لماذا تتغيّب مشاهد الولادة عن الأدب؟

 

لماذا يُنهى عن وصف عمليَّة الولادة في الخيال الأدبي؟

 

أهُناك أي مواضيع منهي التكلُّم عنها في الأدب؟ العُنف التصويري والجنس في أشكالهما المتنوِّعة أصبحا من الموضة، حتى عمليَّة الإخراج أصبحت بيِّنة؛ تذكَّر المشهد الذي لا يُنسى لجوي وهو يبحث عن خاتم في برازه في كتاب جوناثان فرانزين "حريَّة"، ولكن اقرأ أي رواية تحدث فيها عمليَّة الولادة، والتي هي واحدة من أكثر النشاطات البشريَّة عالميَّة، ستجد الحدث الفعلي محذوفًا، حيث قامت مؤلِّفة معروفة بوصفها العميق والمُفصَّل للتجارب الأُنثويَّة، إلينا فيرانتي، بإعطائنا هذا الوصف لولادة طفلة راوية القصَّة الأوَّلى في الكتاب الثالث في رواياتها النابوليَّة "أولئك الذين يرحلون وأولئك الذين يبقون":

 

"عانيت من آلام ولادة فظيعة، ولكنَّها لم تدُم طويلًا، وعندما خرجت الطفلة ورأيتها... شعرت بمُتعة جسديَّة عميقة حتَّى أنّي لا أزال أعرف مُتعة تُقارن بها."

 

 

بعد صفحات، تأتي ولادة طفلتها الثانيَّة بتوضيح أقل حتَّى:

 

"جرى كُل شيء بسلاسة، كان الألم مُعذِّبًا، ولكن بعد ساعات قليلة حظيتُ بابنة ثانية."

 

 

أصبحت الطُرق المتّبعة في وصف مشهد الولادة في الأدب المُعاصر مُتنبئًا بها، مُبتذلة كالملابس المُتناثرة على الأرض في فيلم للأطفال؛ رحلة السيَّارة الجنونيَّة للمُستشفى، متبوعة بقفزة للطفل الجديد؛ أو المشهد الكوميدي المُخطَّط له لامرأة تلد صارخة على زوجها المذهول متبوعًا بقفزة للطفل الجديد، ماذا حدث لما يحدُث حقًّا؟ اقرأ أيضًا: ماذا على المرأة الحامل أن تقرأ؟

 

روايتي الجديدة، "إحدى عشر ساعة"، تحدُث بالكامل خلال مخاض وولادة واحدة في مُستشفى ريفي، وعن نفسي، لقد مررتُ بعمليتي ولادة ووجدتها أسوأ ألم جسدي وأكثر تجربة تحويليَّة مررتُ بها في حياتي، وقد أردتُ أن أكتبَ شيئًا شعرتُ أنَّني لم أقرأه: قصَّة تصف عمليَّة الولادة من الداخل، أردتُ أن أصف التغيُّر في الوعي الذي يأتي من مواجهة ألم عظيم، والطريقة التي تستطيع أزمة المخاض أن تجعل المرأة تجد في نفسها قوىً غير معروفة، أردتُ أن أستحضر شعور الانتظار الطويل الممزوج بنشاط شديد، أردتُ أن أُظهر شعور أن تكون قريبًا من خلق حياة ومن الموت في ذات الوقت.  

 

عندما تمَّ قبول "إحدى عشر ساعة" للنشر في الولايات المُتَّحِدة وكان وكيلي يقوم بتسويقه في الخارج، قام ناشر نشر أحد كُتُبي الأولى برفضه وقيل لي: "لا يشعر قسم المبيعات والتسويق بالثقة بمعرفتهم كيف يسوقونه، إنَّها تجربة خاصة مروية هُنا." اقرأ أيضًا: تأريخ التمييز العرقي في رواية "عاملة المنزل".

 

تجربة خاصَّة؟ أتعني واحدة مرَّت بها مليارات النساء؟ لم يشعروا بالثقة بمعرفتهم بتسويقه؟ الرواية، كما رأيت، عن التحدي القاسي للعقل والجسد الذي تُمثِّله عمليَّة الولادة للمرأة، كما يُمثِّل القتال تحديًا لعقول وأجساد الرجال، أيستطيع أي ناشر أن يدّعي عدم معرفته كيف يُسوِّق رواية حرب؟

 

التشابه الجزئي بين عمليَّة الولادة والمعركة قد تبدو مبالغة للبعض، ولكن في المئة سنة الماضية تقريبًا وفقط في بعض البلدان، وفي بعض الجماعات فقط، توقفت الولادة عن كونها خطرة جدًّا للنساء، فامرأة ولدت سبعة أطفال عاشت في القرن الثامن عشر في إنجلترا (مُعدل الولادات كان من سبع لثمان أطفال) كان لديها فُرصة أعلى من 9% لأن تموت خلال المخاض خلال حياتها، أما الحسابات الحديثة للولادة خلال تلك الحقبة فتقشعر لها الأبدان، فالأطفال العالقون قد يتم سحبهم من خلال عقاف يوضع في عيونهم أو أفواههم، وعمليَّات محاولة قلب الأطفال في الرحم قد تؤدي لكسر أعناقهم أو قطع رؤوسهم، وقد كانت هذه الإجراءات طبعًا مُبرحة جسديًّا وعاطفيًّا للأمَّهات، وحتى في الغرب المُترف اليوم، قد تؤدي عمليَّة الولادة لتلف في الأعصاب ونُدب وسلس البول مع النتيجة الأقل احتمالًا لموت الطفل أو الأم. اقرأ أيضًا: أغانٍ أدبية مقتبسة عن كتب.

 

لا تظهر الكثير من التفاصيل والمشاهد في الأدب الخيالي، بعضها كان ليكون بشعًا جدًّا ومٌقززًا جدًّا، أليس كذلك؟ ولكن انتظروا قليلًا:

 

"وضع فوَّهة المُسدَّس على رأسها وأطلق النار... ظهرت حفرة بحجم قبضة اليد من الجهة الأخرى من رأس المرأة مع كم هائل من الدم وطُرِحَت المرأة جانبًا مرميَّة قتيلة في دمائها دون رحمة... أخذ سكين سلخ من حزامه واقترب من حيث كانت المرأة العجوز مرميَّة ورفع شعرها للأعلى لافًّا إياه حول رسغه ثُمَّ مرَّر نصل السكين فوق جمجمتها وسلخ فروة رأسها."

 

 

هذا واحد من مشاهد مُماثلة في كتاب كورماك ماكارثي الكلاسيكي الحديث "خط الدم أو حمرة الغسق في الغرب"، وهو قصة حرب من نوع ما تصف  المناوشات في الجبهة بين الأمريكيين والأمريكيين الأصليين في مُنتصف القرن التاسع عشر، وبالطبع، تُمثِّل قصص الحرب بُنية أدبنا الخيالي، من الإلياذة وحتى "أغنية رولاند" و"الحرب والسلام" وحتى المحصول القوي من الروايات والقصص التي تتصارع مع إرث اشتباكاتنا الحديثة في العراق وأفغانستان، وقد يُعتقد أن الحرب تُعطينا شيئًا أفضل لنُراهن عليه من عمليَّة الولادة — مصير أُمم بدلًا من مصير أُم واحدة وطفلها أو، على الأكثر، عائلة واحدة — وبذلك تُعتبر الحرب مادة غنيَّة أكثر للخيال، ولكن في الحقيقة، نادرًا ما يكون مصير الأُمم ما يدفعنا لنقرأ قصصًا مُتخيَّلة عن الحرب، فنحن لا نختار "الحرب والسلام" لأنَّنا نشعر بالتعاطف مع فوز نابليون أو خسارته في معركة أوستراليز، ما يجذب انتباهنا هو شخوصها ومصائرهم، فالكثير من قصص الحرب المُحتفى بها تحمل في مُحركها العلاقات بين الرفاق المُقاتلين، من أخيل وباتروكلس وحتَّى "العاري والميِّت" و"الأشياء التي حملوها"، فهي ليست أقل "بيتيَّة"، من هذه الناحية، من الروايات عن الحياة العائليَّة. اقرأ أيضًا: الفيلسوفة جوديث بتلر؛ حول أهميَّة الإنسانيَّات ولمَ نقرأ.

 

لذلك، لمَ تغيب قصص عمليَات الولادة عن الأدب المُتخيَّل؟ مثل الكثير من النساء، أنا مفتونة بقصص الولادة، وعندما كنتُ حاملًا، تملَّقت للكثير من النساء ليخبرنني قصصهن؛ في الغالب، كنتُ أريد أن أعرف كم قد تسوء الأمور وما قد أحتاج لأن أكون مُتحضرة له، بعد ذلك، أردتُ أن أكون جزءًا من المجتمع المُتعاطف المُتفهِّم من النساء المُتبادِل لقصص الولادة التي يصعب تصديقها، فالنساء يُخبرن بعضهن تفاصيل المُخاض والولادة، ولكننا لا نستخدم هذه كمادَّة للفن الأدبي، لماذا؟

 

السبب بالتأكيد، جزئيًّا، هو أنَّ عمليَّة الولادة تختص بالدم والمُعاناة ولكن بالدم والمعاناة "تحت"، تعلم، المهبل، ولكن للأمر أكثر من هذا، ففي مقال نوقش كثيرًا في مجلَّة هاربر في عام 1998، تحت عنوان "رائحة حبر امرأة"، تقتبس فرانسيس بروس عن الروائيَّة ديان جونسون قولها عن القُرَّاء الذكور أنَّهم:

 

"لم يتعلَّموا أن يربطوا بين الصور والمجازات والمواقف التي تستخدمها النساء (المنزل والحديقة والجنون) والتجارب العالميَّة، مع أنَّ النساء دُرِّبن منذ الطفولة على قراءة كُتُب كتبها الجنسان، وأن يعرفن الصيغة المجازيَّة المُهمَّة لساحة المعركة والسفينة المُبحرة والرحلة وكل ذلك."

 

 

وأود أن أُضيف للائحة جونسون "المنزل والحديقة والجنون" سرير الولادة (أو مقعد الولادة وحوض استحمام الولادة).

 

رأى القليل من الكُتَّاب إمكانيَّة أكثر في قصص الولادة، من ضمنهم — ومن غيره؟ — تولستوي في آنَّا كارنينا، حيث يأخذ ثلاث فصول ليصف مخاض كيتي سكيرباتسكي، ومع أنَّ الرواية كانت من وجهة نظر زوجها، ليفن، إلَّا أنَّ هذه المقاطع أظهرت تشويه مرور الوقت بشكل جميل وعدم التصديق للتصرُّفات العاديَّة لأولئك الذين لا يُعانون، والرُعُب والانبهار الذين هُما جزء من أي عمليَّة ولادة.

 

في "حكاية خادمة"، تصف مارغريت أتوود التداعيات السياسيَّة والاقتصاديَّة لحمل الأطفال، هُنا محوَّلة للعمل المفروض على الخادمات المُستخدمات، ففي مشهد الولادة في هذه الرواية، المرأة التي تنتمي للطبقة العُليا والتي ستأخذ الطفل تُقرفص فوق الأم التي تلد، حسب التقاليد، وتتظاهر أنَّها هي التي تدفع الطفل خارجًا، هذا لافت للانتباه. اقرأ أيضًا: 4 كتب تغذوية تحتاجها لصحة أفضل.

 

هذا النوع من المقاطع نادر في الأدب، ويُعطي بدايات ضئيلة جدًّا للإمكانيَّات فقط، فقد تربينا على أن نرى عمليَّة الولادة ثابتة، حدث محجوز في أجسادنا ويتبخَّر في الأيَّام أو الأسابيع التالية بينما تنحسر ذكريات الألم، ولكن لمَ على قصص المخاض والولادة أن تُصبح عربات لاكتشاف أمور ذات أهميَّة قصوى، بينها الانشطارات السريعة التي تجذبنا للخيال في المقام الأوَّل: الإرادة والقدر، الشجاعة والرُعب، الحُب والكُره، المعنى والفراغ، القوَّة والضعف، المُتجسَّد والمُبهم؟ كل ولادة تعبث بهذه الاحتمالات، وليكتبوا هذه القصص، يجب على الكُتَّاب أولًا أن يُصدقوا أنَّها مُهمَّة: خصبة، لتُستخدم كمجاز مُناسب، وعلى النساء أن يتجاوزن عادتهن لأن يُشاركن التفاصيل فقط في السر مع نساء أُخريات مررن بعمليَّة الولادة أنفسهن، عليهن أن يُصارعن أي صدمة مررن بها – طبيب قاسي أو صدمة ألم كسرهن في لحظات أو اكتئاب ما بعد الولادة أو عيب ولادة أو طفل وُلِد ميتًا، عليهن أن يصلن للذكريات التي جعلها الأدرينالين والتعب غير واضحة، وأن يضعن جانبًا عار ما تصرفن عليه في تلك الظروف القصوى.

 

سيكون الأمر يستحق ذلك.

 

 

المقال مترجم؛ لقراءة النصّ الأصلي اضغط هنا.

 

 

اقرأ أيضًا: 

الماعز والبامبو: بناء الوافد في النص الروائي

7 أخطاء تنفّر طفلك من القراءة

دع القلق وابدأ الحياة؛ كتاب يلامس التجارب الانسانية

كيف تخصص ركن قراءة للأطفال؟