"حكاية مملة"؛ حكاية تشيخوف التي نستمرّ بالعيش داخلها

 

تكتسب الحكايات الملل عندما تتكرر أحداثها مرة تلو الأخرى، ونحن نقف متفرجين، فتستمر في تكرارها ساخرة منا.

 

 

"حكاية مملة" رواية صغير لا تتخطى 70 صفحة، كتبها الأديب الروسي أنطون تشيخوف، منذ قرابة قرنين من الزمان وما زالت تتكرر إلى يومنا هذا، تروي الوجه الحقيقي للحياة؛ الحياة المترفة الظاهرة للناس والبؤس الداخلي الذي لا يتجلى إلا لأصحابه. إنها حكاية المظاهر الكاذبة والابتسامات المزيفة.

 

 

تروي الحكاية على لسان الدكتور الجامعي نيكولاي ستيبانفتش الذي تخطى الستين من عمره، ليبدأ في إعادة نظرته للحياة، ينظر لنفسه ليجد أن مرضه اشتد؛ أصبح هزيل ولا يعتقد أنه سيعيش أكثر من نصف عام آخر، فمن ينتظر الموت تضجر روحه ولا يشعر بقيمة أي إنجاز في حياته مهما كان كبيرًا، لذلك رغم ما وصل إليه الدكتور نيكولاي من مجد وشهرة تخطت روسيا إلى أوروبا، إلا أنه رأى أنه عاش مهزومًا وسيموت مهزومًا، فهو لم يصل لشيء، ولذلك كان يفكر باستمرار في شطب حياته السابقة ومع ذلك لم يترك عمله في الجامعة رغم الصعوبة التي أصبح يواجهها في شرح محاضراته، فيخبره ضميره أن عليه ترك منصبه ليأخذه شاب طموح، لكنه يصر على البقاء رغم ما يشاهده من تثاءب وشرود الطلاب في محاضراته لشعورهم بالملل. ينظر إلى العلم وأهميته فيجد أنه تحول إلى لقب ومكانة اجتماعية يسعى إليها طلاب الدراسات العليا وليس رغبة منهم في العلم والمعرفة.

 

 

يجلس مع أسرته فيزداد شعور بالغربة، ينظر لزوجته ويتسائل باستنكار هل هذه الزوجة التي أحببتها يوما؟ من أحببتها كانت رشيقة بسيطة ذكية أما ما أراه الآن؛ زوجة مترهلة تغيّر أصناف الطعام تبعًا للمكانة الاجتماعية التي يحصل عليها زوجها وتحرمه من الأطباق البسيطة التي يحب تناولها، إنها تمثل دور امرأة رفيعة المستوى أمام صديق ابنتها، من أجل أن تؤمن زوج جيد لها وتهتم كثيرًا بالعادات والتقاليد وكلام الناس، لا تلقي بالًا لدخل زوجها الذي لا يكفي لسداد راتب الخادم، المهم أن تعيش بطريقة تناسب مكانته الاجتماعية، ينظر لكل هذا ويشعر بالحزن، إذا كانت زوجته لا تبالي، فلتنصفه ابنته التي طالما دللها، لكنّها لم تفكر وهي تراه لا ينام ويفكر في تدبير المال اللازم للبيت ودينه للخادم في أن تقدم جزءًا من مجوهراتها، لم يكن ليأخذها، لكنه كان يحتاج هذا الشعور.

 

 

 

لينتقل لكاتيا ابنة صديقه الذي أوصاه أن يعتني بها بعد وفاته، طفلة مليئة بالبراءة والصبا والطموح، لكن تجارب الحياة التي مرت بها، جعلتها تبدو وكأنها "خدعت  بلا رحمة"، لتكبر ويتحول الوجه البرئ المليء بالشغف إلى وجه بارد لا مبالٍ.

 

 

 

كانت دومًا تسأل نيكولاي عما يجب أن تفعله وعن الهدف من هذه الحياة، وكان أستاذها دومًا عاجز عن الإجابة، وعندما يجيب فإن إجابته لا تقنعها، إلى أن اعترف لها يوما أنه لا يعرف!

كما لم ينس أكثر الحكايات مللًا، وهي حكايات النساء وكيف تستطيع كل واحدة منهنّ أن تعدد عيوب غيرها، وتطرق أيضًا إلى الاحترام الزائد بين الرجال الذي يخفى بعض الكره والضيق.

 

 

ليسأل نفسه بعد إعادة نظره "هل أصبح العالم سيئًا وأنا أفضل، أم أنني كنت سابقًا أعمى وغير مبال؟"

 

 

وأنا أتساءل؛ هل نحتاج أن نكون على مشارف الموت لنعيد النظر في حياتنا؟ لماذا نتأخر كثيرًا في رؤية المسار الصحيح الذي نريده؟

 

 

إنها حكاية قصيرة بمضمون كبير؛ حكاية مملة نستمر بالعيش داخلها.