صالح علماني؛ الهامش حين يصيرُ متنًا

 

 

التقى انكتاب، ضمن جلسةٍ استثنائيّة، مساء السّبت 21-04-2016 بالمترجم السّوري/الفلسطينيّ صالح علماني. بعيدًا عن أجواء مناقشة الكتب المعهودة والمحاور المعدّة سلفًا، كان اللقاء حواريًا مفتوحًا للقرّاء، محبّين أو غير ذلك، للقاء أكثر من ترجم الأدب المكتوب بالإسبانيّة إلى اللغة العربيّة.

 

ما إن طلب صالح علماني من الحاضرين، أن يتّخذ الحوار شكل أسئلة لفتحِ موضوعاتٍ للحديث، حتّى أخذت تتوالى الأسئلة. سئل، في أكثرِ من مرّة، عمّا إذا كان ينتوي كتابة رواية تحمل اسمه بعد كلّ ما ترجم، ليجيب "أنا قانعٌ وراضٍ بدوري ولن أكتب رواية بعد هذا العمر". في سؤالٍ عن الأسباب التي دعته لسلكِ هذا المسار، اعترف بأنّه، في بداية دراسته للطّب في إسبانيا، كتبَ رواية، عدلَ عن نشرها بعدما قرأ ما قرأه من أدباء أمريكا اللاتينيّين، وتعزّز ذلك الشعور بعد ترجمته لـ "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" وما تبع ذلك من مديحٍ لها في الصحافة العربيّة.

 

 

قرأتُ بعض الرّوايات بترجمة صالح علماني قديمًا، وكنتُ أتساءل عادةً عن أمرين: سبب عدم تقديمه للكتّاب (إلّا في حالاتٍ قليلة)، خاصّة الأقلّ شهرةً منهم، وقلّة استخدامه للهامش خاصّة في مواضع ربّما تلتبسُ فيها كلمةٌ على القارئ أو ما شابه من اختلافاتٍ ثقافيّة في معاني الكلمات. لكنّ إجابته، عن سؤالٍ شبيهٍ من أحد الحاضرات، أجلى المسألة أمامي إذ يقول "أنّ على المترجم أن لا يظهر وأن يبقى في الظّل"، ويقول أنّه الآن "أتمنّى أن يكون للروايات التي ترجمتها دورٌ في تعليمِ الكتّاب".

 

 

وجّه الحضور جزءًا وافرًا من اهتمامهم وأسئلتهم حول خيارات صالح علماني وتفضيلاته الشخصيّة. يقولُ أنّ "الحبّ في زمن الكوليرا" أحبّ روايات ماركيز إلى قلبه، وحتّى أنّها أحبّ إلى قلبه من جميع ما ترجمه. في موضعٍ آخر، يقول أنّ ماركيز كاتبٌ سهلٌ في الترجمة كما القراءة "ماركيز واضح وسلس، على عكس يوسّا". يوسّا في نظره كاتبٌ تقنيّ بالدرجة الأولى فـ "على من يريد أن يتعلّم الكتابة أن يدرس يوسّا". أحدُ الحضور كان له رأيٌ آخر، ففي نظره أنّ يوسّا ليس بالكاتب الكبير كما أنّ الكاتب الإسبانيّ كاميلو خوسيه ثيلا أبرع منه تقنيًا وسرديًا. لكنّ علماني أصرّ بأنّ كاميلو ثيلا كاتبٌ متوسّط رغم فوزه بنوبل للآداب.

 

 

لعلّ الواحد منّا – القرّاء – يعي معنى أن يترجم أحدهم أكثر من 100 عملٍ، لكن ربما لا نفهم حقًا ما يعنيه ذلك له شخصيًا. تمظهر جزءٌ من هذا المعنى على محيّا علماني حين سأله أحد الحاضرين عن سبب عدم اهتمامِ ماركيز بشخصيّاته، مقابل اهتمامه المفرط، وحتّى المزعج أحيانًا بالزمان والمكان. يجيب علماني "أنا كنت أفكّر هكذا، بس هذا وهم"، ويقول أنّ وصف دواخل الشخصيّة لا يتطلّب الكثير، خذ مثلًا وصفه لسيمون بوليفار في "الجنرال في متاهته" حين أجاب، ردًّا على فرنسيٍّ أشار إلى تخلّف فينزويلا وما يعانيه شعبها "دعنا نعيش قروننا الوسطى بسلام". جملة كهذه تختصر صفحاتٍ من الوصف.

 

 

ماذا عمّن لم يترجمهم؛ هل يفوتنا الكثير؟ يجيب علماني أنّه لا، لا يفوتنا الكثير. فحركة الترجمة في الفترة الأخيرة شهدت طفرة مفاجئة ومميّزة، لذا لا ينبغي أن نبالغ في جلدِ أنفسنا. الآن يوجدُ ميلٌ أكبر لدى الناشرين لترجمة الأدب، وبتخوّفاتٍ أقل. في أواسط التسعينيّات على سبيل المثال، اقترح علماني على أحد الناشرين السوريين ترجمة الروائي التشيلي روبرتو بولانيو إلى العربيّة، لكنّ حجم رواياته الضخم؛ "2666 (قرابة ال1200 صفحة)" ، "Savage Detectives (أكثر من 600 صفحة)" أخافه. الآن، يقول، بدأ بولانيو يُترجم إلى العربيّة، وإن كانت أعماله المهمّة لمّا تزل تنتظر. عنه شخصيًا فلن يقدمَ على ترجمتها لضخامتها!.

 

 

ماذا عن جيل الشباب من كتّاب أمريكا اللاتينيّة؟ يجيب أنّه "هو ليس أسوأ من الجيل السابق ولا أحسن، هو مختلف". وأشار ليدلّل على كلامه إلى رواية الكاتب الأرجنتيني بيدرو مايرال "السّنة المفقودة"، ممتدحًا شعريتها البالغة فيما ترويه على لسان بطلها الذي أصابه البكم صغيرًا، فاختار أن يتكلّم بالرّسم. وأشار إلى سوء ترجمةٍ عربيّة صدرت للرّواية. أمّا عن الجيل القديم، الذي ما زال يكتبُ للآن، فهو بصدد أن تُنشر له ترجمة أخرى ليوسّا، دون أن يفصحَ عن اسم الرّواية. وسبق أن بدأ بترجمة آخر روايتين لإيزابيل الليندي، توقّف عن ترجمة (Ripper – 2014) بعد 140 صفحة لضعف مستواها "وجدت أنّ نشر العمل سوف يسيء لي". ويوشك أيضًا أن يترك ترجمة روايتها الأحدث (The Japanese Lover – 2015) بعد 200 صفحة من الترجمة. يعتقد علماني أن مستوى الليندي هبط في هاتين الروايتين، لعلّه أثر الزمن والشيخوخة عليها.

 

 

يتساءل فواز حدّاد، على لسان بطل روايته "المترجم الخائن" حامد سليم: ترى هل يدرك القرّاء مدى ما يتكبّده المترجم من عناء، لقاء الحصول على جملة تافهة كهذه: كانت السماء مكفهرّة...؟!". بطل حدّاد ميلودراميّ ولا تُشبِع التّرجمة رغبته بالوجود كندٍ لصاحب العمل، فيعملُ في تغيير ما يترجم وفقًا لهواه. يعتقد صالح علماني، على النقيض من حامد سليم، بأنّ دور المترجم ينتهي ما أن تنتهي التّرجمة، فمن يستحقّ الثناء - إن وُجِد - هو الكاتب لا المترجم. يبدو قولَ الأشياء البديهيّة للوهلة الأولى عبثًا في بعض الأحيان، إلّا أنّ وجودَ حامد سليم بيننا، بصفته أنموذجًا، وكلام صالح علماني، يعيد إلى الذهن ما ينبغي أن تكون عليه الأشياء حقًا، كما يدعو إلى الإعجاب، ببساطةٍ أقرب للخجل، بكلامِ علماني.

 

 

امتدّت الجلسة إلى ساعتين من الزمان، انتهت بتوقيع صالح علماني على عددٍ من ترجماته. لا شكّ أنّ جَمْلَ كلّ ما دار فيها يحتاج مساحةً أوسع، ولعلّ هذه المادة تساعدُ المهتمّين في تكوين فكرة أوسع عمّا دار في جلسةٍ، أسوأ ما فيها كان المكان الصاخب بأصواتِ الخلّاطات، الذي دارت فيه. 

 

 

 

 

اقرأ أيضًا:

صالح علماني: الترجمة تحفظ الإرث الإنساني

أفضل 10 روايات أمريكيّة لاتينيّة على الإطلاق

المترجمون الخونة