قراءة في كتاب "نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي"

 

يشكل الكتاب قراءة معاصرة لجوانب من التراث الفلسفي، تطمح لتقديم صورة عامة عن وضعية الفلسفة الإسلامية وتاريخها.

 

عمدت هذه القراءة إلى جعل المقروء معاصرًا لنفسه (أي فصله عنا) من جهة، ومعاصرًا لنا (أي وصله بنا) من جهة أخرى.

 

وقد انتقد الجابري مجموعة من قراءات التراث المتسمة بالسلفية والمستعيدة لأيديولوجيات سابقة، إذ اعتبرها مفتقدة لموضوعية المنهج والرؤية التاريخية.

 

 

يركن الجابري لمنهج ورؤية يخولان له تعبئة هذه القراءة حيث "القطيعة الابستمولوجية"؛ أي التخلي عن الفهم التراثي للتراث والأساليب المعتمدة لتشكيل الفهم والعقل وفصل الذات عن الموضوع ثم وصل القارئ بالمقروء [عبر الحدس الاستشرافي الذي يقوم على أساس رياضي يستكشف المسار ويستبق النتائج ويمكّن من قراءة ما سكت عنه المقروء] من الناحية المنهجية، أما الرؤية فستتكون من وحدة الفكر والاشكالية، تاريخية الفكر [أي التمييز بين المضمون الأيديولوجي والبنية المعرفية]، ثم سؤال امتداد الفلسفة الإسلامية لفلسفات أخرى، خاصة اليونانية. هذه العناصر تشكل المقاربة المنهجية لتناول هذه القراءة التراثية.
صحيح أن الكتاب عبارة عن دراسات متفرقة، إلّا أنها تخضع لزوايا منهجية تصب في نفس الاتجاه. وهذا مايتضح في العلاقة بين دراسة وأخرى وكذا الامتدادات الضرورية للفهم بينها.

 

 

قبل الحديث عن محتوى الكتاب الذي توزع بين المدرسة الفلسفية المشرقية [فلسفة الفارابي وابن سينا] ومدرسة المغرب والأندلس [ابن باجة، ابن رشد، ابن خلدون] قدّم المؤلف محورًا عنونه بالخلاصات والآفاق، والذي نراه كعائق منهجي -رغم التبرير المقدم- لقراءة الكتاب .

 

 

بدأ الجابري بقراءة جديدة لفلسفة الفارابي "السياسية والدينية"، وأكد أنها لا تأخذ مسارها الصحيح إلا بقراءة ما قرأه الفارابي وبالشكل الذي قرأ به، كما تجاوز النظرة الغربية الأوروبية في المقاربة. ليخلص إلى أنها تهدف إلى التوفيق بين الدين والفلسفة استجابة للنقاش العام في عصره، و تأسيسًا لمدينته الفاضلة؛ حيث يسود العقل والتحكم في السلطات بغرض فكرة التوحيد السياسي، الفكري والاجتماعي.

 

 

أما فلسفة ابن سينا المشرقية فتوخى فيها قراءة مباشرة وغير مباشرة بهدف الكشف عن المضمون الأيديولوجي {هنا تكمن الفلسفة حسبه}، وخلص إلى أن الفيلسوف "الشيخ الرئيس" هو أكبر مكرس للفكر الغيبي الظلامي الخرافي في الإسلام، وإلى أن فلسفته تحركها نزعة عصبية وأيديولوجيا قومية تؤسس لاتجاه روحاني لا عقلاني، يعبر عن الفكر الإسماعيلي عبر رسائل إخوان الصفا. بل لم يكن مقتنعًا بما كان يكتب ويتنافى مع سلوكاته العملية، وهذا ما تبين للجابري في القراءة غير المباشرة.

 

 

 

أما لحظة ظهور الفلسفة في المغرب والأندلس، فقد جاءت نتيجة تطور العلوم عبر مرحلتين؛ مرحلة الطب والرياضيات ومرحلة الفلسفة والمنطق، ثم بزوغ الفيلسوف ابن باجة الذي عني بالعلم الطبيعي والإلهي، فتميزت فلسفته بالعلمية والعقلانية والتحرر من قيود السياسة ومن إشكالية التوفيق بين الدين والفلسفة إلى إشكالية التوفيق بين العلم والفلسفة .

 

عبر الكاتب عن أصل هذا الفيلسوف عبر ابن رشد لاحقًا، من ناحية التفسير الأرسطي المنسجم مع النظرة العلمية (عكس أرسطو الشرق) وكذلك من جانب استثنائية رسالة تدبير المتوحد، والتي قدم عنها قراءة توصّل فيها لإطار منهجي، محتوى معرفي، مضمون فلسفي ثم تميزها بوحدة الأيديولوجي والابستمولوجي؛ أي انسجام البنية المعرفية مع تطلعات عصره .

 

 

قبل أن يقدم الجابري مشروع قراءة جديدة لفلسفة ابن رشد و للإبستمولوجية الخلدونية عرج على مجموعة من العناصر التي تؤكد استقلالية كل مدرسة على حدة رغم شعار "الفلسفة الإسلامية" الذي يجمعها، ونذكر منها تأثر المدرسة الفلسفية في المغرب والأندلس بالثورة الثقافية والحركة الاصلاحية التي قادها ابن تومرت، هذه الحركة المنادية بقراءة الأصول في حين كانت المدرسة المشرقية تستمد أفكارها من بعض المدارس السريالية القديمة (حران)، كما يختلف التفسير والشرح الأرسطي.

 

 

كما كانت وحدة المنهج (حسب ابن رشد) الكامنة في طريقة المتكلمين؛ {أساسها قياس الشاهد على الغائب = محل انتقاد لأنه لا يمكن قياس عالم الغيب على عالم الشهادة} سبيلًا لبناء الفكر النظري في المشرق، وبرز هناك مشكل التوحيد والتعميم، ووحدة السلطة واستمرارية الدولة لغرض دمج الدين في الفلسفة، في وقت كان عنوان الفلسفة في المغرب والأندلس الفصل بين الأخيرين لإنقاذ كل واحد منهما.

 

 

يسجل الجابري أن فلسفة ابن رشد "فلسفة أكسيومية"؛ ترجع إطاراتها الفكرية للأصل. كما أن إعجاب هذا الأخير بأرسطو (ليس أرسطو المشرق)، لا يدل دائمًا على تأييده، وإنما على وحدة الهدف والغاية المشتركة؛ وهي البحث عن الحقيقة {ابن رشد على وعي تام بأن الأسس و المبادئ التي استند إليها أرسطو تنافي وتعارض عقيدته}، كما قدم نظرية التأويل من حيث لبانتها وشروطها.

 

يمكن أن نخلص إلى أن فيلسوف قرطبة احتفظ للدين والفلسفة باستقلاليتهما، ولم يقبل أن يجعل أحدهما بديلًا عن الآخر. أما مسألة العقلانية؛ فالمشرق تسوده عقلانية صوفية تأملية، تأسست على أساس نظرية الفيض، أما بالنسبة للمغرب و الأندلس؛ فقد كانت رسلة تدبير المتوحد نموذج ومنتوج لوضعية فيلسوف عقلاني، قبل أن يظهر ابن رشد بفلسفته الواقعية العقلانية القاطعة مع أفكار المدرسة الأولى، سواء في الفصل بين الدين والفلسفة، أو في النظرة الأكسيومية، أو في الاتجاه المستقبلي الذي استشفه من اسبينوزا.

 

 

لحظة ابن خلدون، مع المقدمة تحديدًا، جاءت لتأسس لعلم جديد يرتفع من الفن (السرد، القصة والرواية) إلى العلم (البرهان والاستدلال)؛ حيث يعتمد على جهازي العقل والنفس.

 

 

تميزت ابستمولوجية ابن خلدون بالمعقول والامعقول في اتجاه تحركها لتحرير العقل من اللاعقل، والعقلانية من المثالي تجاه الوضعي، ثم حصر العلوم العقلية ضمن إطار القابيلية للتحقيق بالحس والتجربة، وحصر العلوم النقلية ضمن إطار إلحاق الفروع بالأصول، كما لعبت دورًا نقديًا للعلوم المعاصرة لها، التي مزجت بين المعقول واللامعقول في دائرة المعارف التاريخية.

 

 

أما قراءة الجابري النقدية للخلدونية، فتستدعي الجوانب السياسية والاجتماعية والفلسفية التي كشفت أن ابن خلدون قرأ التاريخ لذاته؛ لاستنطاق حوادثه والاستعانة بذلك الفهم للحاضر لا لغرض آخر، كما أكدت على عدمية جدوى منهج الأقدمين (الجرح والتعديل) في قراءة التاريخ .

 

 

ليخلص إلى أن ما تبقى من الخلدونية هو الطموح العلمي {من الذاتي للموضوعي ومن الأيديولوجي للعلمي}، والعوائق الابستمولوجية المتمثلة في تفسير الظاهرة العمرانية ككل؛ الخلط بين العمران والتاريخ وإنشاء علم جديد بمفاهيم قديمة.

 

 

 

الكتاب قيّم يطرح ويسائل التراث الفلسفي في مناهجه ومعارفه ومذاهبه المختلفة والمتباينة.

 

لا بدّ أن أذكر –ختامًا- أنني تعمدت إغفال الكثير من التفاصيل في هذه القراءة المتواضعة.