توظيف النص القرآني في لغة السرد الروائي في "ظل الأفعى"

 

 

يُعدّ النص الروائي بالعموم نسقاً لغوياً قابلاً للتفسير والتأويل ، والقارئ الذكي هو القادر على ربط النص في علاقات بنصوص أخرى . وينهض التفاعل النصّي في أحد أشكاله باستدعاء نصوص مختلفة وإشراكها في النص المقدم  إما بشكل مباشر (تضمين واقتباس) أو على نحو يشتبك مع نصوص أخرى (غير مباشر) . ويأتي في هذا الباب الكلام عن التوظيف (أحد أشكال التناص) الذي يفيد بالدرجة الأولى تضمين نص داخل نص ، أو استخدام كلمات وجمل معروفة أو ذات معنى في الذاكرة وتوظيفها بالنص المقدم بحيث لا يعتبر النص كلاّ تاماً ، بل يكون قائماً بذاته وبغيره .

 

وفي الحديث عن توظيف النصوص المقدسة “القرآني خصوصاً” في رواية ظل الأفعى لكاتبها يوسف زيدان فالمقصود نقل نصوص أو استيحاؤها من الحقل الديني المحيل على القرآن الكريم واستخدامها داخل السياق السردي للرواية. ويظهر التوظيف للنص القرآني في “ظل الأفعى” بأكثر من شكل:
الأول: وهو التوظيف المباشر ، فقد تعامل الروائي بشكل مباشر مع القرآن صراحة وتنصيصاً في مواضع هي:
1.على لسان الجد (صفحة 29*): ربنا بيقول من سابع سما (كما أنعمت على أبويك إبراهيم وإسحق) للاستدلال على أن لفظة الأب تطلق على الجد وبالتالي أخذ الجد للوصاية على حفيدته التي توفي أبوها .
2.على لسان الجد (صفحة 33) : إنما جزاء الذين يفسدون في الأرض.. ) للإشارة إلى أم البنت وإفسادها عقل ابنتها ويتضح أن استدلال الجد في غير مكانه ولكنه توظيف منه للقرآن لما له من قدسية على الناس
3.على لسان الجد (صفحة 37) (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) وردت في الحث على الإنجاب للزوج .
4.في رسالة الأم (صفحة 91) : “وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت” في نفي الاعتقاد بوأد البنات .

 

أما الشكل الثاني للتوظيف فهو غير مباشر فالكاتب هنا وهو يأخد الآيات القرآنية أو كلمات منها في نسيج خطابه الروائي ، لا يقصد استحضار آية كاملة من القرآن ، بل يقتطع منها جزءاً ويوظّفه في سرده الروائي . حيث يقول في ص15: “يومها ، هفا إليها حين مرَّت أمامه . صبا نحو جمالها ، حين دنا . انقلبت دولته ، لما تدانت ، ذاب ، لما حيَّته بابتسامة من قاب مترين أو أدنى . تدلَّه ، لما أوحت إليه بالاقتراب أكثر . طار فرحاً ، لما بادلته الكلمات والبسمات والإشارات .. كان هدوؤها ووقارها ، من النوع الأبيض الذى يحبه الرجالُ فى النساء . كان كذلك فى ذاك الزمن ، ثم صار اليوم من النوع الرمادي الغامض ، الذى يكرهه الرجال فى النساء ، صار عميقاً .. مقلقاً “.

ويرد في ص 29 : “فارتفعت ذقنه قليلاً فوق المقبض العاجي لعصاه التي يتكئ عليها ، و سيهش بها على نعجته الصغيرة ، وقد يضرب بها إن لزم الأمر” .

 

وبالرغم من أن إحدى اتجاهات “البنيوية” تشير لتعالي النص على كاتبه عند وجود التناص بما يجعل النص ليس ملكاً لمبدعه إلا أنه يمكن النظر إلى التوظيف السابق بأنه ينعكس على النص الروائي لرواية ظل الأفعى بعدة نواحي يمكن إجمالها في الآتي:
1.يمثل التوظيف بمفهوم التناص هنا تقنية روائية بتحقيق الذاكرة المشتركة بين للكاتب والقارئ (للكاتب لحظة الكتابة وللقارئ لحظة التلقي) .  

2.إضفاء الجمالية على النص بتعدد المرجعيات إذا ما أشركنا التوظيف التاريخي والأدبي والأسطوري .  

3.بيان قوة الكاتب بتعدد المصادر لديه وإطلاعه على كنز لغوي (القرآن الكريم) أو ربما تؤثر به .  

4.إعطاء صبغة قوة للنص الروائي بإضافة نص مقدس له سلطة على القارئ .  

5.احتياج الكاتب لخطاب مؤيد لكلام الشخصيات لتخرج بشكل مقنع أكثر و مؤثر بشكل أكبر كما في حالة الجد .  

خلاصة : وجود تناص من أي نوع داخل لغة السرد الروائي يعطي قوة للنص إجمالاً ، وبالنظر للتناص القرآني والتوظيف المباشر وغير المباشر في لغة “ظل الأفعى” السردية فإنه يعطي قوة للغة الرواية ويشير إلى سعة إطلاع الروائي وقدرته على استحضار نصوص داخل البنية السردية لحظة الكتابة بأسلوب ينسجم مع رؤيته أو تتطلبه إحدى الشخصيات وتحقيق الغرض الروائي عند الكاتب .

 

• الرواية الأولى للروائي و الباحث المصري د.يوسف زيدان نشرت أول مرة عام 2006.  

• جميع الصفحات المشار إليها بالاعتماد على طبعة دار الشروق الرابعة 2010.

 

 

اقرأ أيضًا: 

أشهر 7 أدباء قضوا منتحرين

نصوص غاضبة

الكتاب الأردني يحلم بإلغاء الرقابة