جوستاف فلوبير كاتب الكُتّاب بامتياز؛ الكتابة عنه هي التحدي الحقيقي

 

 

 

"الكمال الحاد يقود حياة هادئة. ولكن كرجل عزّ نظيره فهو يعتبر ساحرًا".

-ميشيل وينوك.

 

 

واحدة من المفاتن وأوجه القصور بذات الوقت في كتب السيرة الذاتية؛ أنها تجعل المواقف مفرطة العادية تبدو مثيرة. وفقًا لميشيل وينوك، غوستاف فلوبير (1821-80) صاحب "مدام بوفاري"، و"التربية العاطفية" غلب عليه "نفور عميق ومبكر من البشرية". بالنسبة لغوستاف الطفل، الإنسان لم يكن إلّا تخثّر من "الطين والخراء... مسلحًا بغرائز أحقر من غرائز خنزير أو قملة".

 

 

لعلّ حدّته هذه كانت بفعل تأثير والده متفتّح الذهن، جراح الرّوان1 الشهير، أو لعلّها ليست سوى روح ذلك العصر. المغامرة النابليونيّة كانت قد انتهت؛ وشمس الرومانسيّة قد أفلت. كما يذكّرنا وينوك، مقتبسًا عن ألفرد دو موسيه من كتابه "اعترافات طفل القرن": "الشباب رأوا الأمواج ذات الزبد تنحسر بعيدًا عنهم، وأولئك المقاتلون المغطون بالزيت قد شعروا ببؤس لا يطاق".

 

 

الثانويّة الكئيبة التي التحق بها غوستاف في روان لم تكن لتغيّر شيئًا: "الحياة في مدرسة داخلية كانت قاسية؛ المباني بدائية تفتقر للدفء؛ النظافة ولّدت رغبة غير متحقّقة في أشياء كثيرة؛ الانضباط كان صارمًا؛ والتمردات الطلابية ليست أمرًا غريبًا".

 

 

عبقت المدارس في السير الذاتية بشكل شبه تام برائحة Dothboys Hall2. لقد درستُ في تلك المدرسة عام 1979-80 وقد وجدتها تمامًا كما وصفها وينوك.

 

 

التمرغ في الأوهام الضائعة كان أمرًا شائعًا في ذلك الوقت، كذلك لهجة الرطانة العلمية والبذاءات التي اعتاد فلوبير استخدامها طوال حياته: "أشعر أنّ أمواجًا من الكراهية تجاه غباء هذا الزمن تخنقني. الخراء يرتفع إلى فمي، كما لو أنّ لديّ فتقٌ مختنق (strangulated hernia)". السياسة تتركه باردًا، أو بالأحرى، حانقًا مع مسحة لا مبالاة:

 

"فكرة الوطن، أرض الأجداد – التزام المرء بأن يعيش على بقعة من الأرض ملونة باللون الأحمر أو الأزرق على الخريطة، وأن يبغض البقاع الأخرى الملوّنة بالأخضر أو الأسود – لطالما بدت لي هذه الفكرة ضيقة، قاصرة، وغبية بشدّة."

 

 

 

قرر فلوبير عام 1830، مثل عدد لا يحصى من المراهقين البرجوازيين، أن يُخرج الأفضل من عملٍ سيء، بأن يصبح كاتبًا: "دعونا نسمّم أنفسنا بالحبر، طالما أنّنا نفتقر إلى رحيق الآلهة". "ما يثير الدهشة هنا" يقول وينوك "ليس الموقف إنما قوة صموده." آخر أعمال فلوبير، وهو عملٌ غير مكتمل وغير قابل للاكتمال على الأرجح، هو "قاموس الأفكار النمطية" "Dictionnaire des idées reçues". لنستطيع الحكُم وفقًا لما نجا من الكتاب، فإنّه كان ليأخذ شكل دليل محادثة للحمقى: "الإنجليز: جميعهم أغنياء"، "الانتصاب: كلمة لا تُقال إلّا إشارة للنُّصُب الأثريّة". "فرنسا: بحاجة لقبضة من حديد حتّى تُحكَم". تَمثَّل أمل فلوبير في ألّا يجرؤ قراء "موسوعة الغباء البشري" على قول أي شيء ثانيةً في حال تلفظوا عن غير قصد بواحدة من الجمل الواردة فيه. كان يُمكن أن يُعنون الكتاب فرعيًا بـ "أيّها العالم، أغلق فمك".

 

 

"ما الدّاعي لكتابة سيرة ذاتية أخرى لفلوبير؟" هكذا استهل وينوك كتابه عن فلوبير. علاوة، ما الدّاعي لكتابة سيرة ذاتية لفلوبير في المطلق؟"، لقد أمضى فلوبير حياته تقريبًا في بيت صيفي فوق نهر السين، ممتعضًا من غباء الجنس البشري، ويكتب - وهذا يعني، ملءُ سلة المهملات بالورق، واستخلاص جملة واحدة عرضية من بين ما كتبه - لمدة 14 ساعة يوميًا. حين يرفع عينيه، يرى سواري سفن غير مرئية تعبر النهر، وفي إحدى المرات، سيرى مسلة الأقصر وهي في طريقها إلى باريس. هكذا كان حال تسعة أعشار لحظات صحو فلوبير - "ضخم، متين، غاول3 فاتن بشاربٍ كثّ، أنف يشي بالقوّة، وحاجبين يحتضنان عينا طائر بحريّ زرقاوين" - يغطّس قلمه في محبرةٍ على شكل ضفدع.

 

 

 

من حسن حظ كاتبي سيرته الذاتية، أنه سافر كثيرًا، لاسيما سفره إلى مصر. على غرار العديد من الفنانين الشباب في تلك الفترة، جرّب فلوبير اللواط. وأخبر صديقا له عقب زيارة لحمامات القاهرة: "لقد كانت مزحة، هذا كل شيء، ولكنني سأكرّرها ثانية". "كي تتم التجربة بشكل جيد، يجب أن تتكرر" (ورد في النص الفرنسي كلمة experience ولكن بشكل أوضح لتقارب الإنجليزية والفرنسية وجب أن تكون .experiment). أصيب فلوبير بالزهري أيضًا، كما حصل مع "الجميع حرفيًا"، وفقا لآخر أعماله "قاموس الأفكار النمطية" "Dictionnaire des idées reçues". مع ذلك، وكما يورد الراوي في رواية جوليان بارنز "ببغاء فلوبير – Flaubert’s Parrot" لقد كان له "سيرة جنسية نشطة ومليئة بالألوان". ترد بعض الأمثلة التفصيلية في رسائله إلى الشاعرة لويز كوليت؛ إلا أننا نكاد لا نعرف شيئا عن غراميّاته الطويلة أو صداقته مع المربية الإنجليزية، جولييت هربرت، التي ترجمت "مدام بوفاري" قبل أن تُنشر. (النص المترجم، الذي أسماه فلوبير بـ "التحفة"، قد اختفى).

 

 

 

 

(صفحة من مخطوطة كتاب "مدام بوفاري"
يكتب فلوبير مدة 14 ساعة في اليوم، يملأ سلة المهملات بالأوراق، ويستخلص جملة واحدة عرضية من بين ما كتبه.

أعلى يمين الصفحة: "ضخم، متين،  غاول فاتن بشاربٍ كثّ، أنف يشي بالقوّة، وعينا طائر بحريّ زرقاوين".)

 

 

 

 

لاحقًا، سيكون هناك عشاءات أدبية وأمسيات في بلاط نابليون الثالث والإمبراطورة أوجيني. ولكن في نهاية كل رحلة، هناك ما سيغلق باب الكاتب تاركًا كاتب السيرة يسير في درب حديقته ناظرًا بحزن إلى نافذة مكتبه. فقط لو أنّ فلوبير لم يمضِ وقتًا طويلًا وهو يكتب...

 

كتب وينوك هذه السيرة ليس لأن لديه شيئا جديدًا ليقوله، إنما كتبها كمؤرخ، يريد تصوير "حياة رجل عزّ نظيره". "إنها سيرة ذاتية كتبت من أجل المتعة". تكمن مشكلة تصوير فلوبير كرجلِ عصره في القدرة على لفته والقارئ معه إلى "ملل وهوان الوجود". بحلول نهاية السيرة، نجد أن وينوك قد أقصى بشكل منظم التفاصيل المؤلمة – نوبات صرع فلوبير، اقتراضه وخسارته للمال- مثل منفّذ إعدام بارع. الفصل 25: "اضطرابات الحزن". الفصل 26: "الخراب والفجيعة الماليّة". أخبرني الكاتب الإنجليزي الأخير لسيرة فلوبير، الأكاديمي الترحاب "جيفري وول" أنه اعتزم تجاهل الشهور الأخيرة من حياة فلوبير بشكل كامل قبل أن يتدخّل ناشره، معترضًا على ذلك الانتحار لسيرته، مصرًّا على أنّه "لا يمكن أن تكتب عن الحياة دون الموت!".

 

 

وفقًا لحساباته، أفرد وينوك مساحةً كبيرةً لرسائل فلوبير ورواياته، وهذا في الواقع يعد بمثابة النقطة الرئيسة التي تدور حولها أيّ سيرة لفلوبير. في ثلاثينات القرن التاسع عشر، شاع بين الشباب متقلّب المشاعر رغبتهم في أن يكبروا (أو أن لا يكبروا) ليصيروا كتابًا. عام 2015، أظهرت نتائج استطلاع أجرته "YouGov" أن 60% من الشعب البريطاني يرغبون في أن يكونوا كتّابًا. هؤلاء ال38 مليون شخصًا قد يجدوا نصيحة مفيدة ضمن مراسلات فلوبير. عِش مثل برجوازي وفكر مثل نصف إله. اتلُ أحكامك بأعلى صوتك كي تختبر تجانسها وإيقاعها. لتنقل وميض الإثارة الجنسيّة إلى المشاهد الرومانسية، عليك أولا أن تكتب نسخة إباحية وقحة ثم قم بتنقيحها. هذه العمليّة، الأقرب إلى حرق البراندي قبالة حلوى عيد الميلاد، يبدو أنّها أفلحت مع "مدام بوفاري": قُوضِيَ كاتبها لفُحشها، ثمّ تمّت تبرئته. لاحظ المدّعي العام غياب أيّ شيءٍ" يشفّ أو يحجب" في أوصاف فلوبير "الفاسقة"؛ من المؤكّد أنّه لاقى صعوبة في وضع إصبعه على أيّ فجورٍ واضح.

 

 

 

 غالبا ما تمّ وصف فلوبير بكاتب الكُتّاب؛ ولكن طلاب الكتابة الإبداعية حُذِّروا من أنه لم يكن راغبًا في أن يكون كاتبًا عن الكُتَّاب. وهذه السيرة الذاتية تعطي حسا جيّدًا من تركيبة بؤس لا تكلّ: "ألِحّ في الانتقاد، انغمس أكثر، قلّب المسألة مرارًا وتكرارًا، فتّش في الداخل". لم يُشر فلوبير هنا، إلى كتاب برمّته، بل إلى جملة واحدة فيه. خلال أكثر من أربع ظهيرات وأمسيات، استمع أصدقاء فلوبير إليه في إنصات تام وهو يردد ما كتبه في "إغراء القديس أنطوني"، والذي استغرقت كتابته ثلاثة سنوات، وفيما بعد أخبروه أنّ عليه إمّا إعادة كتابته كاملًا أو أن يلقيه في النيران. ربما لم يكن هذا ما تسمّيه شلل الكتّاب بـ "الدعم المتبادل" ولكنّها كانت لفتةً طيبة مثيرة للإعجاب. النسخة النهائية، والتي نشرت بعد 25 عامًا؛ قد تحسنت كثيرًا. عندما نشر كتابه الأول، مدام بوفاري، وظهوره أخيرًا في عام 1857، شعر بالإحراج والمهانة عند رؤية نفسه في المطبعة:

 

 

"لقد لاحظت فقط الأخطاء المطبعية، ثلاثة أو أربعة تكرارات... صفحة واحدة يكثر فيها الاسم الموصول "الّذي". أما الباقي، كان سوادًا، لا شيء أكثر".

 

 

 

تتكون السيرة الذاتية حتمًا وبالكامل من التفاصيل الهامة. روايات فلوبير – سواء كانت تدور حول الزنا في الأقاليم أو عن هلاوس قديس من القرن الثالث في صحراء نَتِريان – تستحقّ أن نتذكّرها بسبب ما أسماه رولان بارت ب "تفاصيل عقيمة - futile details": الذباب يطن في أكواب عصير التفاح الفارغة في مطبخ المزرعة، صوت أفرع الشجر تحفّ بسقف عربة، كلب ينبح في البعيد. ومن بين جميع الأمور التافهة المستفزة في عالم يحكمه الحمقى، تبرزُ ألغاز جميلة، لا معنى لها، ينبثق منها ببطء أحكام مؤلمة ومثالية قابلة للاكتشاف.

 

 

 

بطاقة تعريف بالكاتب: كتب غراهام روب سيرًا ذاتيّة لكلٍّ من بالزالك، هيغو، ورامبو، أيضًا له كتاب بعنوان "اكتشاف فرنسا والباريسيّين: تاريخ مغامرة باريس".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

(1): الروان: ميناء على نهر السّين يقع شمال غرب فرنسا.

(2): مدرسة داخليّة وردت في رواية "Nicholas Nickleby" لتشارلز ديكنز، وهي مدرسة لا عُطَل فيها، ويُمنع التلاميذ الذين يعتدى عليهم أو يستخف بهم من قبل مدير المدرسة مستر واكفورد سكويرز من زيارة منازلهم فيها.

(3): تقسيم قديم لأوروبا كان يشمل فرنسا حاليًا، بلجيكا، جنوب هولندا، جنوب غرب المانيا، وشمال إيطاليا. المنطقة الواقعة جنوبيّ الألب تمّ غزوها 222 قبل الميلاد من قبل الرومان، وأُطلق عليها سيسالباين غاول (Cisalpine Gaule). المنطقة شماليّ الألب، عُرفت بترانزلباين غاول (Transalpine Gaul)، وتمّ غزوها من قبل يوليوس قيصر بين 58 و51 قبل الميلاد.

 

 

 

المقال مترجم؛ لقراءة النصّ الأصلي اضغط هنا.