كيف تقاطعت القراءة مع الأكل عبر التاريخ؟

 

 

عندما يقدِم صحفيّ في جريدة الجارديان على وصف قيام حكام جائزة بوكر الأدبية بإمضاء صيفهم في "التهام رواية بعد رواية" ليتمّ في النهاية تتويج 13 رواية لترشيحات الجائزة، فإن هذا ليس شيئًا غريبًا.

لغة الأكل طالما جرى استخدامها لوصف عادات القراءة، وإذا حاولت شرح المصطلح، يمكن القول بأن التهام الكتب هو شيء إيجابي؛ فهو يدل على تقدير عميق من جهة القارئ ويوحي بأن الكتب نفسها ممتعة ولذيذة، كالمعجنات الدافئة مثلًا.

 

 

مع هذا، فإن هذا المصطلح لم يكن دومًا بهذه الإيجابية؛ قبل 200 سنة، كان اتهام شخص بالتهام كتاب يعتبر فعل ذم أخلاقي. العلاقة الطويلة المضطربة بين القراءة والأكل خفية عن الأعين الحديثة، لكن في حضارتنا المنتقعة بوسائط الإعلام، فإنها وثيقة الصلة. لغة الالتهام تعطي قيمة مثالية لأحد أنواع القراءة على حساب الأنواع الأخرى. اقرأ أيضًا: ميتتان لرجل واحد؛ الرجل الذي رفض ميتة القبر.

 

 

لآلاف السنين، عكست صلة القراءة بالأكل مركزية الأخير للسلطة الاجتماعية. أحد أقدم صور القراءة كانت في الإنجيل: حزقيال ويوحنا مثلًا، في دوريهما كوسائل إلهام، كانا يأكلان المخطوطات خلال الرؤى الإلهية، هذه الفكرة عن القارئ كوسيط للمعرفة كان لها صدى ثقافي واسع، خاصة في المجتمعات شبه الأمية، أولئك مع مهارات تحليل النصوص احتلوا مراكز سلطة مميزة.

 

 

قراء/ علماء النهضة كوّنوا قناعة بأن القراءة ليست كلها متساوية، ورغم تمييز أنواع القراءة من خلال الصور المجازية للطعام؛ مثل عبرة فرانسيس بيكون عن كيف يجب أن "تتذوق بعض الكتب وتبتلع البعض الآخر"، إلا أنها ميزت أولًا بين أنواع القرّاء. هذا الإدراك الأثري للأهمية الاجتماعية للقراءة أصبح الآن واجبًا أخلاقيًا للاستجابة جيدًا للنص.

 

 

القراءة السيئة في القرن السابع عشر كانت مثل عسر الهضم: ممارسات قراءة سطحية، تدريجية أو ثقيلة، كان يعتقد بأنها تؤثر على الشخصية، المحادثات، والصحة. مسرحية بين جونسون "شعرور" (1601) توفر مثالًا تصويريًا على ذلك؛ في ذروة الحبكة، كان شبه الشاعر كريسبينوس يتقيئ تعابيره المستحدثة المتغطرسة، كاشفًا أن قرائته كانت خام ومتسرعة. يقول جونسون:

 

 

أن الكتاب الطامحون يجب عليهم أن يقرؤوا: "لا كمخلوق يبتلع ما يستقبل، قراءة خام، ساذجة أو غير مهضومة، بل كمخلوق يتغذى بشهية ولديه معدة تستطيع إعداد، تقسيم وتحويل كل ما يقرأ إلى قوت"

 

 

لغة "التغذية" هذه تأخذ بعدًا أخلاقيًا عند ارتباطها بالمسيحية "القابلة للأكل"؛ يقول جونسون أن القراءة إذا بقيت غير مهضومة فإنها تسد نظام الشخص الروحاني، عمله يظهر كيف أن خطاب القراءة/الأكل أصبح دليلًا بلاغيًا لمزاعم التميّز الأدبي، الاجتماعي أو الديني. اقرأ أيضًا: نماذج من فكر مالك بن نبي في "مشكلات الحضارة".

 

 

في القرن الثامن عشر، بدأ الكتّاب بالتمييز بين الشهية (الصلة بين القراءة والجسد) والذوق (الصلة بين القراءة والعقل). الفلسفة الهوبسية صورت الإنسانية كمزبلة شهية غير محكومة، وثقافة بلاط مرحلة الاسترداد جعلت الحيز الجسدي يبدو فظًا.

 

 

مقابل هذه القوى، فإن الخطاب المتمدن عن الذوق أصبح منظمًا؛ إذ تمت إعادة تخيّل رغبة القراءة الملائمة كمسألة ذوق. القراءة الجيدة أصبحت نشاطًا معقمًا، شائعًا في المجتمعات المؤدبة. أولئك الذين اشتهوا، ابتلعوا والتهموا النصوص أصبحوا بشكل ضمني سوقيين.

 

 

الروايات خصوصًا ارتبطت بعادات الاستهلاك هذه، لأنها أصبحت رمزًا للسوق الأدبي الذي أصبح متاحًا للجميع. وصفهم المعلقون بأنهم يغذّون شهيات ضارة. وفي نفس الوقت، ارتبط بعض القراء بعادات تشرّب الروايات، النساء خصوصًا. وصف قراءة النساء بالاستهلاك كانت طريقة لتشويه سمعتهنّ لأنها وضعتهنّ في موضع ضعف، جهل وعدوى أخلاقية. المجازات الذوقية كثيرًا ما لمّحت أن النساء يقرأن تبعًا للجسد، بعكس الحيز الروحي للرجولة. اقرأ أيضًا: إرث ملعون: فريدريك سبوتس عن كلاوس مان.

 

 

لكن لغة الهضم حافظت على منصب إيجابي؛ الكتيبات التعليمية، المقالات وكتب النصائح حرضت "الهضم" ضد "الالتهام" لإبطاء عادات القراءة السريعة للعالم الحديث، وإعادة ترتيب القراءة مع عملية بناء الشخصية. حذّر أيزاك واتس في كتابه "تحسين العقل" من هذا قائلًا:

 

"القراء قد يودون إتخام أنفسهم، عبثًا، بالطعام الثقافي ... لرغبتهم في هضمه بتأملات جديرة"

 

 

هذا التمييز سمح للكتّاب بوضع القراءة الهضمية موضع المثال الأخلاقيّ، واستنكار القراءة الالتهامية باعتبارها تلذذية وبلا تفكير.

 

لكن، فيما بعد، ماذا حدث لهذا التباين؟

مع أنه استمر لقرون طويلة كطريقة تفكير عن القراءة، إلا أن اعتبارات العالم الحديث طغت عليه؛ هاجم معلقو القرن العشرين هذا التمييز الاجتماعي الخاص بلغة الاستهلاك؛ "القراءة ليست أكلا" (1986) لجانيس رادواي كشفت المواقف النخبوية تجاه قراء الكتب الرومانسية الشعبية، مظهرةً كيف يمكن للمجازات بناء أحكام مسبقة معاصرة.

 

هذا التضاد بين الهضم والالتهام أصبح غير رائج ومشحون بالمضامين غير المقبولة سياسيًا بعد الثمانينات من القرن الماضي.

 

هذا الشحن والاحتقار اتجاه القراءة الشعبية سرعان ما صادف ظاهرة أخرى: الخوف من خسارة هذه الشريحة لفعاليتها الثقافية؛ لذا تم إعادة تأهيل لغة القراءة كالتهام بطريقة إيجابية، استردت كلمة الالتهام مدلولاتها الأساسية التي طالما رمزت لها. في عالم يتنافس فيه فيسبوك، واتساب ونيتفليكس على انتباهنا فأي اهتمام في القراءة أو التهام لها يجب أن يُشجع مهما كلف الأمر. اقرأ أيضًا: كيف تختار كتابك القادم؟

 

 

من سخرية القدر أننا نميل تجاه تصديق أن أي نوع من القراءة الجيدة يعزز افتراضات جديدة عن مضامين القراءة الجيدة؛ الالتهام يوحي بنسق معين، ويرقي تجربة القراءة سريعة الخطى، كما أنه يشجع نوع كتابة تشبه وصف الجارديان للجنة جائزة بوكر.

 

إذا استحوذ كتاب علينا وسحبنا مثل أحد أفلام هوليوود فإنه يؤدي "وظيفته"؛ أي عمل يثير شعورًا أبطأ أو تجربة قراءة مجترة، يعتبر معطوبًا، أي استراتيجية قراءة تخلّ بدرب التشويق الذي يدفعك لقلب الصفحات، يتم نبذها.

 

لغة الماضي للقراءة تحتوي على شيء ثمين يجب حفظه، وحتى الاحتفاء به في وقتنا الحاضر؛ لقرون عبّر هذا التباين الغنيّ لثنائية القراءة- الأكل عن قناعة مفادها أن أنواع القراءة المختلفة مهمة، وهذه القناعة ستفيدنا في عالم مشبع بوسائل الإعلام. اقرأ أيضًا: خطاب تسلّم إرنست همنغواي جائزة نوبل.

 

"القراءة فقط" ليست جيدة بشكل كاف، يجب علينا إعادة إحياء تنوع القراءة؛ لغة الهضم شجعت عادات قراءة أبطأ وذكرتنا بالانتباه إلى الطرق البارعة التي وضع بها الكتاب نصوصهم، للتفكير قبل الإسراف في الصفحات.

 

 

المقال مترجم، لقراءة النص الأصلي اضغط هنا.

 

 

اقرأ أيضًا: 

القراءة السريعة: كيف تضاعف سرعتك في القراءة؟

قراءة في مذكرات "أتغير" لليف أولمن

4 كتب تغذوية تحتاجها لصحة أفضل

لماذا عليك أن تقرأ المزيد من الروايات؟