عبد القادر عبد اللي؛ وجه أورهان باموق الآخر

 

 

في حديث عابر مع صديق أخبرته أنّ عبد القادر عبد اللي تُوفّي. توقّف قليلًا، بدا عليه التأثّر حقًا، ثم قال: هل أنهى ترجمة "متحف البراءة"؟. أومأت إيجابًا، فردّ: "إذن لا بأس بموته".

 

أعلمُ أنّ الأمر كان مزاحًا من جانبه، لكن لأحاول أن أكون صادقًا، أنا أيضًا أتعامل مع المترجمين بمبدأ النفعيّة: المترجم الجيّد هو أكثر من يجلب لنا السعادة، بترجمة من نحبّهم من الكتّاب.

 

 

لكن لا يزال في الأمر شيءٌ من الادّعاء. فنحن لا نلحق صفة الجيّد بأيّ مترجم، ولو ترجم لنا كتب الأرض كلّها. أحبّ ميشيل ويلبيك مثلًا، وكنت مستعدًا أن أقبّل محمد المزديوي، الذي ترجم روايته "احتمال جزيرة" حين وجدتها في مكتبة عامّة، لكنّني وبعد محاولتين لإتمامها، قررت أن لا أقترب من أيّ عملٍ ترجمه. ما لا نعيه، أو ربّما نعيه ونتجاهله، أنّنا حين نقرأ عملًا مترجمًا، فإنّنا نقرأ لغة مترجمه لا كاتبه. أخاف كثيرًا من هذه الفكرة، إذ ببساطة قد أكون جاهلًا بأكثر من قرأتُ لهم. يصير لزامًا علينا، لنتأكّد أنّنا كنّا أنفسنا لحظة قراءة الأعمال التي أحببنا، أن نجرّب قراءتها بلغتها الأصليّة، وإن لم يمكن فعل ذلك، أن نجرّب قراءتها بترجمات أخرى، وبلغات بديلة نفهمها، فقط لنتعرّف على أنفسنا في كتّابنا المفضّلين. 

 

 

لم أقرأ عبد القادر عبد اللّي خارج ترجماته لأورهان باموق. كما لم أتعرّف على شكله/صورته سوى بعد رحيله. لذا لا أستطيع أن أفصل علاقتي به عن علاقتي مع أورهان باموق، بحكم التجربة أولًا، ولتشابه تلقِّيَّ لكليهما ثانيًا.

 

 

بدأتُ قراءة أورهان باموق قبل ستة أعوام، كنت أخطّط لقراءة اسمي أحمر أولًا، لكنّ البائع نصحني –مع هزّة رأس العارف– برواية "أفضل" له، وناولني الحياة الجديدة. أغراني اسمها، الذي تبيّن أنّه بالفعل محور الرّواية بأكملها. كما لم تكن نسختي بترجمة عبد القادر عبد اللي، بل بترجمة سها سامح حسن.

 

 

لوقتٍ طويل، لعلّه يربو على الثلاث سنوات، كنتُ أشتمُ أورهان باموق كلّما قرأت أو سمعتُ اسمه في مكان. روايته تلك كسرت شيئًا في داخلي، لم أكن وقتها قد تجاوزتُ قراءة دان براون بعد لأصطدم بباموق فجأة. بطله عثمان، ظلّ مواظبًا على ما يزيد عن الثلاثمئة صفحة على نسخ رواية قرأها، وتدوين ما يسمعه من العالم الخارجي في دفتره. لم أفهم، وظللتُ حبيس هذا الجهل حتّى قرأتُ اسطنبول، روايته الشخصيّة لحياته كشابٍّ في اسطنبول. وللمرّة الثانية لم أقرأ ترجمة عبد القادر عبد اللي، بل ترجمة أماني توما وعبد المقصود عبد الكريم. وكما التجربة الأولى، لم أستطع دخول عالم باموق الغريب. توقّفت عند الصفحة 200، دون توقعات بالعودة مجددًا للرواية.

 

 

سُئلتُ مرّة متى أعتبر ما أقرؤه أدبًا عظيمًا، ولم أتعثّر بإجابة مُرضية في وقتها. لكن الآن أقول، لعلّه ما يدوم في أنفسنا مع مرور الزّمن. ولأستعن هنا بكليشيه رائج: من أنجع العلاقات الشخصية، تلك التي تبدأ بعد شجار. ظللتُ أهجس بـ"اسطنبول" فترة طويلة: اعتقاد أورهان باموق أنّ ثمّة أورهان آخر يعيش في مكانٍ ما من المدينة ينتظر أن يلتقيه، حديثه عن شوارع المدينة الخلفيّة القذرة والحزينة، حزن المدينة الذي تشكّله أرجل المارّة، الثلج المنهمر بلا توقّف في الشتاء، نزهات البوسفور مع أبيه وأمّه، الشجارات اليوميّة بين والديه، والصّور الملحقة للكتاب (كلّها بالأبيض والأسود). كلّ هذا ولم أستطع إكمال الكتاب.

 

 

في كتابه "في أحضان الكتب"، يذكر بلال فضل أنّه واجه عنادًا شبيهًا لدى قراءته لأورهان باموق، ويذكر أنّه وجد المفتاح لعالمه عند عبد القادر عبد اللي. قلتُ: لأستعر هذا المفتاح أنا أيضًا. استعرتُ "اسطنبول" مجددًا لكن بترجمته، وأخذتُ أقرأ. لكنّ مشكلة واحدة بقيت تسدّ الطريق إلى الباب، نسخة دار المدى (بترجمة عبد اللي) لم تُضمِّن الصّور التي ضمّنها الكاتبُ الكتابَ أولًا، والمُوردة في نسخة الانتشار العربي التي بدأت قراءتها سابقًا. لذا عدتُ، حاملًا خيبتي على كتفي، إلى النسخة الأولى.

 

 

 

لحسن الحظّ، والشكر لمفارقات الصّدف أيضًا، أنّ شطرًا كبيرًا من النصف الثاني من الكتاب كان يتحدّث عن رغبة أورهان باموق المُمضّة في ترك دراسة الهندسة المعماريّة، واحتراف الكتابة. في تلك الفترة، كنتُ أمرّ بظرفٍ شبيه، لذا كنتُ أعودُ للكتاب على الدّوام كأنّه عزائي الذي أحضره بنفسي. حين انتهيت من "اسطنبول"، انقلب باموق من كاتبٍ أتجاهله، إلى كاتبٍ أنوي قراءة كلّ ما يقع له تحت يديّ.

 

 

قرأتُ مع صديقٍ لي روايته "ثلج"، أقصد تبادل الآراء أثناء القراءة. ولأوّل مرّة أقرأ باموق بترجمة عبد القادر عبد اللّي. في تلك الفترة، كنتُ على استعدادٍ لأنقل القبلة المرصودة لمترجم رواية ميشيل ويلبيك إلى عبد القادر عبد اللي، فقط لقيامه بفعل التّرجمة ذاته. لكنّه، وربّما يرجع الأمرُ إلى وعورة جملة أورهان باموق، كان مستفزًّا لي. لم أستسغه بادئ الأمر، وحين سألتُ صديقي أجاب بأنّه يشعر بالاستفزاز كذلك. واحدة من الأشياء التي استفزّتني مثلًا أنّه يطبّق قواعد النحو على الأسماء، فـ"مختار" يصير "مختارًا" حين يُنصب "عندما توقفت الحافلة الصغيرة في باحة مديرية الأمن المغطّاة بالثلج لم يفصلوا مختارًا عن كا" – (ص68 من ثلج). وللأمانة، حاولتُ قراءة مقاطع أخرى من الرواية، لأتذكّر ما الذي أزعجني في ترجمتها لكنّني لم أستطع. ما يهمّ أنّني بدأتُ بداية خاطئة مع المترجم كما حصل مع الكاتب تمامًا.

 

 

 

لم يترجم عبد القادر عبد اللي كتاب باموق النقديّ "الروائي الساذج والحسّاس"، بل ترجمته ميّادة خليل. ربّما هنا بدأ يتشكّل في ذهني أثر عبد اللي على صورة باموق في ذهني. ليس الأمر أنّ ترجمة ميّادة سيئة، فأفكار باموق ظلّت واضحة مثل بياض الثّلج، لكنّها أميل للتعامل بخفّة مع النّص. ترجمة ميّادة خليل لا تعبأ كثيرًا بقواعد الإملاء والنحو، فتكتب الانسجام هكذا مثلًا "الأنسجام" (وقِس على ذلك تعاملها مع الهمزة على وجه الإطلاق)، وكثيرًا ما تجرّد المنصوبات من حقّها في النّصب "أحبّ أن ألعب في عالم الخيال، أن أضع نفسي مكان شخص ما في مكان آخر وأتخيّل عالم من الأحلام أكون فيه جنديًا، لاعب كرة قدم مشهور أو بطل عظيم." – )ص62 من الروائي الساذج والحسّاس). قد يقول قائلٌ بأنّ المعنى واضح، وهو كذلك، لكنّ العناية باللغة، من حيث هي لغة، يشي باحترام المُترجَمِ للكاتب بقدر ما يشي باحترامه لذاته. يصعبُ عليّ كثيرًا أن آخذ كاتبًا/مترجمًا بجدّيّة إذا ما أظهر استهتارًا باللغة، الأمر الذي لن تجده أبدًا عند عبد القادر عبد اللي. هنا، ينقلب اختياره في إعمال قواعد النحو على أسماء العلم من الاستفزاز إلى التقدير.

 

 

مؤخرًا، قرأتُ ترجمته لرواية باموق ما قبل الأخيرة "غرابة في عقلي". ولأوّل مرّة أشعر بأنّ لغته تماهت لا مع لغة باموق فحسب، بل حتّى مع طبيعة الأماكن الموصوفة في الرواية، بل أكثر، مع خفة الشخصيّة الرئيسة، وتعاطيها مع العالم من حولها. وكما حصل معي كقارئ لأورهان باموق، إذ انتقلتُ من بغضِ سماعِ اسمه، إلى محبّة ما لم أقرأه له بعد، حصل معي كقارئ لترجمات عبد القادر عبد اللّي، الذي لا أستطيع الآن أن أفصل تجربة قراءتي لأورهان باموق عنه.

 

 

***

 

كما صالح علماني، ظلّ عبد القادر عبد اللي مخلصًا لموقعه كمترجم. لم يجرّب كتابة الرواية (على الأقل لم ينشر واحدة)، وظلّ مخلصًا لعمله لأكثر من 30 سنة (صدر له أكثر من 80 كتابًا مترجمًا)، كأنّه استعار أدوات الفنّ التشكيلي الذي دَرَسَه ودَرَّسَه لينحت صورته الخاصّة، التي ستبقى حيّة في ذاكرة من قرأ له، بعيدة عن أخطاء عابرة، ارتكبها يومًا. إذ لا شيء، حتّى الموت، يستطيع أن يمحو اسمه من أحد أغلفة ترجماته الكثيرة، أو من ذاكرة من قرأوا إحدى ترجماته الكثيرة يومًا.