"جارية" لمنيرة سوار: جارية أم جوري؟

 

 

لـ"جارية" مجرىًّ قصصي مستقيم، تتقاطع فيه حبكات صغيرة ترفد السؤال المحوري الذي يشغل الشخصية الرئيسية للرواية: أيمكن لجارية قبول ذاتها، و إن لم يقبلها المجتمع؟

 

القصة التي ترويها جارية بنفسها هي قصة شابة في السابعة والعشرين من عمرها تشعر رغم افتتاح مشروعها الخاص و نجاحه بخواء لتعاظم شعورها بغياب الأب و تغييب ذكراه، سعيها وراء حبٍ ترغب فيه ولا يرغب فيها ورفضها لآخر يرغب فيها ولا ترغب فيه، وما هو أمرّ من هذا وذاك؛ استحالة انسلاخها عن بشرتها السوداء، واستبدالها بياضًا لا ينفك المجتمع يذكرها بأنه أكثر قبولاً و أكثر جمالاً.  

 

 

تتفرع عن قصة جارية قصة بحثها عن والدها لعلها تجد شيئًا من القبول البيولوجي في معرفة من أورثها عينيها العسليتين، وقصة غرامها بهيثم المزين اللبناني الذي تتمنى أن يقبلها على اختلافها، ونفورها من عُبيد الذي يحبها لأكثر من مجرد تشابههما، وقصة سعاد التي تسعى هي أيضاً إلى القبول والحب رغم تشوه وجهها بفعل حرق أصابها وهي صغيرة. 

 

 

الأسود في كل هذه التفرعات مرفوض. عائلة الأب ترفض الابنة ووالدتها لسواد بشرتهما، وهيثم لا يدرك هيام جارية به، لا لأنه يرى سوادها بل لأنه هو نفسه "مختلف" (ص.128)، وهي ترفض سواد ابن خالتها لأن "أسود+سوداء = أطفال سود" (ص.44).

 

 

العالم الذي تحاول جارية قسرًا تجميله بالأبيض ليس بحاجة إلى مزيد من السواد،  فالأسود مهما تظاهر المجتمع بالتحضر ونبذ التمييز بناءً على اللون والعرق- إذ لا تزال ألفاظٌ كـ"خال" و "عبدة" مزحاً مقبولاً رغم فجاجته- غير مرغوبٍ، مثلما التشوه على صدغ ورقبة سعاد، من الأجدر اخفاءه تحت إيشارب، أو توريته تحت مكياجٍ مبهر وملابس ثمينة.

 

تستغل الكاتبة عالم التجميل بذكاء فتقول جارية عنه أنه "العالم الذي نستطيع من خلاله رسم وجوهنا و ذواتنا من جديد"(ص.58)، ففي التجميل، وفي قدرة جارية وتمكنها منه، متنفسٌ للتمويه، والتشويه، ورضى مختلسٍ عن الذات، وقبول إجتماعي ولو لحين، فهي تعرف "كم تعمل تلك المستحضرات التجميلية التي نستعملها على تحسين، بل وتغيير وجوهنا" (ص. 34).

 

 

لكنها لا تستطيع إلى تغيير ما بداخلها سبيلاً، فتقول أن "معضلات الجميع تبدأ من الخارج. ليس عليهم إلا تقشير تلك القشرة الخارجيّة أو تلوينها ليتقبّلوا أنفسهم. وحدي من تبدأ معضلتها من الداخل. من الجينات التي قررت أن يكون جلدي أسود بحيث لا يجدي تلوين و لا تقشير!" (ص.124).

 

 

ولاستحالة تحقيق مرادها تشطر جارية اسمها وهويتها وعالمها إلى عالمين لا يلتقيان، فتفصلُ الجارية وواقعها الأسود عن الورد الجوري في صالونها الأبيض. تدرك جارية أن هذا لا يحل شيئًا فقد جمّلت "الجدران والأثاث باللون الأبيض، بينما لم يزل السواد يكسوني من الداخل" (ص.124)، فصراع القبول الذي تخوضه جارية يجب أن يحسم داخلها قبل أن تجده في المظاهر التي تحيط بها وحتى في الآخرين.

 

 

توظف الرواية أيضًا تقاطع الواقعي والرمزي؛ فتسرد جارية، في مستهل الرواية، قصة الببغاء بيبي التي يحبها جدها، ولكنه كما جرت عادة مربي الطيور يقص شيئًا من ريش جناحيها لئلا تطير. يشرك الجد جارية في  هذه العملية، فيتآكلها تأنيب الضمير وتضج برغبتها في إطلاق سراحها، وحين تفشل في ذلك وهي في السابعة من عمرها يخبرها جدها بأنه "يكفي أن يُقص ريشها مرّة لتصبح عاجزة عن الطيران، حتى لو نما ريشها من جديد!" (ص. 22)

 

 

تحنق جارية على الببغاء لرفضها الحرية وعدم انصياعها لرغبتها في تغيير اسمها من "جارية" إلى "جوري"، وكأن الببغاء تدرك أن شتّان بين الأسمين وتؤكد ما تشعر به من أن "بين جوري التي خلقتُها وجارية التي خلقها القدر تنفصم هويتي بين امرأتين" (ص. 79).

 

 

 

تدرك جارية أنها والببغاء تشاركتا الريش المقصوص والتأقلم على الحبس فتقول "لا زلت بعد عشرين عاماً خلت، مؤمنة بأن جرح بيبي لا يزال مفتوحاً، مثل جرحي تماماً!" (ص.159)، ولكن ما أن تتصل بها والدتها لتخبرها أن الببغاء قد طارت بعد عشرين عاماً من الحبس، تفتح جارية هي الأخرى قفصها وتنطلق نحو حريتها.

 

 

"جارية" هي الرواية الثالثة للكاتبة البحرينية منيرة سوار، و قد صدرت عن دار الآداب للنشر والتوزيع في طبعتها الأولى في 2014. حازت الرواية على جائزة كتارا  للرواية العربية – فئة الرواية المنشورة في العام 2015 . تقع أحداث الرواية في ثلاثة فصول ومائة وأربع و ثمانين صفحة من القطع المتوسط. سلامة اللغة وسهولتها، وعدم تكلف الحبكة، إلى جانب بساطة الشخصيات تجعلها من تلك الكتب التي يمكن للقارئ أن يغيب في عالمها ويخرج منه في سويعاتٍ قليلة.