"شيء خطير جدًا سيحدث في هذه القرية"؛ قصة لم تنشر لماركيز

 

 

لقد كان الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، سباقًا في رؤيته الاستبصارية للواقع والأمراض التي تنهش المجتمع، وضياع الإنسان الذي هو في نظرنا إنسان العالم الثالث؛ الإنسان العربي.

 

 

"إن كل رواية جيدة هي سبر لأغوار العالم"

 

 

استخدم سحر اللغة للتعبير عن المجتمعات البائسة وما تعانيه من أمراض، انطلق في جميع روياته وقصصه ليخوض غمار هذه المشكلات، ومن هنا انطلق في قصته التي لم تنشر؛ شيء خطير جدًا سيحدث في هذه القرية. اقرأ أيضًا: غازي القصيبي ولغز يعقوب العريان.

 

لقد عالجت هذه القصة أهم مشكلة قد يتعرض لها الإنسان في حياته اليومية وهي "الإشاعة" وأثرها على مجتمع ما؛ تدور أحداث هذه القصة في قرية صغيرة، تُشكل العجوز المحور الأساسي في الحكاية؛ إذ تُخبر أبناءها أن شيئًا خطيرًا سيحدث في هذه القرية، ثم ينقل الأبناء هذا الخبر لأصدقائهم، ليبدأ الخبر بالانتشار حتى يعم أرجاء القرية كافة؛ حينها يبدأ الجميع بالاحتياط والخوف من هذا الشيء الذي سيحدث؛ فهذه سيدة تريد شراء رطلين من اللحم ولكن البائع يخبرها بحدوث شيء خطير فتقوم بشراء أربع أرطال، وهذا آخر يشير إلى درجة حراة الطقس في الظهيرة -برغم أنها طبيعيّة- على أن شيئًا سيحدث، ويبدأ تجمع الناس في الميدان لمراقبة عصفورين هبطا، ويتهامسون أن شيئًا خطيرًا سيحدث فعلًا في المدينة. اقرأ أيضًا: 24 كتابًا تأسيسيًا شكّل حياة ماركيز.

 

يبدأ الناس بالهروب من القرية مذعورين حتى تصبح خاوية على عروشها، لتخرج العجوز وتقول: " ألم أقل لكم أن شيئًا خطيرًا جدًا سيحدث في هذه القرية، وقلتم إنني مجنونة".

 

هكذا ختم ماركيز قصته، بعد عرضه لمشاهد الذعر والخوف التي انتابت أهل القرية. اقرأ أيضًا: أفضل 10 روايات أمريكيّة لاتينيّة على الإطلاق.

 

الجدير بالذكر أن ماركيز حكى هذه القصة في إحدى مؤتمرات الكتاب أثناء الحديث عن الفرق بين القصة المحكية والقصة المكتوبة قائلًا: لنرى كيف تتغير القصة عند كتابتها.

 

من قال إن الفن الراقي لا يجب أن يكون هادفًا، ومعبرًا عن الروح الحزينة لملايين البؤساء في كوكبنا غير المتوازن، المليء بالمصائب والظلم والإجحاف؟ اقرأ أيضًا: أسطورة الدكتاتور في خريف البطريرك.

 

كتابات ماركيز جميعها تقوم على هدف وأساس ثابت. كان ماركيز كثيرًا ما يسخر من الجهل والشعوذة قائلًا: "لم يتم الحاق الهزيمة بتلك الآفة إلا بفنون الشعوذة". وهو الأساس التي تقوم عليه قصتنا التي هي محور دراستنا؛ الجهل، الإشاعة، المجتمع الذي يتقبل الحوادث بصورة فطرية أقرب ما تكون للسذاجة.

 

إن عالم ماركيز الفني الرحب، الذي يخترق فيه الحواجز وينطلق للمقاربة بين العوالم البشرية، ويقدّم النقد لهذه العوالم من خلال نظرته الفلسفية ولغته الأدبية؛ يشكّل نموذجًا مصغرًا للعالم الخارجي الذي نحن في صدده، وأدب ماركيز في الإجمال ينتمي إلى الواقعية السحرية. اقرأ أيضًا: صالح علماني: الترجمة تحفظ الإرث الإنساني.

 

من خلال إسقاط مفهوم الواقعية السحرية على القصة نرى أثر الاستبصار لدى العجوز، وهو أحد أهم سمات هذه المدرسة، فقد شكل استبصارها المحور الذي تدور حوله عجلة القصة والذي ساعد على سرد تفاصيل القصة وإبراز الحركات واستنطاق الشخوص، والتدرج السردي حتى وصلنا إلى نتيجة الاستبصار وهو الشيء الخطير الذي سيحدث.

 

من هنا كانت براعة ماركيز في استدراج المتلقين وشد انتباههم، من خلال العنوان والمضمون، وجَعل ماركيز النتيجة في العنوان، النهاية في البداية والغاية في الطريقة، بتلاعب جذاب في الأفكار وتدرج منطقي لا ينم إلا عن شخصية تمتلك ناصية السبك وتعتلي صهوة القلم بامتياز. اقرأ أيضًا: في استخدام الراوي العليم: أورهان باموق وميشيل ويلبيك أمثلة.

 

 

 

اقرأ أيضًا:

الماعز والبامبو: بناء الوافد في النص الروائي

رمزيّة جمال أبو حمدان في مسرحية "ليلة دفن الممثلة جيم"

صالح علماني؛ الهامش حين يصيرُ متنًا

الفيلسوفة جوديث بتلر؛ حول أهميَّة الإنسانيَّات ولمَ نقرأ