راي برادبري؛ حين يدق ناقوس الكتابة فلا مفر

 

 

 

تعرفت على راي برادبري في لقاءات عدة جمعتنا بين صفحات كتابه "الزن في فن الكتابة"، عرفني منذ أن وقعت عيني على سطوره الأولى؛ لاجئة يحملها قارب خشبي متهالك إلى المجهول في ليالٍ لا شمس لها، أخبرني أن الهرب من الصوت المدوي في عالمي عبث بلا فائدة؛ فليس هناك نهاية للرغبة المتراقصة أمامك والكل نيام، تخايلك حتى تعزف لها من كلماتك، تكتب عن ذاتك، وتصف نداهة خواطرك، عندها لا مفر من قلم وورقة، ورفقة الكلمات التي لن تغادرك.

 

 

ماذا تعلّمنا الكتابة؟

"تذكرنا بأننا أحياء وأن الحياة هدية وامتياز، وليست حقًا. يجب علينا أن نستحق الحياة، بمجرد أن نحصل عليها".

فسألته: وإن امتنعت عنها.

فأجاب برادبري ساخرًا: "عدم الكتابة، بالنسبة لكثيرين منا يعنى الموت".

ثم استطرد:

"تذكر عازف البيانو الذي قال أنه إذا لم يتدرب يومًا، فسيعرف هو ذلك، وإذا لم يتدرب ليومين، سيعرف النقاد ذلك، وبعد ثلاثة أيام، سيعرف الجمهور ذلك. الأمر نفسه ينطبق على الكتابة. ولا يعني هذا أن أسلوبك سوف يتبدد خلال أيام، ولكن ما سيحدث هو أن العالم سيصطادك، ويحاول أن يصيبك بالمرض. إذا لم تكتب كل يوم، ستتكدس فيك السموم وتبدأ بالموت، أو التصرف بجنون، أو كلاهما. يجب أن تبقى ثملاً بالكتابة حتى لا يدمرك الواقع".

 

 

 

وحقيقةٌ ما قال؛ فإن لم أكتب يسري الوهن في روحي وأبدأ بالهذيان، وإن كتبت أنتشل نفسي من ظلمة حالكة، تخيف أشجع الأبطال.

 

 

مع شرودي قال راي بصوت يغمره الحماس:

"كل صباح أقفز خارج السرير، وأخطو على أرض مليئة بالألغام، هذه الأرض هي أنا. بعد الانفجار، أقضي بقية اليوم في إعادة وضع القطع مع بعضها البعض.

إنه دورك الآن، اقفز!.".

 

 

 

ابتسمت لتلك الروح التي تهدم اليأس داخلي بمعولها، ولاحظ أنني لا أملك عزيمته فأخذ يرسم الدافع، المحرك الذي يجعل القلم الساكن يعمل بكل قواه:

 

 

"أوصي الكاتب فقط بأن يحرص على لذته، وأن يهتمّ بمتعته. فكّر بأسماء كتابك المفضلين، وستجد أنك تفكر في صنوف من اللذة والشهوة والجوع. لقد عرف جميعهم متعة الخلق. لقد عرفوا المتعة في عملهم .

كل واحد منهم قبض على شيء من زئبق الحياة، جمّده لبعض الوقت ثم أعاده في وهج إبداعه.

إذا كنت تكتب بلا لذة، بلا متعة، بلا حب، بلا لهو، فأنت نصف كاتب فقط.

أول ما ينبغي للكاتب أن يكونه هو أن يكون متشوقًا. يجب أن يكون شيئًا مصنوعًا من النشاط والحمى".

 

 

 

 

أنصتُ له، وكأنني أرى ألوان الطيف تجري حافية في المرج الشاسع وهدير الماء مع النسمات يعلو، لذة ومتعة. وأعجبه ما بادر خيالي فألقى المزيد من الحطب في مدفأتي :

 

 

"متى كانت آخر مرة كتبت فيها قصة قصيرة، حيث حبك الحقيقي وكراهيتك الحقيقية خرجتا بطريقة ما إلى الورق؟ ومتى كانت آخر مرة تجرأت فيها على إطلاق تحيزاتك العزيزة حيث تضرب الصفحة مثل سهم من برق. ما هي أفضل و أسوأ الأشياء في حياتك، ومتى ستتجرأ على الهمس بها أو الصراخ؟."

 

 

 

أسئلة عديدة رمقتني بنظرات تؤنبني، تتحدى كائن ما يسكنني أن يخرج ويبارزها، يقول ها أنا ذا أتجرأ وأكتب.

وأنت؛ هل تتوق لبدء مغامرتك؟ لاستكشاف ذاتك بالكتابة، هل تجرؤ؟