ثقافة تويتر: حرية التعبير أو مسؤولية التعبير كما يراها الغذامي

 

 

جاء كتاب "ثقافة تويتر - حرية التعبير أو مسؤولية التعبير" للكاتب السعودي والناقد الدكتور عبدالله الغذامي، في 168 صفحة، وهو صادر عن المركز الثقافي العربي بطبعة أولى لعام 2016. ينحو الغذامي في هذا الكتاب إلى محاولة لاستقراء الخطاب الثقافي الساري بين مستخدمي تويتر، ممزوجةً بمحاولة لتحليل الظواهر المنتشرة عليه، بين المغردين العرب خاصّة. 

 

 

يوزّع الغذامي كتابه على ستة فصول تسبقها مقدّمة توضّح أسباب كتابة الكتاب، وشيئًا من نهجه. جاءت الفصول مرتبة على النحو الآتي: 1- وجوه تويتر / الحقيقة المافوق تفاعلية 2- صناعة المعاني وسؤال تويتر (المؤسسة المجازية) 3- المعنى الوسائلي 4- المكشوفة الكاشفة 5- تغريدات الرهط ونقدها 6- تويتر: البيان الثقافي. اقرأ أيضًا: "بوب موب عمي": تجربة في الحداثة السائلة.

 

 

 

قد تشي هذه العناوين بصعوبة في القراءة، إلّا أنّ القارئ سيجد، على العكس تمامًا، أنّ الكتاب سلسٌ وفيه ممّا يمتاز به تويتر من روح الخفّة والسرعة، فالفصول أغلبها مقسّم على مباحث كثيرة، جاءت معظمها قصيرة. اقرأ أيضًا: 3 مواقع عربية تقدم لك الكتب الصوتية.

 

 

يبدأ الغذامي كتابه، وينهيه، بالإشارة إلى الموقع بصيغة التأنيث، لصلة وثيقة –برأيه- بالثرثرة، وهو شيء تمتاز به النساء على الرجال، لكنّه شيءٌ محمود كما يشير الغذامي على عكس ما يحاول النسق الذكوري العربي أن يشير. فالثرثرة امتياز لا منقصة، وفيها إشارة إلى القدرة على الحديث والاستماع بكفاءة عاليتين في اللحظة عينها

 

"هناك مقولة ثقافية لغوية تشير إلى أن ظاهرة الثرثرة عند النساء هي ناتج عن مهارة ذهنية لا يمتلكها الرجل وتختص بها المرأة، وليس كما تميل الثقافة النسقية بجعلها عيبًا توصم به المرأة وتترفع عنه الفحولة، والميزة آتية من دراسات تشير إلى قدرة الذهن المؤنث على مهارتين لغويتين معًا وفي وقت واحد، وهما مهارة الإرسال والاستقبال مجتمعتين..." – ص55.

 

 

 

ومن وأهم مباحث الكتاب كذلك: الحرية في التعبير، ومسؤولية التعبير، إذ تعد الأخيرة الثمن الغالي المترتب على حرية التعبير، كما يظهر هذا في أغلب فصول الكتاب. في الفصل الثاني، يتحدث الغذامي عن مصانع الثقافة: الشعر، والصحافة، والشاشة الزرقاء، وكيف تعمل الحيلة المجازية في الشعر والصحافة ومؤخراً تويتر على تمرير القبحيات الثقافية واعتبارها جماليات لا قبحيات! اقرأ أيضًا: لماذا رفض ت. س. إليوت نشر رواية "مزرعة الحيوان" لأورويل؟

 

يمكننا هنا تتبّع منطق ما في ترتيب الفصول، خاصّة بعد أن صنّف الغذامي في فصله الأوّل بعض الشخصيّات، وما تمثله من مرجعيّات ثقافيّة (الطائر الثري، الشيخ والمريد، نهضة الرعاع، الشيخ المستقل، اللص الصغير، إلخ).

 

 

يشير الغذامي في الفصل الثاني أيضًا إلى الاستحياء الحقوقي. إذ يذكر أن الثقافة النسقية تحمل تضارباً بين قيمتين علويتين؛ هما: القيمة الحقوقية، وقيمة التسامح، حيث يُعتبر التقاضي عيب ويتعارض مع ما تدعو إليه الثقافة من المروءة والصبر والتسامح، في مقابل الإشادة بفحول الشعراء الهجّائين وتخليد عدوانهم وقبحياتهم بكل فخر. وهو عين التناقض! اقرأ أيضًا: غازي القصيبي ولغز يعقوب العريان.

 

كما ويشير إلى أن الموروث الثقافي على حاله دون أن يتعرض للنقد، بل يتم إظهار التسامح على أنه نقيض للحقوق الشخصية، حيث يُجعل التسامح قيمة اجتماعية، بينما التقاضي يحبس داخل القيمة الذاتية، ومن تسامح يتنازل عن حقه من أجل خاطر الحق الاجتماعي، وبهذا يتعطل التقاضي ويصبح التسامح وسيلة لإسقاط الحقوق وبالتالي تشيع التجاوزات ويصطنع لها الحيل لتنفذ بدون حساب. وهو برأي الكاتب يدل على مأزق ثقافي بسبب غياب الثقافة الحقوقية وذكر أمثلة على هذا الغياب لقضايا تنازل أصحابها عن حقهم القانوني من أجل خاطر المجتمع والمصلحين وتُرك المسيء فيها دون عقاب (يمكن الرجوع إلى القضية الشهيرة بين سلمان العودة وداود الشريان). اقرأ أيضًا: الدخول إلى زنزانة سلمان العودة.

 

يتحدث الكاتب في الفصل الثالث: عن الوسيلة والصورة وأنهما تتغلبان على الفكرة في صناعة المعاني والأحكام. ويقارن في هذا بين الصورة المكرّسة في ذهن الرجل الأبيض عن الرجل الأسود، حتّى بعد كلّ هذه السنين من محاربة العنصرية، وبين وجهٍ جديد مشابه، لكنّه يختلف من حيث هو صناعة لصورة نمطيّة/ تحقيريّة لشخصٍ ما عبر الوسم (الهاشتاق)

 

"وسيأتي زمن تويتر ليعزز هذا المفهوم ويكشفه على الفضاء المفتوح بإسهام متصل من كل حساب من حسابات تويتر، ويتولى الفرد المفرد دوره في صناعة صور يحاول ترسيخها، عبر لعبة الوسوم (الهاشتاقات)، وجاءت العبارة التهديدية: سأهشتقك، أي سأجعلك صورة للفرجة المفتوحة..." – ص108+109.

 

 

 

ويصف الكاتب تويتر، في الفصل الرابع، بالكاشفة المكشوفة في إشارة أن من يدخل تويتر كأنما يدخل بيتاً زجاجياً يظل فيه مكشوفاً بقدر ما يكشف غيره، وكيف أن القدسية الافتراضية للرموز تنكسر في تويتر لتتحول إلى واقعية بشرية تُظهر المرء مثلما هو بنواقصه كما بفضائله. اقرأ أيضًا: "شيء خطير جدًا سيحدث في هذه القرية"؛ قصة لم تنشر لماركيز.

 

 

ويشير، في الفصل الخامس، إلى مصطلح يطلق عليه الرهطوية وهي كتلة من المتابعين في تويتر عابرة للحسابات، تتمثل قولَ شخص ما وتعتبره قدوة عليا تتماهي معه، ويصبحون وقوده النفسي والعقلي ويختلفون تماماً عن المتابعين الذين يستقلون بآرائهم وخياراتهم، ولا تجد هذه الكتلة الرهطوية حرجاً في استخدام أي وسيلة من أجل السيطرة على المخالف وقمع النقد. اقرأ أيضًا: تعيسة ووجع الهوية في السودان.

 

 

يدلّل الغذامي على كلامه هذا من خلال عرضه لخطاب شخصيتين شهيرتين في فضاء تويتر، هما "أحمد بن راشد بن سعيد"، و"محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ". ليعود ويؤكد من بعد

 

 

"أن نقد الخطاب لا يعني نقد شخصين معينين، ولو صار الأمر بهذا الحصر لتقلص معنى النظرية النقدية إلى درجة التلاشي..." – ص116.

 

 

ويتناول الكاتب الفصل الأخير (تعريفه الشخصي) على تويتر بالتوضيح، وهو ما يصف المغرد به نفسه في أعلى صفحته ويكون عهداً عليه "إن كل قول نقوله في تويتر هو مسؤولية أخلاقية وقانونية، ذاتية واعتبارية. ولا يمكن أن نقول إن تويتر مساحة حرة لنا ونقف عند ذلك...". 
 

 

 

في الكتاب شواهد كثيرة، من حسابات مختلفة، ومواقف تتباين بين العام (استقراءات الغذامي من حسابات الآخرين)، والخاص (شواهد حصلت معه، كظهور الهاشتاغ المعادي له #الغذامي_يقيم_بن_سعيد_وال_الشيخ).

 

 

يجب الإشارة أخيرًا إلى ندرة مثل هذا النوع من التحليل الثقافي لمواقع التواصل الاجتماعي عربيًا، ومن هنا تحديدًا تنبع أهمّية هذا الكتاب، لكنّه يظلّ حبيس بيئته، إذ أنّ أغلب الأمثلة المطروحة تتناول الشأن الخليجي في أبعد الحدود، أو الشأن السعودي في الغالب الأعم، وهو ما يحدّ من إمكانيّة تطبيق ما ورد فيه على دولٍ يكثر استخدام الموقع فيها، كما تختلف طبيعة الثقافة فيها عن الثقافة الخليجيّة، كمصر مثلًا. 

 

 

اقرأ أيضًا: 

لماذا تتغيّب مشاهد الولادة عن الأدب؟

القراءة السريعة: كيف تضاعف سرعتك في القراءة؟

5 كُتّاب شباب يعدون بالكثير

جوهر الإنسان الخليفة في "القلم"