رواية "الحاج مراد" لتولستوي؛ حكاية الثأر والانتقام

 

رواية "الحاج مراد" للكاتب الروسي ليو لتولستوي، ترجمها  هڤال يوسف، صدرت عن دار التنوير.

 

في بداية الرواية يسرد الكاتب ليو تولستوي سبب تذكره لقصة "الحاج مراد"، فبعد أن جمع باقة كبيرة من الأزهار وبينما هو متوجه إلى بيته، وقعت عينه على نبتة لفت ذات لون قرمزي ساحر من النوع الذي يطلقون عليه اسم "التتري"، الذي كان يقطفه الحصّادون في حذر.

 

خطر له أن يقطف زهرة تلك النبتة ويضعها في وسط الباقة، فاستعصت عليه لأن الزهرة كانت متشبّثة بالأرض، وكانت تخزه بالرغم من لف يده بمنديل؛ أصرّ أن ينتزعها من أليافها واحدةً واحدة وحين تمكن من قطفها لم تعد الزهرة بتلك النضارة والجمال اللَذْين كانت عليهما؛ أسف أنه أهلك عبثًا؛ الزهرة التي كانت جميلة في مكانها، قال في نفسه متذكّرًا  الجهد الكبير الذي بذله في قطف الزهرة: "يا لقدرتها على الحياة وقوتها! كم حياتها غالية عليها، وكم استماتت في الدفاع عنها."

 

 

بينما هو يمشي متجه إلى بيته مرّ عبر حقل منبسط تربته سوداء حُرث للتو بين الحقول. رأى شجيرة صغيرة ولما اقترب منها اتضح أنها من ذلك النوع "التتري"  الذي قطف زهرته سدى ورماها.

 

 

قال تولستوي: "كان واضحاً أن عجلة عربةٍ قد مرّت على النبتة مرارًا، ثم انتصبت ثانيةً ولذلك كانت مائلة، ولكن منتصبة رغم ذلك. كأنّما اقتُلعت قطعةٌ من جسدها، وانتُزعت أحشاؤها، وقُطعت يدها، وفُقئت عينها، لكنها ظلت واقفةً ولم تستسلم للإنسان الذي يُبيد كلَّ إخوته من حوله."

 

 

"قلت في نفسي: يا لها من قدرة! لقد انتصر الإنسان على كل شيء وأباد ملايين النباتات، فيما هذه النبتة لا تزال صامدة ولم تستسلم".

 

 

 

كالعادة يأسر تولستوي القارئ بمفرداته وتصويره البليغ للأحداث حيث تدور الرواية في حقبة روسيا القيصرية وانتفاضة مسلمي القوقاز ضد الاستبداد والظلم الروسي.

 

 

 بطل الرواية "الحاج مراد"؛ قائد ونائب الزعيم الشيشاني "شامل" الذي أمر بإلقاء القبض على الحاج مراد حيًّا أو ميتًا بسبب خصومة بينهما لم يبين الكاتب في الرواية أسبابها!

 

أمر شامل جنوده بمطاردة الحاج مراد؛ أسر أسرته، وضع ابنه في حفرة يزيد عمقها على سبعة أقدام مع أربعة مجرمين، وتوعّد بتوزيع نساءه على القرى سبايا وبقتل ابنه أو بفقء عينيه إن لم يسلّم الحاج مراد نفسه طوعًا له.

 

كان الحاج مراد عدوًا سابقًا للإمبراطورية الروسية، مقاتلًا شرسًا وبطلًا مقدامًا خاض حروب كثيرة ضدهم. مع ذلك أرسل الحاج مراد بعض من مريديه إلى أعداءهِ الروس يطلب العون لإنقاذ عائلته من براثن شامل، مقابل الاستسلام والولاء التام لإمبراطور روسيا "نيكولاي".

 

 

 كعادة الأعداء؛ لم يثق الروس بسهولة بعدوّهم السابق الحاج مراد وبنواياه، فشرعوا في مماطلته بتحرير أسرته من قبضة شامل، وتقاعسوا عن مساعدته رغم استقبالهم وتكريمهم له، فأبقُوه في حصن روسي في القوقاز بصحبة حرس، مما جعله يتخذ قراره بالفرار لمجابهة شامل وتحرير عائلته حتى لو أدّى هذا إلى مقتله.

 

 

يقتل في النهاية الحاج مراد، بطريقة بشعة بعد أن أصابته عدّة رصاصات من الشرطة، يُقطع رأسه بيد "هاجي آغا" الذي انتقل إلى صف الروس بعد أن كان يوماً أخًا للحاج مراد في العهد وعاش معه في الجبال.

 

 

بما أن تولستوي انضم إلى الفرقة الروسية القوقازية في قتال قبائل السهول التترية فقد استطاع أن يرسم لوحة فنية مؤلمة وهو يصف حال الحاج مراد عندما هجم عليه عددٌ من رجال الشرطة وهو ميت، كحال نبتة اللفت المسحوقة تلك وسط الحقل المحروث.

 

 

يصف تولستوي نهاية الحاج مراد بقوله: "هذه هي الميتة التي ذكّرتني بها نبتة اللفت المسحوقة وسط الحقل المحروث."

 

رواية مأساوية عن الخيانة والانتقام، الشرف والكرامة، الحرب ومآسيها، رغم أن الرواية قصيرة إلا أنها تعتبر عمل فني مُميز يُضاف إلى رصيد الكاتب المبدع تولستوي.

 

 

"سيجفّ الثرى على قبري / وستنسيني يا أمّاه!

سينمو العشب على قبري / ويُخمد حزنك يا أبي العجوز

ستنشف الدموع في عينَي أختي / ويطير الحزن من قلبها

لكنك لن تنساني يا أخي الأكبر، إلى أن تثأر لموتي.

ولن تنساني يا أخي الثاني، إلى أن ترقد إلي جواري.

حارقةٌ أنتِ، أيتها الرصاصة، وتحملين الموت، ولكن ألم تكوني أنتِ أَمَتي الوفيّة؟

وأنتِ أيتها الأرض السوداء، ستُغطّينني، ولكن أليس أنا من كان يدوسكِ بحصانه.

باردٌ أنتَ أيها الموت، لكنني سيّدك.

ستأخذ الأرض جسدي، وروحي ستتقبّلها السماء."