تاريخ العبودية: العودة إلى الوطن

 

 

لا يمكن لأي شخصية أن تنازع تاريخ العبودية بطولة هذه الرواية، التي تتبع ذرية الشقيقتين أفيّا و إسِّي اللتان ولدتا لأمٍ واحدة، أبوين مختلفين و ظروفٍ لا يمكن أن تكون أكثر اختلافاً. أفيّا ابنة ماميه وأوتشرا تترعرع على الساحل الغاني –ما كان يعرف سابقاً بالساحل الذهبي- بين قبائل الفانتي، غير بعيدة عن مركز التواجد البريطاني آنذاك، ليبدأ معها تاريخ الرواية الغاني وتقاطعاته مع الكولينيالية، وإسِّي ابنة ماميه وأساري زعيم أحدى قبائل الأشانتي المحاربة ضد البريطانيين في الداخل الغاني تكتب ولادة تاريخ جديد من الاضطهاد في أرضٍ جديدة.

 

 

للرواية مدخلٌ غرائبي يستحضر عجائبية ماركيز وتوني موريسون: حريق ولعنة تصاحب مولد أفيّا التي يتنبأ والدها بأنها ستجري مجرى الدم في عروق سلالته من جهة، ولعنة أخرى تكشفها شخصية ثانوية لإسِّي حول مصير الشقيقتين المنفصلتين: بأنهما لن تلتقيا أبداً.  

 

 

يضع هذا المدخل الشخصيتين على خطين متوازيين من التاريخ: أفيّا تتزوج آمر القلعة البريطاني، فيما تؤسر إسِّي وتزّج، قبل شحنها إلى العالم الجديد، في قبوٍ في ذات القلعة التي تعيش فيها شقيقتها دون أن تدرك إحداهما وجود الأخرى.

 

 

حاولت الرواية في أكثر من موضع تقديم أحداث غرائبية تصاحب مولد أو وفاة شخصيات أخرى  إلا أنها لا تحافظ عليها كعنصرٍ أساسي في الرواية، كما أن الرواية وبتخليها عن النبرة الحكواتية الاستهلالية، فقدت شيئاً من سحرها.

 

 

 

ثم تنطلق الحبكة بالقارئ من ساحل غانا في القرن الثامن عشر وتمضي به عبر سبعة أجيال تختزل ما يقارب ثلاثمائة عام من التاريخ وصولاً إلى العصر الحديث، يلتقي فيها القارئ بشخصية جديدة من أبناء أفيّا و إسِّي في فصولٍ قصيرةٍ تستعرض أحلامهم ومعاناتهم، والأحداث السياسية التي صاحبت كل حقبة تاريخية.

 

 

ليست الرواية نقداً صريحاً لممارساتٍ تاريخية غير إنسانية، إلا أنها تنقل للقارئ ما يُمَكنُه من اتخاذ موقفٍ إزاء الممارسات الكولينيالية للبريطانيين وغيرهم من الأوروبيين ممن تاجروا بالبشر ونهبوا الأرض ومواردها.

 

ففي الرواية ما يكفي من الوصف الدقيق لاستشعار أحوال العبيد المكبلين في الأقبية دون ضوء أو تهوية أو حتى تصريفٍ لحاجاتهم الطبيعية. كما تحكي عن تواطئ الغانيين أنفسهم وإسهامهم في رفد المستعمرات الجديدة بالعبيد من أبناء جلدتهم لقاء كل ما يمكن تحصيله من المستعمر من منافع وامتيازات.

 

 

 

بعد اتمام الرحلة الشاقة عبر الأطلسي تواصل الرواية استعراضها لممارسات الاستعباد والفصل العنصري في الولايات المتحدة الأمريكية حتى بعد إلغاء العبودية كممارسة قانونية، فتتعرض في إحد الفصول، وربما أكثرها تميزاً، إلى ما يُلفق من تُهمٍ خيالية لأصحاب البشرة السوداء -والفقراء من أصحاب البشرة البيضاء-  كجريمة قطع الشارع حذاء سيدة بيضاء، والالقاء بهم في السجون لمددٍ اعتباطيةٍ طويلة تضمن توفير أيدٍ عاملة في مناجم الفحم في الجنوب. أو في زمنٍ أكثر قرباً للوقت الحاضر، حين يُهمشُ السود في الأحياء الفقيرة، وما قد يثيره تمكن أحدهم من الانعتاق من تلك البيئة ومواصلة تقدمه الأكاديمي وصولا إلى درجة الدكتوراة، من استغرابٍ ودهشة.

 

 

تتسائل الرواية عما يعنيه أن يكون المرء أسوداً؟  أن يؤسر و يُقاد عبداً من قبل بني جلدته لزنازين السيد المستعمر مقابل شيء من الذهب أو العتاد أو المؤنة. أن يُنتزع من أرضه و يُشحن ليقطف قطناً وقصباً و يخدم سيداً آخر في أرضٍ غريبة. أن يُسلب كرامته ضرباً وتعذيباً واغتصاباً وتشريداً، أن يُعاقب بلا ذنب، وأن يُقصى اجتماعياً، ثم يُحرم من فرص التقدم، وأن يترك ليَقتُل أو يُقتَل في أحياء تنهشها الجريمة والمخدرات. ما معنى أن يكون الاستثناء دائماً: لأنه أسود؟

 

 

تعكس الرواية أيضاً تساؤلات الكاتبة حول خصوصية البشرة السوداء، فتقدم الكاتبة شخصيةً مختلطة العرق تُعاملُ بازدراء ممن هم ليسوا كذلك، وإن كان من المزمع أن تتولى هذه الشخصية، جيمس ابن أفيّا، سيادة قبيلة الفانتي. الشعور العارم بالانتماء المنقوص -كون المرء ليس أسوداً بما فيه الكفاية- والخيانة التي تفضحها عيونٌ ملونة أو بشرةٌ أفتح، يدفع هذه الشخصيات إلى محاولاتٍ قسرية للانتماء بتبني أنماط ثقافية موغلة في محليتها، أو التخلي عن المجتمع برمّته.

 

 

علاوة على ذلك تقدم الكاتبة شخصية مارجوري الشابة الغانية التي تهاجر ووالديها إلى الولايات المتحدة لتكتشف أنها غير سوداء بما فيه الكفاية لتندمج في المجتمع الأمريكي من أصول أفريقية. تزداد هذه الحيرة حين تعود إلى غانا، فيعتقد الغانيون أنها سائحة أمريكية.

 

 

تقصي الكاتبة للحقائق التاريخية يمنح الرواية ثقلاً يعوض قِصَرها مقارنةً بالفترة الزمنية التي تحاول استعراضها، وما يعتور بعض الفصول من رتابة والشخصيات من تكرار، فتقدم للقارئ متعة اكتشاف شيء من تاريخ غانا، الثقافات القبيلة، التنوع اللغوي، وأساليب الحياة المختلفة فيها، وفهماً متجدداً لتاريخ العبودية والاضطهاد في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

 

الرواية هي الأولى للكاتبة الغانِيّة-الأمريكية الشابة ياه جسّي، وقد صدرت في فترة تزامنت مع تصاعد التوتر العرقي في الولايات المتحدة الأمريكية عن دار ألفرد نوبف في 2016، ولم تترجم بعد إلى العربية.