ربّ إنّي وضعتها أنثى؛ رحلةٌ إلى فلسطين

 

 

"الغربة صباحها وحشة بلا رائحة قهوة، وليلها رسائل مقروءة، وقُبل منتظرة، وخطايا مُخبأة وضفائر مقصوصة، أنفاسٌ مرتعشة، عتاب، آهات، نصفها جنون، وجنونها عقل"
 

 

هكذا وصفت نردين أبو نبعة الغربة في ثنايا صفحات روايتها، تلك الغربة التي تمتص كل مابقي فيك من وهج النور والأمل، لتُلقي بك في غياهب الوحدة والبُعد والتهجير، في حكاية مريم، وجدتني، رأيتني، لامستُ جروحي التي تفتقت عن قلبي وعن صدري، طبطبتُ عليها بعد مواجهتي لها لأول مرةٍ منذ ستة أعوام ، ستةُ مضت من عمري لم أزر فيها مدينتي ولم أطأ تراب موطني.
في حكاية مريم، علمتُ أن الأنثى هي صانعة الرجال، صانعة الثورات؛ فكل أولئك الرجال قد خرجوا من أصلابهن، كانت عقيدتهم حب الوطن، عشقهم الشهادة ونور عيونهم قضيةٌ دافعوا عنها بملئ الرضا والحب واليقين. اقرأ أيضًا: إرث ملعون: فريدريك سبوتس عن كلاوس مان.

 

 

أن تؤمن بقضيتك ووطنك، أن تتحد معها اتحاد الروح بالروح، اتحاد الدم بالتراب، أن تسهر لأجلها وتهدهدها، وتبايعها على ألا تشرك معها أي قضية أو حب، أن تؤرق مضجعك، أن تدثرها وتطمئنها بأنك على العهد والوعد باقٍ لن تحنث وإن خرجت تلك الروح مودعةً جسدك حال خوفها من فقدك، أمور تجعلك تشعر بإنسانيتك واستخلافك، أنك في هذا الكون أكبر من مجرد تابوتٍ يتحرك، أن تعي أنك حيّ وحيّ وحيّ.
الحرية ليست في العالم الذي نحيا به إن لم نعي معانيها؛ ما معنى أن تكون حرًا وجسدك مستعبد؟ ما معنى الحرية إن أنت قصصت جناحي روحك ومنعتها من التحليق إلى ما بعد الكون؟ ما فائدة الحرية إن أنت هجرتها وقطعت وصالك بها وكنت عبدًا لذاتك وجسدك وأهوائك وشهواتك؟ اقرأ أيضًا: كيف تختار كتابك القادم؟

 

 

أحيانًا تكون الحرية في السجن، في المعتقل، في الزنازين المنتنة القذرة، يمكن أن تعلمك الصراصير والفئران في الزنزانة أكثر مما قد يعلمك إياه بشري.

 

 

من عاش شعور معتقل؟ من خَبُر أوابد السجن والسجانين؟ من أحس الألم والجمر المشتعل في صدره، من احمرت عيناه وانتفخت شوقا لقبلة أم، ابتسامة زوجة، وعبثية وبراءة ابن؟ من يستطيع احتمال ما يقاسيه معتقل قدم حريته المكذوبة التي كان يعيشها في العالم الخرجي فداء للوطن، ليعي الحرية الحقة والعالم الداخلي الروحي الأرحب والصلة بالله التي لا تنقطع ولا تنضب؟ 

 

قرأت الرواية في ثلاثة أيام متقطعة، شعرت خلالها أنني في رحلةٍ افتراضية تمنيت ألا أصل للمحطة الأخيرة فيها، لقد أكلت من خبز الطابون، واستنشقت الزيتون، شممت البرتقال، وارتديت الزي الفلسطيني ورفلت به وكأنني أميرة هذا الزمان، ذهبت إلى الحقول، وحُفرت في ذاكرة قلبي حكايات الأمهات الثكالى اللواتي وهبن أبناءهن لله بكل فخر، سمعت زغاريدهن الممتزجة بدمع القلب، وحملت بين يدي أشلاء من استشهدوا في النضال والذود عن وطنهم، كنت معهم في تخطيطهم للعمليات، لقد التحمت معهم وبأحداثهم، ارتويت من يقينهم بالله وتسليم أمورهم له.

 

ترجمت نردين كل ما يعتمل قلب مغتربٍ عن وطنه، وترجمت مشاعر كل فرد يؤمن بقضية أيّا كانت تلك القضية، أخبرتنا عما يعانيه المعتقل من شوق وحنين وظلم وذل وإهانة ، ذهبت بنا إلى ما بعد الحب واليقين والإيمان، داعبت الجفون الخجلى فانحدرت الدمعات، وأعادت إلى أرواحنا الممحلة المهترئة نورها ونضرتها، واستثارت مدامعًا في كل صفحة وفقرةٍ وحرف؛ إنها روايةٌ تأخذ قارئها إلى أرض فلسطين. اقرأ أيضًا: 8 كتب على كل شخص ذكي أن يقرأها.

 

 

 

اقرأ أيضًا:

البناء القصصي عند زكريا تامر

لماذا تتغيّب مشاهد الولادة عن الأدب؟

ثقافة تويتر: حرية التعبير أو مسؤولية التعبير كما يراها الغذامي

50 اقتباسًا ملهمًا عن القراءة