كيف جعلت جاين فونيجت من زوجها كورت فونيجت كاتبًا؟

ترعرعت جاين فونيجت مع كورت، وتزوجا عام 1945 بعد عودة كورت من المسرح الأوروبي.

في سن الثانية والعشرين لم يعي كورت ما يفعله ولم يدرك إلى أين تتجه حياته. في خريف 1945، عاد من أوروبا بعد أن نجا من القنابل الحارقة لدريسدن (شرق ألمانيا) بينما كان أسير حرب. وقد قام باقناع حب حياته، جاين كوكس، بالزواج به.

 

لكن عدا عن ذلك لم يكن لديه أي أفكار إيجابية؛ كانت تسيطر عليه الأفكار السلبية فقط. لم يكن سيصبح عالمًا؛ فدرجاته المتدنية في كورنيل جعلت ذلك أمرًا مستحيلًا، ولم يكن من هواة العمل في المكاتب. في مرحلة من المراحل فكر بالالتحاق بكلية الحقوق ولكن سرعان ما تلاشت هذه الفكرة، وكان متأكدًا تمامًا أنه لن يصبح كاتبًا فهو لم يكن جيد بما فيه الكفاية.

 

كان مازال في الجيش؛ بعد حفل زفافه في الأول من أيلول 1945، وكان قد أرسل من قبل الجيش إلى فورت رايلي (قاعدة عسكرية في كانساس) حيث عمل هناك كمراسل بانتظار تسريحه المؤجل لأجل غير محدد. هذا قد منحه وقتًا وفيرًا ليفكر مليًا بمستقبله. "رجل غني، رجل فقير، رجل متسول، لص، طبيب، محام، تاجر، رئيس" كتب لعروسه في أكتوبر. وغالبا ما كتب لها عن موضوعين رئيسيين هما: شكوكه حول مستقبله المهني وحبه لها.

 

توجد نسخ لأول أحد عشر رسالة في مكتبة ليلي في جامعة اينديانا ويوجد أكثر من ذلك بكثير لدى ملكية عائلة فونيجت الخاصة. كانت جاين مسؤولة عن أرشيف العائلة وبينما كانت رسائل كورت قد حفظت، فإن رسائلها لم تحفظ.

 

لكن حتي سماع جانب كورت من الحوار (رسائلهما) لوحده كافٍ لإعطاء انطباع عن كيف جرت الأمور.

 

عرفت جاين ما يجب على زوجها فعله في حياته: عليه أن يكتب؛ يصبح كاتبًا، وقد بدا كما لو أنها جعلت مهمتها الأولى والأهم كزوجة أن تقنعه بذلك.

 

قد يكون من السهل الاطلاع علي تلك الرسائل كبرهان مؤسف على امرأة أخرى تهمّش إلى كواليس التاريخ، ولكن شغفهما واهتمام كل منهما بالآخر يوجهنا عوضًا عن ذلك إلى إعادة النظر إلى الأمور التي قد فاتتنا؛ إعادة جاين إلى القصة والتقدم بالعرفان للطرق التي ساعدت فيها بتكوين سيرة الفونيجت؛ في الحياة وعلى الورق  على حد سواء.

 

أغلب الأفكار والمواضيع التي ميزت فونيجت كانت وليدة الحوارات التي دارت بينهما، وبقيت جاين حاضرة كصوت في النص طيلة مسيرته المهنية؛ كانت حاضرة، كان ذلك فعلها هي.

تعود معرفة جاين وكورت ببعضهما بعيدًا، إلى أيام الروضة، بعيدًا جدًا لجعل كورت قادرًا أن يخبر جاين بأنها "صديقته المقربة" و لكن ربما كان تصريحه الأقل ابتذالا في 1943.

 

أسر بحبها منذ أن غادر كل منهما أنديانا بوليس للذهاب إلى الجامعة، هو ارتاد جامعة كورنيل، وهي ارتادت جامعة سوارثمور. رسائله في الجامعة وضحت خطط لحفلات منزلية ومواعيد غرامية لنهاية الأسبوع، وافتخر في رسائله بمقالاته الأسبوعية في صحيفة الجامعة (Cornell Sun)، وأحيانا يذكر أحلامه الوردية عن مستقبلة كعالم كيمياء حيوية، لكن موضوعه الأساسي كان عن مستقبلهما معًا.

 

صرح بسنته الثانية من الجامعة بأنهما سيتزوجان في عام 1945؛ راهن صديقًا له في الأخوية على ذلك، وسيكون لديهما منزل ملئ بالكتب والفن وبار مخزن بشكل جيد، وسيدعوان أصدقاء مثقفين لمنزلهم و ينخرطان بنقاشات مهمة.

كما أنهما سينجبان سبعة أولاد، وضع العدد سبعة قبل فقراته وأيضًا وقع معظم رسائله بسبعة من الحرف x حيث أن الحرف x يرمز لعناق في الإنجليزية.

 

 

كلاهما حلم بالكتابة والسفر إلى أوروبا أو المكسيك للعمل مراسل أخبار، أو الذهاب إلى هوليوود والعمل في مجال كتابة السيناريوهات، وأن يبنيا معًا بجانب بعضهما استوديوهات في حديقتهما الخلفية تكون تحفًا فنية.

"أتمنى لو كنت أستطيع الكتابة ببراعة مثلك"؛ كتب لها بعد انتهاء الحرب في رسالة بدون تاريخ، "في الوقت الحالي أنت الملحن وأنا الآلة الموسيقية؛ نتبادل الأدوار دوريًا".

 

رسائل فونيجت تجلب البهجة ومليئة بالحب والشغف والاهتمام، كما أنها مرشوشة بصور توضيحية إبداعية.

 

قام برسم رموز يين يانغ لأنها مثلهما تمثل نصفين لوحدة كاملة، مثل شخصيتي هاورد كامبل وزوجته هيلجا في كتاب كورت فونيجت "Mother Night". كان كورت وجاين أمة من اثنين؛ "سنفوز ضد أي خلطة من القوى"، فور زواجهما، بدآ يفكران بطرق لحكم هذه الأمة، التي كانت ستكون كما قررا أمة مبنية على الحب والفن والآداب العامة والسلام.

 

أعدت جاين دستورا منزليا: "لن نقدر ولن نعيش في مجتمع يكتف أيدينا وأرجلنا وليس فقط لا يؤمن في الأمور التي نؤمن بها، بل وأيضًا يلعن الإيمان بكل نفس يتنفسه عمليًا".

كان كورت واقعي أكثر فكان يطمح لمهنة في التعليم أو أن يكون مراسلًا أو يفتح مكتبة مع بار، لكن جاين كان لديها فكرة واحدة أبقتها في ذهنها بصبر وعزيمة؛ هي أن كورت سيكون كاتبًا عظيمًا. قناعتها أرعبته؛ فكتب لها في شهر أغسطس للعام 1945:

 

"تخيفينني عند قولك لي أنني سأصنع الأدب للعام 1945 متجهًا صعودًا وإلى الأمام. ملاكي،أستساندينني إذا تدهور ورجع للوراء؟"

 

جاين لم تتحفظ بمثل هذه الشكوك. اقترحت عليه كتبا ليقرئها مثل الأخوة كارمازوف والحرب والسلام، وناقشاها عبر الرسائل.

ألحت عليه أن يستغل وقت فراغه في فورت رايلي بالتفكير بالقصص. عمل من الخامسة والنصف إلى السابعة والنصف كل ليلة وأرسل جهوده إلى أندييانابوليس لجاين لتدققها وتعيد طباعتها. "أي تغيير ترينه مناسبًا للقيام به، أرجوك قومي بفعله".

 

 

 كتب عن قصته الرابعة في أكتوبر: "هذا ليس عمل فني ولكن محاولة للحصول على المال."

يظن كورت أن الكتابة مكملة لما سيعمل به في نهاية المطاف؛ فسيحتاج إلى مدخول ثابت لإعالة أبناءه السبعة، إلى جانب أنه قد لا يملك الموهبة. عندما عثرت جاين على "مرشد للمؤلفين" لإرسال بعض قصص كورت له ليعلق عليها، قلق كورت بأنه "قد لا يظن أنها قصص رائعة إلى هذه الدرجة الكبيرة بحق السماء." وكتب:

"ملاكي، رجاء أعيدي النظر إلى الترهات التي قد كتبتها لتدققي الأخطاء الإملائية والقواعدية؛ أتخيلك تقرئين بهدوء وفجأة تبدين متألمة؛ تركضين لجلب قلم لإخفاء الثقوب الصادمة في تعليم زوجك المحب عن العالم."

 

 

أربكه إيمانها به أحيانًا: "يمكنني فقط أن آمل أنني لم أصل إلى مكانة رفيعة، وأنا مستعد للعمل مثل الحمير للحصول عليها"، وفعل ذلك حقًا. بقي مصمم على إيجاد وظيفة أخرى. سواء في صحيفة أو شركة إعلانات، قال لها بإمكانه الكتابة في وقت فراغه. واعترف بقوله "أشعر بالغثيان والخوف عندما أشعر أنني مجرد خدعة وأنني فعليًا لست جيدًا، لا أريد أن أخيب ظنك أو آمالك العظيمة. لا أريد أن تحل تلك الآمال العظيمة محل الحب. لا أريد أن يصبح النجاح هو الموقد لذلك الحب، لأن بهذا سيكون الفشل نهايته."

 

 

في نوفمبر 1945، كتب لجاين بموجة من الحماسة. لقد كان يقرأ قسم الشؤون الخارجية في نيوزويك (Newsweek) عندما أدرك شيئًا:

"كل ما أفاد به الصحفيون من قلب أوروبا موجه لي، بفضل يسوع، كنت هناك. هذا كان أنا. كنت هناك". هذه اللحظة المذهلة لرواية "Slaughterhouse-Five" كانت قوة دفع للكتاب بأكمله، تجربته في الحرب كانت تصرخ لتكون مكتوبة. قال لها أنه يحاول أن يتذكر كل شيء كان قد حدث له. وقال أنه سوف يكتب عن ذلك. ولكن شيئًا واحدًا كان واضحًا: "أنا لن أقدر على القيام بذلك دون مساعدتك".

 

 

في الأسبوع الذي يليه و بنبرة أكثر هدوءًا، أعرب عن قناعته الجديدة وكتب مسترجعًا موضوعه القديم: "رجل غني، رجل فقير، رجل متسول، لص، طبيب، محام، تاجر، رئيس؟ بسبب حبك لي قد تخطيت جميع مقاييس الشجاعة التي لن تأتي لي أبدًا بطريقة أخرى. أنت قد منحتني الشجاعة لأقرر أن أكون كاتبًا، وهذا قرار مهم في حياتي. بغض النظر عما سيكتب على قبري، كان سيكون هدفي الشخصي الوحيد أن أصبح كاتبًا."

 

في رسائله لزوجته، كورت تخلص من مخاوفه وشكر تأثيرها الإيجابي عليه.

 

 

ستظل جاين هي مصدر ثقته بنفسه للخمسة وعشرين سنة القادمة. "أنت تسألينني أسئلة أحب الإجابة عليها"، قال لها كورت. ففي رسائله لجاين تفكر بطبيعة الوقت ومخاطر العلم وفي وجود أو عدم وجود الخالق. "أعظم رجل على الإطلاق سيكون المخترع للإله الحقيقي و يقدم للعالم كتاب فيه تعاليم الإله"، كتب لها في 1945. "إنجيل مكتوب في مشفى مجانين قد يكون الإجابة". يصعب تخيل ملخص أفضل للبوكونونيزم (Bokononism) و هو دين مزيف (خيالي) يفسره أكثر في روايته "Cat’s Cradle".

 

 

في روايته الأخيرة شبه السيرة ذاتية  "Timequake" المنشورة عام 1997، تفطن فونيجت بأن جاين سلمت نظرية مثيرة للجدل عندما كانت في Swarthmore، وألحت على أن: "كل ما يمكن تعلمه من التاريخ هو أن التاريخ غير منطقي بتاتًا لذا ادرسوا شيئًا عدا التاريخ، الموسيقى مثلًا".

 

كان يضع لمساته الأخيرة على رواية "Slaughterhouse-Five" حيث يستيقظ بيلي بيلجرم من نومه ليجد أن الحرب قد انتهت. تجول بيلي وأصدقاؤه في الهواء الطلق في يوم ربيع بديع. العصافير زقزقت وغرد عصفور لبيلي، "صيو- صيو-صيو؟" في الوقت ذاته الذي قالت فيه جاين، لا يوجد معنى مأخوذ من مجزرة، من القتل بكم هائل. الشيء الوحيد الذي بقي علينا فعله هو الاستماع لتغريد العصافير. وكما ينصح الأب زوزيما في "الأخوة كارامازوف" -رواية جاين المفضلة وإحدى روايات كورت المفضلة- هو طلب السماح منهم.

 

 

وكما اتضح، فشل كورت لم يكن السبب في موت حبهما، بل كان نجاحه هو السبب في ذلك، على الأقل، هذا ما يقترحه التسلسل الزمني. فرحيله في منتصف الستينات لللحاق بوظيفة في التعليم في جامعة آيوا (Iowa)، حيث أكمل "Slaughterhouse-Five" كان بداية نهاية زواجهما.

 

خطوته هذه لم تساعد، فمنذ عام 1958، واجه الزوجان تحديات تنظيمية ومالية، وجاء موت أخت كورت بعد أيام قليلة من موت زوجها جيم آدمز، مما اضطر جاين وكورت لتبني أبناء المتوفين الأربعة، جامعينهم مع أبنائهم الثلاثة ليصبحوا سبعة؛ عدد الأبناء الذي طالما تحدث عنها كورت في رسائله.

 

في عام 1969، بعد أن نشر كتاب "Slaughterhouse-Five" لم يعد كورت لجاين مطلقًا. وتلقت روايته التالية "Breakfast of Champions" ردود أفعال مختلفة من قبل النقاد.

مصدومًا بالتعليقات السيئة، كتب بعدها "Slapstick" التي تروي قصة أخ وأخت متغطرسين وفاقدين للسيطرة على حياتهما عندما يفترقان ولكنهما عبقريان في اتحادهما.

في مقدمة السيرة الذاتية، صرح بأن أخته المتوفية أليس كانت الشخص الذي كتب له دائمًا: "كانت هي السر لأي وحدة فنية قد حققتها. كانت هي السر لتقنيتي."

 

وكان بالتأكيد منشغل التفكير في أليس، لكنه كان يكتب عن جاين أيضًا. فقد كتب لجاين عام 1943: "أحد ميزات علاقتنا هي أنك الشخص الوحيد في العالم الذي أحب أن أكتب له. إذا سبق وكتبت أي شيء جيد أو غير جيد سأكتبه وأنا أفكر بك."

 

 

تتبع رواية "Slapstick" ما يجري لاحقًا عندما يجبر الأخوان اليزا سوين وويلبر على الافتراق حيث يكمل ويلبر حياته ويصبح رئيسًا للولايات المتحدة بينما تحبس اليزا في مصحة عقلية. وعندما التقيا للمرة الأخيرة قاما بعمل كتيب عن تنشئة الأطفال.

 

جن جنوننا، لم أعد أعلم أين توقفت واليزا بدأت، أو أين توقفنا و الكون بدأ. كان رائعًا ومروعًا. نعم اجعل هذا كمية الطاقة المتدفقة : واستمر اللهو لخمس أيام وليال طوال.

 

أخذ النقاد بكلمة فونجيت عن كتابه "Slapstick" بشكل كبير بأن الكتاب كان عن أخته أليس . لكن جاين كانت شريكته في تنشئة الأطفال كانت جاين نصفه الثاني الذي بدونه يخاف ألا ينجح مجددًا. شرح كورت لجاين أسباب حبه في رسالة عام 1943، وصف وحدتهما كنوع من الانفجارات التي تشبه تلك التي حدثت مع  ويلبر واليزا.

 

"لدي عدد من الأحلام الجامحة التي تأتي وتذهب مثل الفصول الأربعة سأخبرك عنها فور ولادتها، وإذا كانت أحلام جيدة تتقبليها بصدر رحب وبفيض من الحماس و قريبًا جدًا نصيح لبعضنا البعض عن الأحلام، ننقل فرحة أكبر بكثير مما لو كانت قد تحققت. ثم نغرق مرة أخرى، منطقيًا في أحضان بعضنا البعض، منهكين بسعادة بسبب رحلة ذهاب و إياب سريعة إلى الجنة."

إذا قرأت على أنها التفكر في نهاية الزواج،و في الخسارة التي تصطحب انهيار أي دولة من اثنين، "Slapstick" هي رواية أفضل بكثير.

 

 

في رواية "Timequak" كورت تذكر أن جاين، آنذاك جاين فونيجيت يارمولنسكي اتصلت به قرابة نهاية صراعها مع مرض السرطان وطلبت منه أن يخبرها ما الذي قد يحدد لحظة موتها.

لماذا تسأله هو؟ راودته فكرة أنها "ربما قد شعرت أنها إحدى الشخصيات في كتاب لي" يبدو وكأنه شيء قاس لقوله خاصة أن العديد من النقاد أشاروا إلى قلة الشخصيات الأنثوية في كتبه. لكن بشكل ما كان  ببساطة صدقًا. الزواج يحول الأفراد إلى واحد. اتحد جين وكورت معًا لبناء مهنته، وهذه حقيقة اعترف بها فور انفصالهما "لدى جاين شعور قوي بأن كلينا استحق أي كان ما نملكه وهي محقة في ذلك" كتب كورت إلى وكيل أعماله دونلد فيربر في عام 1973.

 

جاين فونيجت كانت بطريقة ما  شخصية اخترعها كورت لكن فقط بمعنى أن كورت كان  وبطريقة مساوية شخصية مخترعة من قبل جاين! 

 

المقال مترجم؛ لقراءة النص الأصلي اضغط هنا.