"كان فيما كان" في كلّ زمان

 

 

"كان فيما كان" في كل زمان، مطلع القرن التاسع عشر، أن نشر جاكوب وفيلهلم غريم (الأخوة غريم)، حكاياتهما الخرافية التي جمعاها لرغبتهما في إحياء التراث الشعبي لألمانيا لتنتشر بعد ذلك هذه القصص التي لا تزال حاضرة بعد قرنين، وإن كانت قد أدخل عليها الكثير من التعديلات وحذفت تفاصيل منها، إلا أننا من النادر أن نجد طفلًا لا يعرف حذاء سندريلا الكرستالي واليقطينة التي تحولت إلى عربة صحبتها للحفلة في القصر الملكي وبالتأكيد قصة بياض الثلج والأقزام السبعة، عقلة الأصبع، الأميرة النائمة، الأمير الضفدع، الذئب والصغار السبعة وغيرها الكثير من الحكايات التي كانت وما زالت حاضرة في ذاكرة الطفولة.

 

 

 

كان الأخوان غريم أكاديميّين ولغويين وباحِثين ثقافيّيَن، كثير من الأفلام التي نعرفها ونشاهدها اليوم كانت نتاج إبداعهما، من هانسل وغريتل، رامبيل ستيلتسكين، ذات الرداء الأحمر وحتى رابونزل.

 

 

حكايات الأخوة غريم لم يقتصر تأثيرها على ألمانيا، بل يمكن القول أنها لم تعد تراثها وحدها، بل تراث يتشارك العالم به؛ فبعد ترجمة هذه الحكايات لأكثر من 100 لغة لتصبح عاملًا مشتركًا بين الأطفال، وحتى لأولئك الذين لم يقرؤوا شيئًا من تلك الحكايات فقد أثرت والت ديزني التي شكلت عالم الطفولة بالنسبة لهم، بأفلامها المقتبسة من هذه الحكايات بحياتهم وطريقة تفكيرهم.

 

 

لنقل اذاً أن هذه الحكايات صارت لغة مشتركة بين أطفال لا تجمعهم لغة ولا بيئة، وينتمون لثقافات مختلفة ومتباعدة، وإن كانت كل لغة وثقافة قد أضافت بدورها جزءًا منها وجانبًا من شخصية الشعب لتلك القصص، لكن ظلت الحدود الرئيسية للحكايات حاضرة لتغرس فينا  قيمًا ومفاهيم تتشابه في جوهرها، وتمنح للطفولة ذات الملامح على اختلاف الانتماءات.

 

 

 

ولكوننا دخلنا العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين؛ لا بد للحكايات أن تتأثر شأنها شأن سائر مجالات حياتنا، فقد تطور العالم وغلب عليه الاهتمام بالتكنولوجيا والعلوم بشتى مجالاتها، فصارت قصص الأطفال تحاكي نفس الاهتمامات، لتحكي عن حواسيب ذكية، غزو مخلوقات فضائية، اكتشاف كواكب، تجارب على البشر لاستنساخهم وغيرها؛ فقل بالتالي حضور حكايات الأخوة غريم بدرجة كبيرة، ومع أنه من الطبيعي أن تماشي قصص الأطفال الواقع وتمثله، إلا أنه لا يزال الأطفال بحاجة لبراءة تلك الحكايات لما تقدمه من حكم وعبر.

 

 

لقد فقدت عوالم الطفولة الكثير لغياب سندريلا وهانسيل وغريتل وغيرهم، فقدت التواصل مع طفولة الأجيال السابقة.