لماذا عليك أن تقرأ المزيد من الروايات؟

 

 

في مرحلة ما، يجد القارئ نفسه في موضع يضطر فيه لتفسير قراءته للروايات، أولئك الذين يعتبرون أنفسهم "سلطة معرفية" على القرّاء، يعجبهم تبني الرأي الذي يدّعي كون الرواية أدب رخيص، لا تسمن قراءته ولا تغني من جوع.  

 

 

الحقيقة التي يمكن أن نقولها نحن القراء تجاه الروايات، تتلخص بأننا تمكنّا من استنطاق الزمان وسرنا عبر متاهاته، سافرنا إلى الماضي والمستقبل بعيدًا عن كل القوانين الفيزيائية، صنعنا أصدقاء في قرون مضت وأزمان لم تأت بعد، وكل هذا بفضل الروايات.

 

نحن نحبّ الروايات ونقرأها لأننا لا نكتفي بالحياة على الأرض، ونريد الانطلاق نحو الفضاء، نحن نعيش بصحبة شخصيات روائية تجعل ذاكرتنا تحتفظ بكل ألوان المشاعر المختلفة. اقرأ أيضًا: لماذا عليك أن تقرأ المزيد من الروايات الرومانسيَّة؟

 

عندما تكون في ذروة الحماس وأنت تسعى لقص أحداث رواية إلى شخص آخر، يقابلك بالحماس نفسه إلى أن يقطع عليك بسؤاله "ما نوع الكتاب" وعندما تخبره أنه "رواية" تتبدل ملامحه برسمً مُشفق ويسألك "لماذا عليك قراءة الروايات؟" ويكون السؤال برد فعل لا يختلف لمن يكتب الروايات أيضًا.

 

هذه الإيماءة التي لا بد أن تكون واجهتها كقارئ من الذين ينتقصون حق الرواية كجنس أدبي، يمكن أن نتفق على كونها فهمًا قاصرًا أُلصق جزافًا بالرواية وزج بها في الدرك الأسفل، كنوع رخيص من الكتب لا يستحق القراءة، بل قد يذهب الأمر إلى أبعد من ذلك باعتبارها قراءة الروايات شيئًا مُخجلًا لا يجدر البوح به.

 

 

إن الروايات وحدها من تمتلك القدرة على تنشيط المخيلّة البشرية وجعلها حيّة، تخبرك كيف ترسم صورة الحياة التي تقرأها وكيف تُسكن كل شخصية منها في أي بقعة من المكان المتخيل في عقلك؛ كيف يبدو شكل الشخصية، كيف هو صوتها، كيف هو تعبيرها عندما تتحدث؟

 

 

تُعلّمنا الروايات كيف نصنع الحوارات مع الآخرين، كيف نناقش بإيجابية، تخبرنا متى علينا التوقف عن الخوض في حديث ومتى علينا أن ندخل به، تدربنا الروايات على فهم الشخصيات بعيدًا عن الألغاز التي تحيط بها.

 

إن الرواية خوض في عقول البشر، في جوهر أنفسهم؛ نحن لا نبقى أنفسنا عندما نقرأ الرواية ولا نخرج كما نحن عندما ننهيها. اقرأ أيضًا: قراءة في مذكرات "أتغير" لليف أولمن.

 

الروايات تمنحنا الحياة الأخرى الموازية لعالمنا؛ باستخدام الروايات نقارب بين الكتب وواقعنا، نقارن ونسقط ونستعير الأمثلة والتشبيهات التي تعيننا على فهم حياتنا.

 

يقول النوبلي ماريو فارغاس يوسا: إن الرواية جاءت بعيدًا عن تخصيص المعارف واستطاعت جمعها كلها ببساطة. في ذات السياق كان الفيزيائي أمريكي الجنسية "ليوزيلارد" يفكر من باب العبث بفكرة تفاعل نووي متسلسل وهو يجوب الشوارع، لم يخف أن الإلهام قد أتى إليه في أمر صناعة الأسلحة التي أحبها نتيجة غرامه برواية "العالم متحررًا" التي تنبأت بسلاح يمتلك قوى غير محدودة في المستقبل والتي كتبها رائد الخيال العلمي هربرت جورج ويلز.

 

عندما أتى العالم الفيزيائي الأمريكي، صانع السلاح النووي "أوبنهايمر" إلى الفيزيائي الشاب ويلسون ليطلبه للانضمام إلى مختبره في الجبال، كان ويلسون لايزال هامًا بغرام رواية الألماني توماس التي تعرف باسم "الجبل السحري"، كان لهذه الرواية القدرة على ربط الواقع بطريقة مثيرة في عقل الفيزيائي ويلسون ودفعه للموافقة. اقرأ أيضًا: خطاب تسلّم إرنست همنغواي جائزة نوبل.

 

 

لقد تمكنت الرواية وحدها من حث الإلهام وتقديم العلوم بقالب أدبي يمكن للإنسان العادي أن يبسط فهم الأمر من خلاله، قدمت الرواية التاريخ بكافة أشكاله، وقدمت الحياة الاجتماعية بكافة صورها؛ لقد تناولت الرواية كُلّ شيء.

 

عندما تقرأ الرواية يمكنك ببساطة أن تفهم العالم بشكل أفضل وتدرك أنه مكان أفضل، عليك حقًا أن تفكر ماذا سيكون جوابك في المرة القادمة، عندما يخبرك أحدهم أن الرواية ليست محتوى يُثري ثقافتك ومعرفتك.

 

اقرأ أيضًا: 

القراءة السريعة: كيف تضاعف سرعتك في القراءة؟

كيف تقاطعت القراءة مع الأكل عبر التاريخ؟

ثقافة تويتر: حرية التعبير أو مسؤولية التعبير كما يراها الغذامي

البناء القصصي عند زكريا تامر