غسان كنفاني وما تبقى لنا

 

يحدث أن نردد عبارة معينة علقت في أرواحنا لكن أن نردد كتابًا كاملًا عمرًا بأكمله!

يقولون للكتب أرواح، أؤمن بذلك، لهذا الكتاب الصّغير روح تقف عند قلبي ولا تغادرني؛ هذا الكتاب رفيقي منذ أن وقعت عيناي عليه قبل أكثر من 20 عامًا؛ صوت ضميري في الحياة. كنت دائمًا أعي ضمنًا أنني عارية؛ أستوعب الحياة شهيقًا، تاركةً لغيري أن تكون لهم شهيقًا وزفيرًا. تسربت روح غسان من خلال الرّسائل  الى روحي وجعلتني إنسانة مختلفة؛ تركت في نفسي أثرًا لم يُمحى بمرور الأيام. لقلمه دائمًا وقع خاص سواء في رواياته أو قصصه أو رسائل عشقه؛ فهو الذي جعل برتقال فلسطين عنوانًا لألم له مذاق القهر، وحده عرف كيف يطرق جدران الخزان، وكيف يصيغ وجعه بلوعة المبعد عن وطنه و المبعد عن عشقه. وحده قادر على أن يرغمنا أن نقرأ بكلّ حواسنا في عالم ليس لنا.

 

"وكيف حال أسامة؟ علميه أن الزيف هو جواز المرور الأكثر حسماً، وأن الدنيا هراء يكسب فيها من ينزلق على سطحها، لا تروي له أبداً أبداً قصة خاله الذي أراد ذات يوم أن يصنع الحياة بمشرط جارح، إن الحياة أقل تعقيداً وينبغي أن تكون أكثر بساطة. إن الحياة مثل هضبة الجليد لا يستطيع أن يسير عليها من أراد أن يغرس نفسه فيها. الانزلاق هو الحل وهو الاحتيال الأمثل؛ علّميه أن لا ينتظر ثلاثين سنة ليرتكب أخطاء خاله التعيس، وأن لا يتوقع شيئاً."

 

أعرف أنها كانت حياتك الخاصة يا غسان، لكن كيف يحبُّ رجل أهدى روحه لوطنه وذهب بحبه حتى الشهادة، لأنّ "هناك رجال لا يمكن قتلهم إلّا من الدّاخل". تجربة رهيبة قراءة هذه الرسائل تكاد أن تسمع فيها لهاث الشهيد؛ "ثمة دموع عميقة أخذت تشق طريقها إلى فوق".

"إنني أعود إليك مثلما يعود اليتيم إلى ملجأه الوحيد، وسأظل أعود: أعطيكِ رأسي المبتل لتجففيه بعد أن اختار الشقي أن يسير تحت المزاريب."

هنا خلاصة الروح الإنسانية النّقية؛ كلمات نعرفها: أوجاعنا، بشريتنا، نقائصنا، خوفنا، غضبنا، غيرتنا وعشقنا؛ كل الأمور التي نخجل أن نبوح بها  كانت إكليل غار يزيّن روحك يا غسان، فكان كل ما خطته يداك؛ الكلمة الحق و الرّجل الذي يصنعها. غسان الكاتب والفنان والمناضل والعاشق الثائر. وغسان الشهيد الذي تناثر جسده شظايا لتقول لنا أم سعد؛ " اسمع أنا أعرف أن سعدًا سيخرج من الحبس، الحبس كلّه"؛ يا غسان الحبس كلّه!

هنا رجل أحبَّ كما ينبغي؛ كشهيد يعرف أن الموت قادم لا محالة؛ "أنتِ في جلدي، وأحسكِ مثلما أحس فلسطين: ضياعها كارثة بلا أي بديل."

هل أحبُّ فلسطين لأني أحبك؟ أم أحبك لأني أحبّ فلسطين؟ و هل أنت إلا الوطن، كل الأوطان يا غسان. نعم أؤمن بك الى هذا الحدّ؛ لجمال روحك، لنبل قلبك، لجهادك، لعشقك، لصدق قلمك، لاستشهادك.

 

"إنني أشعر أكثر من أي وقت مضى أن كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه لغياب السلاح، وأنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه، وذلك كله يشعرني بغربة تشبه الموت، وبسعادة المحتضر بعد طول إيمان وعذاب، ولكن أيضاً بذل من طراز صاعق."

 

والآن حين أقرأ كلماتك أسمع دويّ الانفجار في صدقها و أرى دمك يسيل بين السطور؛ أنت الذي تكتب بمشرط جارح حكايات معتقة بعبق برتقال فلسطين الحزين، بصبر أم سعد وبعشق الشهيد؛ لهذا أعشقك يا غسان، أعشق من تطابق كلماته حقيقته. لحبرك وحده زخم الدّم وصدق الدّم وقيمة الدّم.

 

"ازرعوهم شهدائنا في رحم هذا التراب المثخن بالنزيف ، دائما هناك متسع لشهيد آخر".

 

عبثًا أحاول يا غسان؛ نحن نكتب جنائز حروف عارية، في الأدب نحاول أن نزينها زخارف نبحث عنها في جذور البلاغة، وحدك كنت تدرك الفكرة فزرعتها صدقًا على صفحات الأدب وسقيتها دمك. إن البياض أمامي كبير، وسأعجز دائما عن الكتابة عمّن علمنا كيف يكون للكلمات روح خالدة.

"تَراها برعمت الدالية يا ابن العم، برعمت" داليتك يا شهيد!

 

 

اقرأ أيضًا: 

"الطنطورية" حكاية فلسطين التي تسكننا

قراءة في الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النّحس المتشائل

أدب الانتفاضة