رمزيّة جمال أبو حمدان في مسرحية "ليلة دفن الممثلة جيم"

 

 

قدمت العلوم العربية المتطورة الغذاء لعلماء أوروبا في مراحل إنجازاتهم الأولى؛ إذ ترك الشعر نماذج خالدة في فجر الحضارة العربية ورسخت الموسيقى العربية قواعدها، في حين بقي المسرح حلقة مفقودة من الثقافة العربية، لا يعلم عنها أحد الخبر اليقين.

 

لا يمكن بحال من الأحوال إغفال الطرف عن فن المسرح، وبما أن ثقافة أي شعب تتكون من أنساق عدة كالأدب، الدين، العادات والتقاليد والفن، يكون الفنّ المسرحي نسق فرعي من الفن ويدخل في تكوينه عنصر على درجة من الأهمية ولا غنى لأي ثقافة عنه، ألا وهو الرمز، (بالإنجليزية Symbol). اقرأ أيضًا: الرموز في الفن والأديان والحياة.

 

لقد جاءت الرمزية كردّ فعل على المذهب الواعي، وكامتداد للمذهب الرومانسي، وكان القصد منها هو "الولوج إلى مستوى من الواقع، أعمق مما يعكسه الظاهر السطحي الخادع، وكذلك تجسيد الطبيعة الداخلية للنمط الإنساني الأصلي (archetypal man) في رموز محسوسة، وذلك على النقيض من المذهب الطبيعي الذي ينزع إلى تصوير أفراد صيغت ماهيتهم اجتماعيًا، حسب تعبير كريستوفر أينز في كتابه: المسرح الطليعي.

 

الرمز هو أحد معطيات المؤلف المسرحي سواء باستخدام لغة الكلام أو بالتضمينات الفكرية، ليمتلك النص أبعادًا غير الظاهر منه، وذلك ما يثير ويدفع المخرج والفنيين الآخرين للعمل في الاتجاه نفسه حيث التعاطي مع ما هو متوفر من رموز والعمل على الترميز لغرض تشكيل بنية العرض المسرحي. اقرأ أيضًا: المثقف الجديد بين معرض ونادٍ ومقهى ثقافي.

 

 

ولما كان الرمز بالضرورة يحمل دلالة أبعد مما يبدو عليه في الواقع، فإن ما يدخل الرمز في تركيبه يمتلك هذا البعد، وهو بعد فكري أو فلسفي، كما أنه يتضمن بعدًا جماليًا يظهر في أبسط صوره بالغموض الذي يكتنف الرمز، إلى جانب إعمال الفكر بالصورة الكلية للعمل الفني؛ هذا يوضح أهمية القيام بعملية الترميز ودورها في إنشاء العمل الفني فكريًا وشكليًا، مع الأخذ بعين الاعتبار ما بيَّنَهُ الرمزيون الأوائل في فرنسا من أن

"الأشياء يمكن أن تكون أكثر بلاغة من الأفكار، وكانوا قد اكتشفوا الإمكانات الرمزية للأشياء المرتبطة بالمذهب الصناعي والحياة الجديدة"

كما جاء في كتاب اللغة في الأدب الحديث – الحداثة والتجريب للمستشرق الألماني جورج جاكوب. اقرأ أيضًا: عن حديث الجنود.

 

 

بناءً على ما تقدم؛ يعد الرمز من أكثر العلامات فعالية في الحياة العامة، فالرمز: "هو علامة تحيل إلى الشيء الذي تشير إليه بفعل، قانون غالبًا ما يعتمد على التداعي بين أفكار عامة " عند سيزا قاسم ونصر حامد أبو زيد: مدخل إلى السيميوطيقا.

 

إن الرمز هو واحد من ثلاثة تفرعات للعلامة جاء بها تشارلز بيرس، حيث قسم العلامة إلى: إيقونة، إشارة، رمز، والرمز من أكثرها كثافة دلالية؛ حيث اختزال الدال وسعة المدلول. وقد عرف العديد من المنظرين الفن على أنه نسق رمزي. وبالمقابل عرفوا الإنسان بأنه كائن رامز. اقرأ أيضًا: جوجل وأول رواية في الأردن.

 

أثبت البحث العلمي أن الطفل يشرع في الترميز الصوتي والحركي بناءً على معطيات البيئة والواقع المحيطين به، وليست الاصطلاحات اللغوية كالأصوات والكلمات والإشارات العرفية إلا رموز يستعين بها الأطفال كما هو الحال مع الراشدين للتفاهم والتواصل والتفكير.

 

إن إيصال دلالات الرموز يعتمد على المدركات الحسية والمفاهيم المرتبطة بها بحدود الخبرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تعتمد على المدركات العقلية والقدرة على التفكير والتأويل. اقرأ أيضًا: الكتاب الأردني يحلم بإلغاء الرقابة.

 

يصنف هيجل الرمز على أنه

"دلالة خارج الذات تحتوي مضمون التمثيل الذي تستحضره منها، ولا يلزم بالرمز أن يكون مطابقًا لمعناه، إلا أنه يمتلك معنى مزدوج فهو يظهر كشكل له وجود مباشر ومن ثم ينتصب أمام أعيننا موضوع أو صورة له."

 

 

بعد قراءة مسرحية "ليلة دفن الممثلة جيم" للدكتور جمال أبو حمدان لا بد من طرح مجموعة من الأسئلة: ما الذي يميز هذا النص المسرحي على مستوى الحدث والموضوع؟ بم تتميز شخصياته من حيث أوصافها ودلالتها ورمزيتها؟ ما خصوصية الحوار والصراع الدرامي في النص؟ ما دور الإرشادات المسرحية في النص وما مقصده؟ وإلى أي حد نجح الكاتب في التعبير فنيًا عن موضوع ومقصد نصه؟ اقرأ أيضًا: كيفيّة التغلّب على عقبة الكاتب.

 

 

في البداية تظهر الرمزية بشكل كبير ولافت من العنوان "ليلة دفن الممثلة جيم" الدفن والموت هما رمزان للتعبير عن اختفاء الأثر وزوال السيرة، إن القضية التي شغلت جميع البشر من آدم إلى يومنا هذا هي قضية الخلود وبقاء الذكر، وهذا ما كانت تعاني منه "جيم" بطلة المسرحية، ففي بداية المسرحية تسترجع جيم ذكرياتها: وقوفها على خشبة المسرح، قوتها أثناء تأدية الدور، ولكن ما أن يسدل الستار حتى تفقد روحها وقوتها وهويتها. اقرأ أيضًا: مؤنس الرزّاز يذوب في شخصيّاته الروائية.

 

يتقمص الممثل أثناء تأدية الدور الشخصية بكامل تفاصيلها، مع مرور الوقت تبدأ شخصية الممثل بالتماهي شيئًا فشيئًا مع كل دور يؤديه، حتى يفقد شخصيته الأصيلة تمامًا، ولكن هذا لا يكون له قيمة طالما أن الممثل يعتلي صهوة المسرح. الصدمة تكون في النهاية؛ عندما يترجل عن المسرح ويرى الحقيقة بأنه فقد شخصيته وجمهوره، وهذا هو الموت الذي قصده جمال أبو حمدان.

 

رمز جمال أبو حمدان في مسرحيته من خلال كلمة القبر إلى رأس الإنسان بشكل عام ورأس الممثل بشكل خاص، فالرأس هو الذي يحتوي مركز الذاكرة، والذكريات حينما تستولي على الإنسان ينسى حاضره، ويهمل مستقبله، ويبقى عالقًا في ماضيه. الذكريات هي مقبرة الإنسان. اقرأ أيضًا: الزعبي: السخرية وسيلة مقاومة ضد القمع والقهر.

 

كما هو معروف أن زرقاء اليمامة هي أشهر عرافات العرب، وهي أبصر من يبصر عن بعد، إلا أن جمال أبو حمدان استخدم هذا الرمز بشكل معكوس؛ إذ أن الممثلة جيم هي أقدر من يبصر الماضي، الإنسان بطبيعته يميل للنسيان، إلّا أن هذه القدرة لم تكن موجودة عندها، وأدت إلى هلاكها كزرقاء اليمامة.

 

ترمز الأشجار عادة للحياة والتجدد والنقاء، لكن أبو حمدان وظفها بشكل مختلف؛ فالأشجار هي سبب هلاك زرقاء اليمامة، وهي سبب انهيار المسرح. اقرأ أيضًا: أفضل أماكن القراءة في عمّان.

 

يرمز السلطان في مسرحية جمال أبو حمدان إلى الأيام، فالأيام هي التي تقلب الأحوال وتتحكم بزمام الأمور، والأيام دول كما هو معروف؛ فهي تعمي وتخرس وتصم كما فعل السلطان، والأيام التي تأتي لا تعود كما فعل السلطان مع الأم وقدرها الوهم وطبخة الحصى، والأطفال المنتظرين.

 

إن القناع يتضمن أبعادًا رمزية أوسع من الماكياج وذلك لثبات الملامح. من الملاحظ أن قيمة الترميز وكثافته في الماكياج والأقنعة منخفضة بالقياس إلى المنظر، والأقنعة تأتي من كونها تشكل وجه الشخصية الذي تعرف به ومن ثم تعد الرمز المباشر للشخصية. 

 

 

اقرأ أيضًا: 

أشهر 7 أدباء قضوا منتحرين

صالح علماني؛ الهامش حين يصيرُ متنًا

5 أعمال أدبيّة عربيّة لم تلقَ انتشارًا لائقًا

الفيلسوفة جوديث بتلر؛ حول أهميَّة الإنسانيَّات ولمَ نقرأ