتهي في 15 نوفمبر 2005، وتسرد مذكرات الشخصية الرئيسية حول تجربة عاطفية أثناء إقامته في بريطانيا. اقرأ أيضًا: 7 كتب شهيرة هاجمها النّقاد عند إصدارها.

 

ضمن البناء التقليدي للقصة، وعلى خلاف توظيف أمبرتو إيكو للصور في روايته "اللهيب الغامض للملكة لوانا" كجزءٍ من البناء السينمائي للحبكة القصصية، فإن الكاتب حينًا يزج ببعض الصور في مطلع الفصل أو حين يمر على ذكر معلمٍ ما أو حدثٍ ما في أوسطه، وأحيانًا أخرى بعد انتهاء الفصل بهدف منح القارئ فرصة التعرف على هذه المعالم وما سواها مما ورد ذكره في النص. وفي توظيفه للصور يبدو أن الكاتب ما ينفك أن ينسى المحافظة على المسافة الأدبية بينه وبين الشخصية الرئيسية، إذا يسوق الكاتب عددًا من الصور ويذيلها على أنها التقطت بعدسته. اقرأ أيضًا: "اسم الوردة".. الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الطيّبة.

 

يستحدث الكاتب أيضًا استخدام رموز الاستجابة السريعة، وهي رموزٌ مشفرة تتيح للقارئ ولوج روابط إلكترونية تصله بمقاطع صوتية أراد من خلالها خلق تجربة حسية للقارئ المعاصر المعتاد على اللجوء إلى التكنولوجيا المتصلة بالهواتف المحمولة للمشاهدة والاستماع والقراءة، أم أنه يحرمه بذلك متعة البحث عمّا استشكل من أسماء وأماكن ومصطلحات متى شاء وكيفما شاء. 

 

 

ربما ليس هناك ما يمكن أن يتوافق ومفهوم الحداثة السائلة عند بومان، أكثر مما يدل عليه استخدام رموز الاستجابة السريعة، فهي بطبيعتها تستجيب للرغبة الآنية للمستهلك في معرفة المنتج واختباره بسرعة.

 

يوظف النص المطبوع باللون الأبيض في مجمله على ورقٍ أسود، عددًا من الألوان: الأزرق، الوردي والأصفر. على الرغم من محاولتي فهم ما تحاول هذه الألوان تمييزه عن بقية النص، فهي حينًا تشير إلى أسماء أشخاص، أماكن، أشباه جمل بالعربية، ونصوص بالإنجليزية أحيانًا أخرى، فإنه لا يبدو أن استخدام الألوان يتجاوز الاستعاضة بها عن الخطوط العريضة أو الخطوط المسطر تحتها للتشديد في الكتب التقليدية، دون أن تضيف قيمةً أسلوبية أو جمالية للنص. اقرأ أيضًا: لماذا يندُر الأدب حول الحقبة الستالينيَّة؟

 

أما لغويًا فالكاتب يتأرجح بين فصحى جيدة ومحكية خليجية، يبررها الكاتب بقربها من المتلقي، ويستبدلها بين الحين والآخر باللغة الانجليزية، إما لموائمتها لمكان الأحداث، أو لأن الإبدال اللفظي بات نمطًا دارجًا في التعبير في المحكيات العربية.

 

إلا أن القارئ للنص لا يمكن أن يغفل بداياته كنص نُشر عبر مدونة الكاتب الإلكترونية، ويضيف الكاتب في مقابلته الإذاعية أن نص الكتاب نُشِر مبدئياً على مدونته باقتضاب أكثر مما هو في النسخة الورقية، وذلك في وقت سبق بأعوامٍ قليلة سيولة التدوين الرقمي الذي يتيح للمرء اختزال الكثير والتعبير عن الكثير في مائة وأربعين حرفًا، مما يشي بوعي الكاتب بقصر فترات انتباه القراء، ورغبتهم في قراءة كل ما خَفَّ وقَصُر. اقرأ أيضًا: 5 مقاطع موسيقيّة تساعدك على التركيز أثناء القراءة.

 

من جهة أخرى، فإن مضمون الكتاب لا يأتي بجديد، فهي مجرد مذكرات حول مغامرةٍ عاطفية، لا تطرح فكرةً أو قضية أو تساؤل. وعليه، فإن في الكتاب ما يتفق وما يقترحه بومان حول أنماط الاستهلاك والتعبير في الأوقات السائلة التي نعيشها، إذ يقدم الكتاب تجربةً شخصية مقروءة ومسموعةً ومرئية في محاولةٍ لإطالة أمد إشباع رغبات القارئ في عيش تجربة متكاملة، كتلك التي يقرئها، من خلال توظيف الصور ورموز الاستجابة السريعة.

 

إن في اعتماد الكاتب على الإبدال اللفظي تسييل لأنماط الكتابة الصلبة التي ترى في الهجين المحكي والإنجليزي تمييع للفصحى التي ما زالت محتفظة بصلابة موقفها كلغة للأدب.

 

هذا الكتاب ليس إلا قطرة من بحرٍ أدبي متقلب، يجد لموجه المتلاحق سواحل متلقية من القراء. ليس في وصف كتاب أو منتج ما على أنه سائل، ما يعيب، إنما هو وصف لانعكاسات المرحلة الراهنة بما تفرزه من منتوج ثقافي يرفض الجمود والسكون، بل ويجد فيه ركون إلى الموت والنسيان. اقرأ أيضًا: في استخدام الراوي العليم: أورهان باموق وميشيل ويلبيك أمثلة.

 

أيعني هذا أننا نمر بمرحلةٍ أدبية أو ثقافية سيئة، كون الانتاج الثقافي مرتبط بأهواء المستهلكين؟ أم أن علينا، منتجين ومستهلكين، أن نتقبل الحداثة السائلة ومحاولتها إنتاج تجارب ثقافية ترضي شبق المستهلك من أجل المزيد من الاستهلاك.

 

ربما كنا نعيش فترة "خلو العرش" البينية التي يصفها بومان في كتاباته، قبل أن يضيق المستهلك بالسيولة ويجد ضالته في منتجٍ ثقافي وأدبي أكثر تماسكاً وصلابة. حتى ذلك الحين سيظل المنتوج الثقافي المعاصر يموج بكتبٍ على شاكلةٍ "بوب موب عمي".

 

 

اقرأ أيضًا: 

تشارلز ديكنز والنّساء اللاتي صنعنَه

صالح علماني؛ الهامش حين يصيرُ متنًا

قد تكون القصص الخياليَّة أقدم مما تتخيَّل!