عرض كتاب "الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان"

 

 

الدكتور محمد عبدالله دراز؛ من الأفذاذ الذين جمعوا بين الثقافة القرانية والإسلامية والثقافة الغربية، توفي عام ١٩٥٨، يعتبر من أعلام المسلمين في القرن العشرين.

 

 

يُعد كتابه الدين (بحوث ممهدة لدراسات الأديان) من الكتب العميقة، فهو عبارة عن مجموعة مباحث أبدع الكاتب في استعراض مقدرته التحليلية فيها، فخرج الكتاب ككلٍ متصل؛ أكثر ما يميّزه معالجة مفهوم الدين بصورته العامة لا بصورة مخصوصة لدين محدد، بحيادية ومنهجية منضبطة.

 

 

يبيّن الدكتور دراز في مقدمة الكتاب أن الحديث عن العقائد البشرية في جوهره شأن قديم، معاصر لاختلاف الناس في مللهم، إذ يوضح أن العصر الإغريقي والذي يُعتبر الأكثر تدوينًا من العهود القديمة تخرّج فلاسفته من حضارات الشرق والحضارة المصرية بوجه أدق، لكنهم كانوا باحثين ومجددين. أشار أيضا إلى وجود روما المادي في اليونان، إذ لم يتأثروا بهذه العلوم الفلسفية إلاّ بعد أن دونها العرب، وانشغلوا بالصراع بين المسيحية التي أقرها الإمبراطور قسطنطين دينًا رسميًا وبين بعض العقائد الجديدة التي بدأت تظهر. اقرأ أيضًا: أنطون تشيخوف: ما بعد حداثيّ سابق لزمنه.

 

 

 

الكتاب عبارة عن خمس بحوث  في حوالي ١٩٠ صفحة، لا تجد بينها انفصال وإنما استطراد وارتباط؛ ففي البحث الأول تناول تحديد معنى الدين قائلًا: أن المدخل للمميزات والمشخصات عند تفسير حقيقة معينة يتطلب بداية معرفة عناصرها العامة ومقدماتها الكلية وهذا يعني أن الدين حقيقة موجودة تتطلب تفسير  لكل مسلك من مسالكه .

 

 

تناول بداية المعنى المعجمي لكلمة الدين، بالنظر إلى اشتقاق وتصريف الكلمة في اللغة العربية، فهي تعني:

  • دانه: أي ملكه،حكمه،ساسه،دبرّه
  • دان له: أي أطاعه وخضع له
  • دان به: أي اعتقده ،اعتاده وتخلق به

 

 

وأوضح أن وراء الاختلاف الظاهر صلة تامة في جوهر المعنى، وجملة القول أن الدين عند العرب يشير لعلاقة بين طرفين يُعَظِّم أحدهما الآخر ويخضع له .

 

بالانتقال إلى البيان الاصطلاحي للكلمة، استعرض دراز جملة من التعريفات والأقوال لمعنى الدين مفنداً ومحللاً، حتى خرج بتعريف مركب وفيه يقول: (إن الدين هو الاعتقاد بوجود ذات أو ذوات غيبية علوية، لها شعور واختيار، ولها تصرف وتدبير للشؤون التي تعني الإنسان. اعتقاد من شأنه أن يبعث على مناجاة تلك الذات السامية في رغبة ورهبة)، ويسوق الاعتبارات لاعتماده هذا التعريف بأنه يشمل الأديان جميعها وفيه خروج للإنسان من فكرة خضوعه للرغبات والشهوات، أو خضوعه للقوانين الطبيعية، كما أن التعريف يؤكد أن التدين يكون لذات أو ذوات غيبية أو روحية، وهذا يشمل الديانات التي توجهت للأشخاص والأحجار والأشجار حيث كان الغرض حلول معان فيها وليس المقصود الذوات المجردة، وأخرج السحرة والكهنة في التعريف وذلك بكلمة علوية، أي تملك تصرفها وليس العكس، كما أخرج الديانات التي لا تؤمن بمبدأ الألوهية مثل بعض فلسفات الشرق. اقرأ أيضًا: 3 روايات تطرح تجربة الاقتراب من الموت.

 

 

نخلص إلى أن الدين خضوع طوعي اختياري ممزوج بالمحبة والإجلال، قوي يملأ النفس أملاً، يدفعها للسعي وبذل الفعل وليس خضوعاً جبرياً عاجزاً يائسًا.

 

 

في البحث الثاني انتقل دراز إلى علاقة الدين بأنواع الثقافة والتهذيب المتداخلة مع الأديان؛ حيث أفرد مساحة لعلاقة الدين والأخلاق وتناولها من جانبيها النظري التجريدي والذي يدرس العلاقة كما يجب أن تكون، والجانب الواقعي العملي وهو الجانب الذي عليه كانت. من الناحية النظرية وصفهما كشجرتان متجاورتان منفصلتان نشأةً، ما تلبث أغصانهما أن تتشابك، أما من المنظور العملي فهو لا يرى صلة بينهما؛ فمن الناحية الفردية يبدأ النزوع الأخلاقي أولا مع عمر التمييز، بينما النزوع الديني التأملي يأتي لاحقًا، وإذا أخذنا الناحية الاجتماعية للأخلاق؛ فلا تستوي عند قاعدة معينة، فبعض الديانات ليس لها دور وينطوي المتدين على نفسه وبعض المجتمعات قوام أخلاقها؛ والخلاصة أن الدين والأخلاق لا يكون بينهما إلاّ تشابه موضوعي مع اختلاف البواعث والأهداف. اقرأ أيضًا: كيف تحوّل القراءة وقودًا للكتابة؟

 

 

في البحث الثاني يطرح العلاقة بين الدين والفلسفة، وينتقد مقولات أن الفلسفة إجمالاً تعتمد على البرهان العقلي، موضحاً أن بينها تناقض وتعارض، والحق المطلق يؤيد بعضه بعضًا.

 

 

يرى دراز أن بعض المذاهب الفلسفية تتباين تمامًا مع الدين خاصة المادية منها، وبعضها يتوافق في بعض الجوانب؛ في نهاية التحليلات يخلص إلى إن غاية الفلسفة نظرية حتى في قسمها العملي وغاية الدين حكمة عملية حتى في جانبه النظري وأقصى مطالب الفلسفة المعرفة دون تحديد موقف، أما الدين فغايته الإيمان ومعرفة الواجب للعمل به وإكمال النفوس بتحقيقه. اقرأ أيضًا: البحر الأبيض المتوسط في الأدب.

 

 

الجانب الأخير في هذا البحث يطرح علاقة الدين بسائر العلوم، والذي بعد استعراض وتحليل الصدامات التاريخية بينهما يصل إلى إنه إذا كان الدين حقاً والعلم حقاً وجب أن يتصادقا ويتناصرا، أما إذا تكاذبا وتخاذلا فإن أحدهما لا محالة يكون باطلاً وضلالًا.

 

 

اهتم دراز في البحث الثالث بنزعة التدين ومدى أصالتها في الفطرة، مستعرضًا ماضيها، سائرًا عبر منبعها في نفوس الأفراد ودورها في المجتمع، وصولاً إلى مستقبلها وكيف تكون أمام تحديات التقدم الفكري والعلمي.

 

البحث الرابع أكثرها إثارة؛ إذ يتناول نشأة العقيدة الألوهية حيث سرد كل المذاهب الطبيعية بشعبيتها الطبيعية والطبيعية الشاذة العنيفة والمذاهب الروحية والنفسية والأخلاقية والاجتماعية، في صورة موسوعية جميلة، وأجملها ختامًا في أنها تشترك في نظرتها لنشأة العقيدة الإلهية بأن الإنسان وصل إليها بنفسه عن طريق عوامل إنسانية، سواء أكانت تلك العوامل من نوع الملاحظات الفردية أم من التأثيرات والضرورات الاجتماعية اللاشعورية، وفي الطرف المقابل استعرض المذهب التعليمي الذي يقول بأن الأديان لم يسر إليها الإنسان، بل سارت هي إليه، وإن الناس لم يعرفوا ربهم بنور العقل بل بنور الوحي.

 

 

الختام هو البحث الخامس، والذي هو بحث أعده الدكتور للمشاركة في الندوة العالمية للأديان، وفيه تناول موقف الإسلام من الأديان الأخرى وعلاقته بها؛ الأديان هنا يعني بها الأديان السماوية.

 

يرى دراز أنه لا يجوز السؤال عن علاقة الشيء بنفسه، مستند إلى القران، مستعرض الآيات التي أجمعت على أن دين كل أنبياء الله هو الاسلام، الذي عرّفه بأنه التوجه إلى الله رب العالمين في خضوع خالص لا يشوبه شرك وفي إيمان واثق مطمئن بكل ماجاء من عنده على أيّ لسان في أيّ زمان أو مكان، دون تمرد على حكمه ودون تمييز شخصي أو طائفي أو عنصري بين كتاب وكتاب، أو بين رسول ورسول.

 

 

يختم الكتاب بالحديث عن العلاقة بين الإسلام بكونه الرسالة المحمدية وعلاقته مع اليهودية والمسيحية، وذلك بالنظر إلى التشريع من خلالها؛ حيث نجد أن كل شريعة حافظت على الأسس الثابتة من السابقة وزادت عليها ما شاء الله زيادته؛ فهكذا هي الخطوات متصاعدة واللبنات متراكمة في بنيان الدين والأخلاق وسياسة المجتمع، وكانت مهمة اللبنة الأخيرة أن أكملت البنيان وملأت الفراغ؛ موضحاً أن علاقة الإسلام هي مثل اليد الممدودة لمصافحة أتباع كل ملة ونحلة في سبيل التعاون على إقامة العدل ونشر الأمن وصيانة الدماء أن تسفك وحماية الحرمات أن تنتهك.

 

 

تجدر الإشارة إلى أن أسلوب الكتاب بديع من حيث البلاغة اللغوية ومن حيث مبدأ التعليم التحليلي لا التلقيني.

 

 

اقرأ أيضًا:

انقلاب المعبد؛ استفهام الثابت وتفكيك المتغيّر

هل يمكنك أن تصنع قصة قصيرة من عناوين الكتب؟

موت الكلاسيكيات: لماذا يندثر الأدب؟

مذهلات توجب قراءة "الحب في زمن الكوليرا"