تعيسة ووجع الهوية في السودان

 

 

تكون الرواية في أفضل حالاتها عندما تطرح قضيةً تشغل المجتمع الذي خرجت منه، أو عندما تكون صوت الناس الذين تحكي حكايتهم؛ وكذلك رواية "تعيسة" للسوداني بشرى فاضل.

 

الوطن العربي هو مصطلح جغرافي-سياسي يطلق على منطقة جغرافية ذات تاريخ ولغة وثقافة مشتركة، بغض النظر عن الهويات العرقية ،،هذا ما أقرته جامعة الدول العربية ، وذلك لوجود أعراق غير عربية لها أثرها في المكون الإنساني للمنطقة مثل الأقباط، الأمازيغ، الأكراد والأفارقة؛ لهم حق المواطنة، يتحدثون العربية ويشاركون القبائل العربية في العادات والثقافات.

 

يمثل السودان أكثر دول العالم العربي تعددًا للأعراق، موزعة على أرضه الفسيحة، حيث نجد القبائل التي تعيش في شمال ووسط السودان تمثل الانحدار من العرق العربي -حسب العرف السائد-، الأصل النوبي نجده في أقصي الشمال، أما في شرق السودان فهناك خليط من قبائل "البجا" التي يذكر المؤرخون انحدارها من قبائل حامية نزحت قديمًا من منطقة أسوان في جنوب مصر، كما نجد في الشرق قبائل بدوية نزحت من الجزيرة العربية. اقرأ أيضًا: لماذا رفض ت. س. إليوت نشر رواية "مزرعة الحيوان" لأورويل؟

 

في غرب السودان يستوطن الفور والزغاوة وغيرهم من القبائل ذات الأصل الأفريقي، أما جنوب السودان والذي استقل بذاته، فبه تقطن أكبر القبائل النيلية، الدينكا، الشلك والنوير.

 

بهذه المقدمة أردت الولوج لجدلية الهوية السودانية المعقدة، التي تحدث عنها كثير من أهل الرأي المعتبر، وأظن أجمل الأقوال "كون السوداني سودانيًا وحسب"، يجعل أهل السودان في وئام وتمازج فريد.

 

المشكلة الأزلية في الجنس البشري التي تتمثل في التفاخر بالأعراق والأنساب لا يمكن استثنائها في السودان، و"تعيسة" هي رواية للدكتور بشرى الفاضل تناولت هذه القضية بمنظور خيالي أدبي راقي، نُشرَت عن دَار مدارك في 2015، في حدود ٢٠٠ صفحة. الدكتور بشرى الفاضل أديب وشاعر وأكاديمي سوداني له العديد من المؤلفات. اقرأ أيضًا: 5 مقاطع موسيقيّة تساعدك على التركيز أثناء القراءة.

 

 

تعيسة هي شخصية الرواية المحورية، سميت سعيدة عند الولادة، وأجمع الكل على أنها تعيسة حتى صار اسما لها وذلك لكونها صماء، بكماء وعمياء .
تبدأ القصة بهروب أسرة سعيد محمد خير وعبده (بخيت فرج الله ) من الغزو التركي للسودان في القرن التاسع عشر، من منطقتهم الكائنة في شمال السودان بالقرب من نهر النيل واتجاههم ناحية الغرب الجغرافي؛ بهذا الهروب خسر سعيد محمد خير أهله وأرضه وانتمائه العشائري.

 

يخوض الكاتب في تفاصيل الرحلة من الإعداد لها، الصعوبات التي واجهوها خلالها، والإحباط الذي أصابهم بعد أن تيقنوا من أنهم قد تاهوا في الصحراء، حتى ظهور الواحة التي ستكون الملاذ والمستقر .
في هذه القرية المنقطعة من أي اتصال أقامت الأسرتان، وتم ترتيب الحال وفق الظروف المتاحة من أكواخ للسكن وأرض خصبة وتربية للماشية التي كانت معهم. اقرأ أيضًا: 5 كتب مفضلة لدى أينشتاين.

 

في هذه الظروف ذابت الأنا المتسلطة للسيد سعيد محمد خير وارتفعت الأنا المهانة للعبد بخيت وذلك بتزاوج أبناء الأسرتين وبرغبة أساسية من السيد، وهو مالا يمكن حصوله أو مجرد التفكير فيه، في حال كانا موجودين في بيئتهما الأم .

 

يستمر الحال حتى يولد الجيل الثالث من هذا الاندماج وعنده لا يتم التفكير في الأمر على أنه شاذ أو غريب، ويرجع الكاتب الأمر لعدم وجود الطرف الثالث في القضية؛ وهو الشاهد أو العين الرقيبة الناقدة، في هذه الفصول من الرواية تفاصيل الحياة من إنتاج وتعليم للصغار بما هو متاح من المعرفة. اقرأ أيضًا: تولستوي يُلقّب شكسبير بالكاتب التافه وأورويل يكشف السبب.

 

تولد تعيسة بعد أربعة أجيال من التغريبة، من سلالة السيد والعبد معًا، في مكان مجهول في بقعة نائية، تجهل كل شيء يدور حولها لأنها صماء، بكماء وعمياء؛ لكنها فريدة في جمالها لا تشبه أحدًا، ولا يستطيع الناظر إليها غض البصر.

 

النظر إليها يجلب السعادة في النفوس، أما دواخلها فتمور بعوالم لم ولن يكتشفها أحد، تبني علاقتها بالعالم الخارجي من خلال حاستي الشم واللمس فقط، لم تسلم تعيسة ممن هم حولها؛ إذ أكد الكبار أنها مبدّلة؛ أي أنها ليست من عالم الإنس، واستمر بها الحال هكذا حبيسة في كوخ منفرد تحت رعاية وحب واهتمام والدتها حتى بلغت الثامنة عشر وحينها ابتسم لها القدر .
في الفصل الأخير يتحدث الكاتب عن زيارة جماعة توثيق الفلكلور، الذين وصلوا للقرية بعد أن ضلوا طريقهم.

 

يستضيفهم أهل القرية ليتعرفوا على أفرادها، وليدهشوا -طبعًا- بتعيسة وجمالها.

يستطرد الكاتب في الحديث عن الهوة العميقة التي خلّفها الانقطاع بين أهل القرية ومحيطهم، ذهابًا إلى نهاية الحكاية؛ حيث تزوج عبد البين السائق من تعيسة، وانتقل الجميع للعاصمة الخرطوم، لتسافر بعدها تعيسة وزوجها لإحدى الدول الإسكندنافية بمساعدة المنظمات الإنسانية؛ حتى تتوفر لها بيئة ملائمة لوضعها؛ استنادًا على قصة نجاح هيلين كيلر في التغلب على وضعها. اقرأ أيضًا: قد تكون القصص الخياليَّة أقدم مما تتخيَّل!

 

 

تأتي رواية "تعيسة" للدكتور بشرى الفاضل، لتذكرنا بأن الاندماج العرقي في السودان ممثلًا في "تعيسة"، يمكنه أن يكون جميلًا جدًا طالما لا أنه لا يعي الاختلاف الموجود في الأصل، ولا تحيط به عين رقيبة تذكره بالفروقات المفروضة عليه. 

 

 

اقرأ أيضًا: 

8 كتّاب أخذوا طرقًا بديلة للنّجاح

رحلة عقل؛ من الإلحاد إلى الإيمان

3 مواقع عربية تقدم لك الكتب الصوتية

كيف تحوّل القراءة وقودًا للكتابة؟