حروب الظّل؛ عندما تُكشف الأسرار من الداخل

 

 

تبدو عبارة "حائز جائزة بوليتزر" على غلاف أي كتاب مغرية للقارئ المهتم بشؤون الصحافة. فرغم اقتصار الترشح لنيل تلك الجائزة على المواطنين الأمريكيين فحسب، ورغم أنها تُمنح لمجالات أخرى أيضاً كالآداب والموسيقى، تظل "البوليتزر" في عُرف النقاد، هي الجائزة الأرفع في عالم الصحافة.

 

في عام 2009، حصل فريق مراسلي جريدة النيويورك تايمز، على جائزة بوليتزر في مجال أفضل تقرير في الشؤون الدولية. تكوّن هذا الفريق من ثلاثة أشخاص، رجلين وسيدة، وكان "مارك مازيتي" أحد أعضاء هذا الفريق.

 

 

 

في عام 2012، قابل مارك مازيتي الوكيلَ الأدبي سكوت مويرز، الذي "حثه على النظر بعمق أكبر، في الموضوعات التي يكتب عنها في النيويورك تايمز". ومن هنا، وُلدت في رأسه فكرة تأليف كتاب، يكشف فيه الكثير من الأسرار حول عمل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، السي آي إيه، في الكثير من الدول. ويذكر مازيتي أن كتابه نتاج مئات المقابلات في الولايات المتحدة وفي الخارج، مع عسكريين وضباط مخابرات سابقين وحاليين. اقرأ أيضًا: كيف تقاطعت القراءة مع الأكل عبر التاريخ؟

 

 

بعد 15 شهراً من العمل الدؤوب، وفي التاسع من نيسان 2013، صدر كتاب مازيتي عن دار بينجوين الأمريكية. وفي عام 2015، صدرت النسخة العربية منه عن شركة المطبوعات للنشر والتوزيع، من ترجمة أنطوان باسيل، تحت عنوان "حروب الظل". ويقع الكتاب في 338 صفحة، وهو مقسم إلى ستة عشر فصلاً.

 

يبتدئ مازيتي كتابه بذكر قصة بناء سجن غوانتانامو. القصة ورد ذكرها في كتاب ألفه "خوسيه رودريغيز"، الذي كان في السابق واحداً من كبار ضباط المركز الأمريكي لمكافحة الإرهاب. حيث يذكر رودريغيز في كتابه أنه هو صاحب فكرة بناء سجن في القاعدة الأمريكية في كوبا، لوضع مقاتلي طالبان الذين تقبض عليهم القوات الأمريكية فيه، حيث سيكون هذا السجن خارج نطاق سلطة المحاكم الأميركية.

 

 

في الفصل الأول أيضاً، يخبرنا مازيتي تفاصيل مثيرة عن قصة اعتقال الملا "خير الله خيرخوا"، أحد قادة طالبان أو وزير داخليتها. ففي شباط 2002، حاولت قوات الكوماندوز الأمريكية اعتقاله في أفغانستان، لكنه تمكن من الفرار إلى باكستان. هناك، جرت محاولات لإقناعه أن يستسلم ويصبح مخبراً للسي آي إيه، وعندما رفضها، طوقت قوات الأمن الباكستانية المنزل الذي يختبئ فيه، وسلمته إلى ضباط السي آي إيه. "وشرع الملا خيرخوا في رحلته الطويلة إلى خليج غوانتانامو في كوبا ليصبح واحداً من أول نزلاء الجزيرة". اقرأ أيضًا: ميتتان لرجل واحد؛ الرجل الذي رفض ميتة القبر.

 

 

يُفرد الكاتب فصلين من كتابه، الخامس والثاني عشر، للحديث عن اليمن وملاحقة سي آي إيه لعناصر القاعدة فيه. حيث يكشف تفاصيل اغتيال "سنان الحارثي"، وهو العقل المدبر لتفجير المدمّرة الأميركية "كول" في العام 2000. تحدث أيضاً عن "إبراهيم العسيري"، حيث أطلق عليه لقب "سيد صناعة القنابل في اليمن"، ووصفه بأنه "صاحب موهبة مشؤومة في العثور على وسائل إبداعية لإخفاء المتفجرات".

 

 

في الفصل السادس والذي حمل عنوان "بشتوني حقيقي"، يأخذنا مازيتي إلى باكستان ليقدم شرحاً واضحاً وتفصيلياً عن الأوضاع هناك. يخبرنا أيضاً تفاصيل عن حياة نِك محمد وزير، أحد قادة طالبان باكستان، حتى يوم 18 حزيران 2004، حيث تم اغتياله بواسطة طائرة بلا طيار. يصف لنا قبره المبني من الطين، الذي أصبح محجّاً، وكُتب شاهد على القبر جاء فيه: "عاش ومات بشتونياً حقيقياً".

 

 

في الفصل السابع، يكشف مازيتي فضائح السي آي إيه المتعلقة بالتعذيب، ويسخر من التناقض بين البيانات التي يصدرها البيت الأبيض، والتي يدعي فيها أن الولايات المتحدة "ملتزمة بإلغاء التعذيب على مستوى العالم"، وبين الواقع.

 

 

يروي مازيتي قصة محنة عنصري القاعدة، أبو زبيدة وعبد الرحيم الناشري، حيث أن تعذيبهما مؤرخ بالدقيقة على تسجيلات فيديو تظهر فيها وجوه الضباط السريين بوضوح.

 

أيضاً يُفرد مازيتي فصلين من كتابه، الثامن والثالث عشر، للحديث عن الصومال وعمل السي آي إيه فيها. حيث يروي بالتفصيل قصة حياة ميشيل بالارين. وتأتي اعترافاتها في مقابلة أجراها المؤلف بنفسه معها، حيث اعترفت أن برنامجها للمساعدة الغذائية الإنسانية كان غطاء لجمع الاستخبارات. واستطاعت الحصول على تمويل من البنتاغون بقيمة 200 ألف دولار مع تعهد بالمزيد في حال أثبت البرنامج فاعليته. اقرأ أيضًا: رؤية مارون عبود للأدب والأديب والكتابة الأدبية.

 

 

في كتابه يروي مارك مازيتي أيضاً قصة آرثر كيلر، وهو جاسوس أميركي، أُرسل أولاً إلى العراق عام 2003 للقيام بمهمتين وجيزتين، ومن ثم إلى باكستان. وساعدت المعلومات التي قدمها إلى سي آي إيه على اغتيال كل من "أبو خباب المصري" و "خالد حبيب". وتأتي هذه القصة من مقابلة أجراها المؤلف بنفسه معه، بعد أن عاد إلى الولايات المتحدة واعتزل العمل في الـ"سي آي إيه".

 

 

ومن ضمن المفاجآت التي يحتويها الكتاب، يُفرد الكاتب فصلاً يروي فيه قصة التعاون بين البنتاغون وشركة يوتيرن ميديا في عام 2007، لتطوير ألعاب للهواتف النقالة يُراد منها التأثير في الرأي العام في العالم الإسلامي. ويقول الكاتب ص197: "صُممت لعبة البطل العراقي بطريقة يمكن معها تعديلها بسهولة للتوافق مع أي عدد من البلدان في العالم الإسلامي. ولا تحتاج رسمات اللعبة، التي تصور الشوارع المحاطة بالمساجد وأشجار النخيل، إلى تعديل كبير، وحده الحوار سيتغير".

 

 

في فصل بعنوان "الطبيب والشيخ"، يعيد مازيتي سرد القصة المعروفة عن اغتيال أسامة بن لادن والجراح الباكستاني شاكيل أفريدي الذي وشى به. لكن الجديد في هذا الفصل هو ما يكشفه مازيتي من صراعات داخل الحكومة الأمريكية، بين السفير الأميركي ومدير سي آي إيه في باكستان. ويصف مازيتي النزاعات ص299:

 

"شرع كبار مستشاري الرئيس أوباما بعد شهر على قتل بن لادن يتحاربون علناً في اجتماع مجلس الأمن القومي حول من يتولى المسؤولية فعلاً في باكستان".

 

 

أما مصادره فتأتي من مقابلة أجراها مع اثنين من المسؤولين الحكوميين الأميركيين.

 

 

ينهي مازيتي كتابه بفصل يتحدث فيه عن قصة اغتيال المواطنين الأميركيين أنور العولقي وسمير خان بواسطة طائرة بدون طيار في اليمن، وحادثة اغتيال عبد الرحمن ابن السادسة عشرة، وهو ابن أنور العولقي، حيث استنكرت جريدة النيويورك تايمز جريمة قتل مواطنين أميركيين عن سبق إصرار وترصد ودون محاكمة. ويتعمق مازيتي في الجدل الذي دار في الولايات المتحدة، ويسرد تفاصيل القضية التي رفعها الاتحاد الأميركي للحريات المدنية إلى المحكمة الفيدرالية في واشنطن، ضد سي آي إيه.

 

 

اقرأ أيضًا: 

8 كتب على كل شخص ذكي أن يقرأها

أولاد الغيتو؛ حكاية في مجابهة النسيان

50 اقتباسًا ملهمًا عن القراءة

9 أغلفة مميزة لأعمال أدبية