عبد القادر عبد اللي؛ من ألم الغربة إلى غزارة الإنتاج الأدبي

 

 

في مارس الماضي، نعت الأوساط الأدبية الكاتب والمترجم عبدالقادر عبد اللي بعبارة مؤثرة: "قتله السرطان والمنفى".

 

 

رحل السوري عبد القادر عبد اللي في أضنة التركية، تاركاً وراءه إرثاً أدبياً لا يستهان به؛ حيث ترجم للعربية من التركية أكثر من خمسين عملاً لأهم الكتّاب الأتراك؛ منها "اسمي أحمر" لأورهان باموق، حيث نجح في ترجمة هذا العمل بأسلوب أدبي ممتع في سياق لم يفقد الرواية جمالها وثرائها، سيما أنها من الروايات المتشابكة الأحداث ومجرياتها مغلفة بفن تزيين الكتب والخط والنقش وفنون الزخرفة الإسلامية من الصين إلى تبريز وشيراز والدقة في رسم الخيول ونسج السجاد الأحمر.

 

 

 

إلى جانب ترجمة الكتب قام عبد اللي بنقل أعمال من الدراما التركية إلى العربية؛ مثل  مسلسل "وادي الذئاب"، "سنوات الضياع" و"نور"، كما ترجم في ذات السياق رواية "زوبك" للكاتب التركي عزيز نيسن، التي تحولت في العام 1992 إلى مسلسل "الدغري" للمخرج هيثم حقي ببطولة كوكبة من الممثلين السوريين؛ مسلسل أسعد الملايين في حينه.

 

 

شاءت الأقدار أن يتزامن رحيله مع انتهائه من ترجمة كتاب "متحف البراءة" لباموق، والذي يقال أن الأخير اعتمد عبد اللي مترجما رسمياً لأعماله.

 

 

على أن هناك أخبار تقول بأن عبد اللي توفي وهو يقوم بترجمة رواية "الفتاة الصهباء" لباموق أيضاً، لكن القدر لم يمهله ليتم العمل!

 

 

إذن مات عبد اللي بينما مداده مبلول وأوراقه وحروفه متناثرة على طاولة كان يعمل عليها لأكثر من خمسة عشر ساعة يومياً! الآن ما مصير بدايات الترجمة؟ هل يستطيع أحد الاقتراب من المسودة والوصول إلى فواصل وهوامش "الفتاة الصهباء" ليكمل نمنمة لم يكتمل رسمها؟ من يجرؤ؟ يموت المبدع وحده دون أن ينهي كلماته وهو الوحيد الذي تبقى مهنته شاغرة يستحيل أن يشغلها أحد بعده، وإن حاولوا.

 

 

بعد رحيله خصصت الصحافة العربية ومواقع التواصل مساحات للكتابة عنه؛ تناول السوري سامر إسماعيل في مقاله عنوان: "ترجمان الألسنة يغيب في روايته الأخيرة"، جاء في صدر المقالة:

 

 

" لا يعرف أورهان باموق كيف سيتدبر أمره بعد الآن، فقد غاب الكاتب لا المترجم، ربما اختلط الأمر على الأديب التركي، ربما راوده السؤال: من فينا الكاتب ومن فينا المترجم، أنا أم عبدالقادر عبد اللي؟"

 

 

 

وأطلق إسماعيل على المترجم الأديب لقب "شيخ المترجمين" من التركية إلى العربية محتلاً المرتبة الأولى عند أدباء أتراك كبار، آثروا أن يكون عبد اللي سفيرهم المخلص إلى لغة الضاد؛ ملمحًا:

 

 

"لعله -أي عبد اللي- يستحق مناصفة باموق على نوبل ويفتح الباب عريضًا على حقوقه المهدورة لدى الأوساط التركية السياسية والثقافية التي لم تصنع ما يليق بوداع رجل من هذا الطراز الرفيع."

 

 

 

فيما تسائل صديقه عدنان عبد الرزاق في مقالة عنوان: "أخطأ عبد القادر عبد اللي بحقنا جميعاً" نُشرت في العربي الجديد يوم 6 مارس أي بعد وفاة صديقه بأيام :

 

 

"من يشرح لي كيف لم تمنح تركيا التي سوقها عبد اللي، ربما أكثر من وزارات خارجيتها وسياحتها وتعليمها العالي وثقافتها للعالم العربي له الجنسية، وهو المترجم عن أدبها ومسرحها وسياستها وإعلامها وأعمالها الدرامية والسينمائية؟"

 

 

مضيفًا بأن الجميع كتب عن العبد اللي بعد وفاته، في حين قلما كتب عنه أحد وأنصفه قبل مرضه. وأوعز ذلك إلى الخطأ الذي ارتكبه عبد اللي بحق نفسه بأنه ترك الكثير من حقوقه ولم يسع يومًا للتعريف بنفسه أو تسويقها كما لم يتقدم لأي جائزة أدبية عالمية كانت أم إقليمية.

 

 

عّبر عبداللي قبل وفاته بشهر عن أسفه على عدم تمكنه من مزاولة عمله في الترجمة والتأليف والرسم لمدة شهرين، فلديه الكثير من العمل المؤجل والأحلام لم تنجز بعد! (العربي الجديد 3 فبراير 2017).

 

فشلت محاولاتي في إيجاد تصريح أو مرثية للكاتب أورهان باموق عشية رحيل توأمه العملاق، إذ لولا عبد اللي لما وصلت أعمال الأول لملايين العرب؛ ربما الصدمة ألجمت لسانه أو أنني أخفقت في التوصل إلى ما يكنه من مشاعر بعد هذا الرحيل المفجع لخطوطه المتوازية. ذاك غياب لن يمر مرور الكرام.

 

 

لم يحصر عبد اللي جهده كترجمان فقط، بل عمل في الصحافة وفي نقد الفن التشكيليي كما في مؤلفه "فرشاة".

 

عبد القادر عبداللي حلقة وصل وعنصر مميز نجح في نشر الثقافة والأدبيات التركية، وعلى

 

 

الرغم من أن غيابه سيترك فراغاً في الحياة الإبداعية، إلا أن النتاج الغزير الذي قدمه للمكتبة العربية كفيل بسد مثل هذا فراغ.