"خربة خزعة"؛ نافذة أدبية على مأساة الفلسطينيين

 

 

يقول الأديب الفلسطيني غسان كنفاني في كتابه في الأدب الصهيوني: "إن الرواية الصهيونية لا تُضخم الحقائق وتنفخها بالمبالغة ولكنها تخترعها أيضًا"، إلا أن رواية "خربة خزعة" هي الوثيقة الأدبية التي تُدين الجرائم التي اقترفها الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني. 

 

 

لقد أثارت هذه القصة عند صدورها في عام 1949 ضجة غير عادية في الأوساط الصهيونية، التي رأت فيها خطر انقلاب على الوعي الصهيوني العام الذي يدعي الحق على أرض فلسطين، ويؤسس الدولة بأيدٍ نظيفة، لأن هذه القصة تُظهر الوجه الآخر لهذا التأسيس، وهو: تهجير شعبٍ بأيدٍ قذرة.

 

 

تستند هذه القصة إلى وقائع شارك فيها الكاتب يزهار سميلانسكي[1]، عندما كان ضابطًا في استخبارات فرقة الجيش المكلفة بمهاجمة مجموعة من القُرى الفلسطينية الواقعة بين المجدل وبيت حانون، والقيام بعمليات "تطهير" شاملة لهذه القرى: حمامة، الجورة، خربة الخصاص، نعلية، الجية، بربرة، هربيا ودير سنيد، هذه الفرقة كانت تابعة للوحدتين 151 و152.

 

 

يقول الكاتب في لقاء صحفي نُشر في 8/2/1978 في صحيفة "معاريف": لقد زُودت هذه الوحدات قبل خروجها بأمر قتالي واضح وصريح، يحمل توقيع النقيب يهودا بئيري المعروف ببرلينسكي، ضابط العمليات في أركان قطاع الساحل، وكان الأمر يقتضي قتل كل من يُشتبه به من الأهالي، وطرد من تبقى من قراهم، ومنعهم من الرجوع إليها؛ بهدمها وحرق بيوتها، وقد أُوكلت هذه المهمة لسلاح الهندسة الصهيوني.

 

 

عندما سُئل الكاتب أي القرى هي المعنية بهذه القصة، رفض الإجابة وقال: ليس لذلك أهمية؛ لأن خربة خزعة هي قصة وليست تحقيقًا صحفيًا. 

 

 

إنها قصة رمزية لكل هذه القرى والكثير من القرى الفلسطينية، التي شاهد الكاتب  ما حلَّ بها، وهذا ما دعاه على الأغلب لعنونتها باسم قرية خارج خط الاحتلال الأول، وهي قرية (خربة اخزاعة) الواقعة إلى الجنوب الشرقي من مدينة خان يونس في قطاع غزة، فالأدب يقول ما لا يستطيع الإعلام و السياسة قوله؛ فقد أعلنت القصة فضحية "الشرعية" الجُهنمية المشروطة بنفي الآخرين.

 

 

بعد ثلاثين سنة من نشر الرواية ثارت الضجة من جديد على كل المستويات، حين أقدم التلفزيون الإسرائيلي على تحويل القصة إلى حلقات تلفزيونية.

 

يعلق الكاتب في مقابلته مع صحيفة "معاريف" على اسم الرواية: "ليس لتلك الحقائق ارتباط بالقصة، ولكن الوقائع حقيقية، لقد كنت شاهد عيان لما حدث في القرى العربية التي لم يعد لها وجود الآن، وما رأيته سبب لي صدمة، هذه ردة فعل كاتب، وهكذا كتبت القصة."

 

 

لكن جاءت مقابلة "يهودا بئيري" مع الصحفية ذاتها بتاريخ 17/2/1978، ملحق ص8، والتي أجراها الصحفي "جيل قساري" في مسكنه الفخم المشرف على خليج حيفا: "لا يوجد أدنى شك أنَّ "خربة خزعة" هي "خربة الخصاص" نفسها، أو إحدى القرى التي شملتها تلك العملية التي وقعت على أمرها بنفسي ...وبالمناسبة، لا فائدة من البحث عن بقايا هذه القرى اليوم، لأنها كعشرات القرى العربية الأخرى في تلك المنطقة، وفي كل أرجاء البلاد، لم يعد لها وجود، وأشك فيما إذا تبقى لها أي ذكر."

 

 

كتبت صحيفة معاريف تعليقًا على الرواية: "إنَّ هذه القصة تُشكل شهادة دامغة على السلب والنهب والحرق والتدمير والتهجير الجماعي الذي مارسته المنظمات الصهيونية ضد العرب الفلسطينيين، وقراهم التي دُمرت لتسهيل الاستيطان اليهودي على أنقاضها".

 

أما المترجم "توفيق فياض" يقول في مقدمة الترجمة:

 

 

"نحن لا نخفي إن نَشْرَنا الترجمة العربية لهذه القصة لا تحركه دوافع التعرف المجاني على الأدب العبري، بقدر ما نفهم أن علاقتنا به هي علاقة صراع، ولذلك نعامل النص كوثيقة إدانة، دون أن تجرفنا القوة الكامنة في الأدب، والقادرة على استدرار الدموع من عيون القتلة."

 

 

 

لقد قدمت رواية "خربة خزعة" بلغتها التي تناسب الحاضر صورة اليهودي الجديد دون أثقال أيدولوجية، يهودي يصنع نفسه وأخطاءه دون عقدة الذنب كما يقول الأديب اللبناني " إلياس خوري" ، وهو ما نجده فعلًا في الرواية:

 

 

قال غابي ( مجند إسرائيلي) : وهؤلاء يهربون ولا يحاولون حتى القتال.

أجاب عامل اللاسلكي قائلاً: دعنا من هؤلاء الأعراب، إنهم ليسو رجالاً.

قال موشي: يهربون…إنهم يهربون….إنهم يهربون

 

 

في موقف آخر يعرض لنا صورة الحقد على الأطفال وإزالة صفة البراءة، وكيف اعتبرتهم وحدات الجيش مجرد "أفاعٍ سامة" يقول يزهار في الرواية:

 

 

رأينا حينئذ امرأة بين ثلاث أو أربع نساء أخريات، كانت تمسك بيد طفل يقارب السابعة من العمر. الدموع تنهمر على وجنتيها والطفل ينشج بما يشبه "ماذا فعلتم بنا."

وفي خلد الطفل رأينا كذلك ذلك الشيء الذي كان يدور والذي لا يمكن أن يكون حين يكبر إلا حية سامة.

 

 

 

 

 

[1] سميلانسكي يزهار: ولـد فـي رحوفـوت عـام 1916 وأنهـى دراسـته الثانويـة فيهـا أصـبح فـي مطلـع السـتينيات عضـوا فـي الكنيسـت عــن حــزب مبــاي. وقبــل ذلــك عمــل ضــابط اســتخبارات المنطقــة الوسطى خلال حرب عام 1948 .له العديد من المؤلفـات الأدبيـة فــي مجــال الروايــة والقصــة القصــيرة مثــل قصــة "قافلــة منتصــف الليــل" وقصـــة "خربـــة خزعـــة". تخبطـــات الفـــرد وعلاقتـــه بـــالمحيط الذي يعيش فيه هي من المواضيع الرئيسية في أعماله الأدبية.