تولستوي يُلقّب شكسبير بالكاتب التافه وأورويل يكشف السبب

 

لقَّب تولستوي شكسبير بـ"الكاتب التافه والذي ليس لديه موهبة"؛ بعد أربعين عامًا، جورج أورويل يساهم في النقاش.

بعد تحوُّله الجذري للمسيحيَّة اللاسلطويَّة، تبنَّى ليو تولستوي موقفًا مُتناقضًا بشدَّة، وقد كان عُنف هجماته على الطبقيَّة والتقاليد التي أنتجتها قويًّا جدًّا حتَّى أنَّ بعض النُقَّاد، قد يُطلقون لقب أوديبي على صراعه؛ فقد عارض بشكل كامل المؤسسات البطريركيَّة التي تضطهد الطبقة العاملة وتُضيِّق الحياة الروحانيَّة التي اختارها، وناصرَ الثورة، كما كتب في كُتيِّب "معنى الثورة الروسيَّة" من عام 1907: "تغيُّر مثل تغيُّر علاقة الناس مع السُلطة هو التغيُّر الذي يحدث الآن في روسيا، ونحن كروسيُّين نقوم بإنجاز ذلك."

 

باستخدامه كلمة "نحن" يُبعد تولستوي نفسه عن الفلاحين الروس، كما يفعل في كُتيِّبات أُخرى مثل مجلَّة "ثلاث أيام في القرية" (1909)؛ هذه المقالات وغيرها من تلك الفترة تُشكِّل فلسفة سياسيَّة ونقدًا ثقافيًّا موجّهًا في الغالب نحو تأكيد الصحَّة الأخلاقيَّة الحمراء للفلاحين، وتُشير إلى تفسُّخ الأرستقراطيَّة ومؤسساتها.

في ذات السياق؛ واحدة من مقالات تولستوي، من عام 1906، يتخذ فيها أكثر أسلاف الأدب تجويفًا، قائلًا:

"رأيي منذ فترة طويلة حول أعمال شكسبير مُعارض بشكل مُباشر للرأي الموجود في كل العالم الأوروبي".

 

بعد تحليل مطوَّل للملك لير، يستنتج تولستوي أن أعمال الكاتب المسرحي الإنجليزي "لا تُرضي مطالب الفن كُلها، وبالإضافة لذلك، فإن أهدافها وضيعة وغير أخلاقيَّة أبدًا"، ولكن كيف لكل العالم الغربي أن يُعجب بأعمال شكسبير؟ "ربما كان أيًّا مما تريده، ولكنه لم يكن فنانًا" يحدث هذا من خلال ما يدعوه تولستوي "اقتراح وبائي" نشره بشكل أساسي أساتذة ألمانيون في نهاية القرن الثامن عشر، أي بلغة القرن الواحد والعشرين، يمكن أن نقول أن عبقريَّة شكسبير كانت مثل صورة انتشرت في كل مكان على الإنترنت!

 

يصف تولستوي أيضًا تبجيل شكسبير باللقاح الثقافي المؤذي الذي أُعطي للجميع دون موافقتهم، قائلًا:

"لا يُمكن إيجاد الناس ذوي العقول الحُرَّة، والذين لم يُلقحوا بعبادة شكسبير، في مجتمعنا المسيحي، فكل رجل في مجتمعنا ووقتنا، ومنذ أوَّل حياته الواعية، لُقِّح بفكرة كون شكسبير عبقري وشاعر  وكاتب مسرحي، وأن جميع كتاباته قمَّة في المثاليَّة".

 

في الحقيقة، يعلن تولستوي أن الشاعر المُبجَّل كان "كاتب تافه بلا موهبة... وكلَّما اقترب وقت تحرير الناس أنفسهم من تبجيل شكسبير المزوَّر كان ذلك أفضل".

 

"لقد شعرت بقناعة قويَّة لا يُمكن الشك فيها أن المجد الذي لا يُمكن الشك فيه للعبقريَّة العظيمة التي استمتع بها شكسبير والتي تجعل كُتَّاب وقتنا يقلدونه والقُرَّاء والمُشاهدون يجدوا فيه فضائل غير موجودة -وبذلك يشوهون فهمهم الجمالي والأخلاقي- شر عظيم كما في كُل كذبة".

 

ما الذي جعل كاتبًا لكُتب كلاسيكيَّة مشهورة مثل الحرب والسلام وآنَّا كارينينا يرفُض كاتب الملك لير بهذه القوَّة؟ يرُد جورج أورويل على هجمات تولستوي بعد أربعين عامًا في مقال أسماه "لير وتولستوي والأحمق" (1947)، قائلًا: اعتراضات تولستوي "على رثاثة مسرحيَّات شكسبير واللغو الفارغ والعُقَد التي لا تُصدَّق واللغة المبالغ فيها"، أدنى اعتراض على إنسانيَّة شكسبير الدنيويَّة، و"غزارته" أو -باستخدام مُصطلح نفسي تحليلي آخر- انتافعيَّته، ويقول أورويل:

"لا يحاول تولستوي ببساطة أن يُجرِّد الآخرين مُتعة لا يُشاركهم فيها، إنَّه يقوم بذلك ولكنَّ صراعه مع شكسبير يذهب لأبعد من هذا، إنَّهُ صراع بين النظرتين الدينيَّة والإنسانيَّة للحياة".

 

يوافق أورويل على أن "الكثير من التفاهات كُتِبت عن شكسبير كفيلسوف وعالم نفس وكـ"مُعلِّم أخلاقي عظيم" وما إلى ذلك،" في الحقيقة، يقول أنَّ الكاتب المسرحي لم يكُن "مُفكِّرًا مُنظَّمًا" وأننا لا نعرف حتَّى "كم من الأعمال التي نُسِبت إليه كتبها هو حقًّا،" ومع هذا يُتابع ليُظهر الطُرُق التي يعتمد فيها تلخيص تولستوي النقدي للير على لغة انحيازيَّة جدًّا وطُرُق مُضللة، كما أنَّ تولستوي "بالكاد يتعامل مع شكسبير كشاعر."

 

ولكن، كما يسأل أورويل، لم اختار تولستوي "لير" بالذات؟ بسبب شبه الشخصيَّة بتولستوي ذاته، كما يعبّر أورويل: "يتخلَّى لير عن عرشه ولكن يتوقَّع من الجميع أن يتابعوا معاملته كملك."

 

"ولكن، أليس هذا شبيهًا بتاريخ تولستوي نفسه؟هُناك تشابه عام بالكاد يُمكن للمرء أن يتجنَّب رؤيته، فأكثر حدث مُثير للإعجاب في حياة تولستوي، كما في حياة لير، كان عمل تنازل ضخم وبلا سبب، بذاك السن الكبير، كان عليه التنازُل عن ممتلكاته ولقبه وحقوقه الفكريَّة، وأن يحاول، محاولة صادقة ولكن غير ناجحة، لأن يهرُب من منصبه المُميَّز ويعيش حياة فلاح، ولكن الشبه الأعمق يكمن في حقيقة تصرُّف تولستوي، مثل لير، بناءً على دوافع خاطئة، وفشله بأن يصل للنتائج التي أمُل أن يصل إليها، فوفقًا لتولستوي، السعادة هي هدف كُل كائن بشري، ويُمكن الحصول على هذه السعادة بتطبيق إرادة الله، ولكنَّ تطبيق إرادة الله تعني التخلُّص من كل المُتع الدنيويَّة والطموحات وأن يعيش لأجل الآخرين فقط، وفي النهاية، تخلَّى تولستوي عن العالم تحت الاعتقاد بأن هذا سيجعله سعيدًا، ولكن، إن كان أي شيء أكيد عن سنواته الأخيرة، فهو أن تولستوي لم يكُن سعيدًا فيها."

 

مع أنَّ أورويل يشُك أن الروائي الروسي كان مُدركًا لذلك -أو أنَّه كان ليعترف إن قال أحدهم ذلك- فإن مقالته عن شكسبير تبدو وكأنَّه أخذ دروس قصَّة لير بشكل شخصي، يكمل أورويل: "لم يكُن تولستوي قديسًا، ولكنَّه حاول أن يجعل نفسه قديسًا، فالمعايير التي طبقَّها على الأدب كانت غير دنيويَّة"، وبذلك، لم يستطع أن يتحمَّل "مسحة شكسبير الكبيرة من الدنيويَّة"، و"أنانيَّته العاديَّة المتواضعة"، جزئيًّا، لأنَّه لم يستطع أن يحتمل هذه الصفات في نفسه، فهي تُهمة شائعة وجارَّة أن يعكس حُكم الناقد انشغالاته النفسيَّة وقليل من العمل ذاته، فالتحليلات النفسيَّة لدوافع الكاتب غالبًا لا حاجة لها، ولكن، في هذه الحالة، يبدو أن أورويل وجد صراعًا نفسيًّا شخصيًّا حقيقيًّا في مقالة تولستوي عن شكسبير، وربما وضع أصبعه على مصدر رد فعل تولستوي العنيف على الملك لير بالذات، والذي "يُظهر نتائج ممارسة نُكران الذات لأسباب أنانيَّة."

 

وصل أورويل لنقطة أكبر من الاختلافات الفلسفيَّة بين تولستوي وشكسبير، إذ يقول: "في النهاية، هو التصرُّف المسيحي الذي يصب على المصلحة الذاتيَّة والمُتعة، حيث أنَّه يهدف دائمًا للابتعاد عن الصراع المؤلم للحياة الدنيويَّة ويجد السلام الأبدي في نوع من الجنَّة أو النرفانا... فغالبًا ما يوجد هُدنة ظاهريَّة بين الإنسانيين والمؤمنين المُتدينين، ولكن في الحقيقة، لا يُمكن التوفيق بين نظرتيهما؛ يجب علينا أن نختار بين هذا العالم أو الذي يتبعه".

تولستوي وأورويل سيتفقان بلا شك على النقطة الأخيرة، ففي تحليل أورويل، جدال تولستوي ضد إنسانيَّة شكسبير تزيد حِدَّة التناقضات بين النظرتين، وبين إنسانيَّته السابقة وتديُّن سنواته اللاحقة الحماسي وإن كان تعيسًا.

 

 

المقال مترجم؛ لقراءة النص الأصلي اضغط هنا. 

 

اقرأ أيضًا: 

7 أفلام قد تقرّبك من عالم الكتّاب

وجيه غالي ورواية لم يتردد صداها

5 روايات عالمية تتجسد بحرفية سينمائية