لماذا نكتب؟ كتابة الرواية عملية مؤلمة ودامية

 

جميع الكتّاب تافهون، أنانيون وكسولون؛ حيث يكمنُ في أدنى جزء من دوافعهم لُغزًا.

 

 

"أن تشرع في كتابة كِتاب هو مثل أن تخوضَ نوبةً طويلةً من الأمراض المؤلمة، صراعٍ رهيب ومرهق، فلن يتمكن المرء من أن يخوض شيئا من هذا القبيل إذا لم يكن يتحرك من قبل الشيطان، الذي لا يمكنُ للمرء أن يقاومه أو أن يفهمه." يقول أورويل.

 

 

 

كتابة الرواية عملية دموية ومؤلمة؛ حيثُ أنها تستنزف منك كل وقت فراغك وتطاردك في أحلك ساعات الليل، وعمومًا ستتكبدُ البُكاء على تلك الأكوام المتزايدة من خطابات الرفض.

 

 

سيمر كل روائي بهذه الفترة -بلا شك- مرةً على الأقل وفي بعض الحالات عدة مرات قبل نشر الرواية، وبما أنّ النشر نفسهِ لا يحملُ ضمانًا على الثراءِ أو الاستحسان فإنه ليس من المنطقي أن نتساءل أيّ نوعٍ من الأشخاص قد يخضع نفسه لمثل هذا الشيء.

 

كانت إجابتي الأولية مشابه لرأي أورويل، أن الشخص يعاني من الرغبة  للقيام بذلك بما فيه الكفاية وذلك لأنه ليس لديه الخيار. فكّرتُ حقا لأكثرِ من مليون مرة في الاستسلام قبل أن أنهي روايتي، رغبتُ حقا في الاستسلام وأن أمسح الشيطان من حياتي. في كل مرة حاولتُ فيها كانت تخطرُ في بالي النتيجة الحتمية، لأنه بالنسبة لي الشيء الوحيد الذي يعتبر أكثر سوءًا من عمر من الغموضٍ تقضيه في الكدح من دون مردود -والتي تعتبر النتيجة الأكثر احتمالا-، هو أن تقضي حياةً دون الكتابة فيها.

 

 

لم أخلق لأكون كاتبة، فحين كُنت طفلة كانت فكرة أن أكون روائية هي أكثر وظيفة رفيعة محتملة مثل أن ترغب في أن تكون نجمًا سينمائيًا، حلما غير واقعي إلى حدٍ بعيد. أتذكرُ المرة الأولى التي وجدت نفسي فيها مغمورةً تمامًا في حكاية قصة من الخيال العلمي كتبتها من أجل مشروع مدرسي، القصة كانت تحكي عن بشر تركوا كوكبهم المتدهور بيئيًا من أجل البحث عن وطنٍ جديد على متن سفن فضائية ضخمة تسمى أركس. حرّكتني المحنة التي مرّت بها شخصياتي، أصبت بالذهول من مدى ضخامة الكون الذي ناشدته للوجود، و فطرَت قلبي المأساة والتضحية التي وقعت في قلب مُهمتهم، في الحقيقة كان ذلك عاطفي ومريب بشكلٍ تافه، إلاّ أنّه لا يغير حقيقة أنّ هذه القصة عند كتابتها منحتني التدفق، وأنّ تجربة بعيدة المنال من الاستيعاب الكُلي في النشاط العقلي قد أُزيلت من مخاوفي وأشغالي الأخرى.

 

 

 

الانتهاء من ذلك خلق في كلّ الرضا من الإبداع، فهاهُنا كانت القصة التي جلبتها إلى العالمْ، قصة صغيرة ومع ذلك تعتبر عملاً مكتملاً من الفن الذي لن يكون موجوداً إذا لم أشرع في كتابته.

 

على أي حال، تركتُ بعد ذلك المدرسة والحياة الواقعية لتأخذ مجراها، فلدي فترة من الشباب يجب أن أجيد استغلالُها، وبعدها سيأتي العمل والإيجار الذي يجب تسديده.

 

انغمست لفترة قصيرة في التخيل بأنني سأكون أمينة مكتبة ولكن انتهى بي الأمرُ أعمل كمحللة في القطاع المصرفي، حيث كان هناك القليل من الكُتب والكثير من المال. كان العمل مثير للاهتمام ولكنه كان متطلبًا جدًا، في غرفة مزدحمة من أجل أشياء أخرى في حياتي.

 

 

 

لمدة عشر سنوات منذُ تركت المدرسة، لم أصنع أي إنتاجٍ أدبي طوال هذا العقد، ولكن اللهفة لم تغب، كانت موجودة خلف الكواليس، الرغبة في وضع الكلمات على الورق، في بناء قصص حول الأشياء التي أهتم بها، الرغبة في الحصول على المعنى من خلال السرد. في نهاية المطاف بدأت في التفكيرِ مجددًا في الإنتاج، بكل روية وبدون هدفٍ معين، ومع مرور الوقت أصبحتُ أكثر جدية وبدأت في قضاء جميع أوقات فراغي في ذلك، حيث بنيتُ العمل من نزاع إلى فرن مستهلك أحرق جميع أوقات فراغي وطاقتي العقلية. ولكن السؤال هنا؛ ما الذي كان يستهلكني؟ عن ماذا كُنت أكتب؟

 

 

قرأتُ ذات مرة لكتّاب آخرين -لا أذكر منهم- أنّ كتاباتهم كانت تشبه نوعًا ما مناداة الذئب لقبيلته. هناك بعض الحقيقة في ذلك، فأنا أكتب لقبيلتي، مجموعة من القراء الوهميين الذين يشبهونني قليلًا في دواخلهم، وقاموا في كثير من الأحيان بإفساد الأمور في حياتهم، فهم ليسوا دائمًا لطفاء وسعداء.لأنّ حتى غالبية الناس يعيشون في معارك كبيرة تكبرُ مع مرور الوقت، إلى جانب رحلة إيجاد المعنى في حياتهم.

يعيشون في الخسارة والإدمان والإعاقة والعقم و لكنّهم يحاولون بأقصى جهدهم محاربة هذه المعارك بالشجاعة وحس الفكاهة.

 

 

كثيرًا ما يفتعل الناس نزاعًا حول ما إذا كان للأدب مسؤولية في أن يكون فدائيًا. أعتقد أن المسؤولية كلمة قوية جدًا، فأنت يمكنك أن تكتب ما رغبت في كتابته. ولكنني أعتقد أيضا أنّ الكتابة غير الحكيمة أو العمل الذي يقوم بزيادة البؤس لا يملكان أي قيمة من الممكن إضافتها إلى مجموع المساعي الإنسانية. بل إنه عمل العمر الذي يبقي وجهك متجه نحو الضوء، وأنا أفضّل مساعدة الناس بدلا من عرقلتهم في فعل ذلك.

 

تقريبا جميع من هم فوق سن الثلاثين يعرفون بالتأكيد شعور أن تنظر إلى الكون الذي يبدو غير مهتم و تشعر باليأس، وكما قال الروائي الإنجليزي بايت في مقابلة "عرض باريس" أنّ المأساة فقط للشباب الذين لم يسبق لهم أن يختبروها حقيقةً، فلذلك هم قادرون على تحملها.

 

حقًا أرغبُ من الناس حين ينتهون من كتاباتي أن يحملوا معهم الأمل، وذلك ليس لأنّ الحياة ستكون دوما سهلة وخالية من المعاناة، بل لأنها فضلًا عن المعاناة التي لا مفر منها يمكنها أن تحتوي الكثير من الفرح والأمل. ا

 

كما هو الحال في الحياة، ففي قلب الكتابة هناك غموضٌ كبير. اعتاد والدي أن يكون معروفا بالادّعاء أنه حين يلعب أفضل لعب له في الشطرنج يمكنه أن يسمع صوت الملائكة تغني، وأنا كنت معروفة بالسخرية من تلك المقارنة المبالغ فيها، ولكن في نقطة ما والتي تمثل جزء صغير من واحد من المائة من الوقت الذي أكرسه للكتابة، اقتنعت بالشعور بأنني مجرد قناة، أكثر من كوني مبتكرة؛ إذ أنني لا أقوم بالعمل بمفردي، بل أنا مجرد تلك القناة التي يصل من خلالها عملي للعالم.

 

 

لذلك، مع وقفة احترام لأورويل، هنا قليل من أسباب عديدة تجيب عن سؤال لماذا أكتب؟

 

لأنّ الكتابة تخرجني من رأسي بعيدا عن متاعبي.

لأنّها تعطيني الفرصة مهما كانت صغيرة في ابتكار شيء سامٍ.  

لأنني أحترق من الغضب على العالم، ويبدو أن هذا هو المنفذ الوحيد الذي يكون أفضل من العنف الذي لا مبرر له.

لأنني أميل إلى التقاط الأشياء التي سريعًا ما تزول قبل أن تتبخر في العدم، مثل الشعور بنشوة الهدوء في الحديقة عند وقت الغسق في الصيف، ورائحة عطرة تنبثق من سترة حبيبك.

لأنّ وضع شيئًا ما داخل الكلمات يجبرني على التعبير عن أفكاري وإعادة تشكيلها عن طريق السرد مما يعطي حياتي معنى أكبر.

لأنّ تطهير نفسي على لوحة المفاتيح شيء لا يقاوم ونوع من الإدمان. أجلس ساعاتٍ طويلة لفرقعة المئات من الكلمات وحينها أرى الليل قد خيّم في الخارج وأنا مبللة بالعرق الذي يعرج في كرسي، ولكنني مليئة بالرضا العليل، مفرّغة، هادئة ومتخمة.

 

 

ولعل السبب الأخير يعتبر الأكثر أهمية؛ فأنا أكتب لأن الكتُبَ فتحت عالمي وأنقذت حياتي مرارًا وتكرارًا، وهذا شيءٌ أريد أن أكون جزءًا منه. وانه لمن البؤس أن تكون إنسانًا لديك الوعي عن ذاتك ولكنك تفتقر للحصول على الإجابات لأهم الأسئلة، مثل كيف يجب أن أعيش حياتي، هل هناك إله، ما هي نظرية التوحيد الكبرى للكون، ماذا سيحدث عندما نموت؟

 

وبالطبع، بغض النظر عن مدى راحة الوضع الذي نديره في ملائمة أنفسنا، فنحن دائما جل ما نفعله هو مجرد شد الحجاب بعيدا عن الكارثة، نحن اللحظة التي لا ننظر فيها قبل الدخول إلى الطريق، ومكالمة هاتفية بعيدة عن إدراكنا بأننا لن نرى شخصا نحبه مرة أخرى. يال الظلام!

 

 

ورغم ذلك، تأتي في هذا الظلام شظايا فضية صغيرة من الضوء، بالكاد تتوهج أكثر مما تبدو عليه، ولكنها بطريقة ما تساعدك على رؤية الطريق أمامك. بالنسبة لي هذا الوميض غالبا ما يأتي من الكتب.

 

 

عندما أردت أن أعرف كيف أرى بوضوح وأتحدث بصدق، كانت هناك ديانا أثيل تدلني. عندما أردت أن أرى الألعاب النارية التي تنتج عندما تصطدم السخرية بالمثالية، وذلك في نزهة مارتن أميس والسيجارة تتدلى من فمه. عندما  كنت بحاجة إلى الشجاعة، أندرو سليمان سحبني من قدمي. عندما أردت أن أختفي في جمال الطبيعة والعزلة، سارة ميتلاند وقفت بجانبي. عندما لم أكن أفعل شيء سوى الضحك على عبثية مباراة إطلاق النار، جونثن كو و ديفيد نوبس لم يتخليا عني. عندما حزنت، سافر لويس عبر العقود ليصل عندي قائلًا: "هنا، خذي يدي، أنتِ لست وحدك."

 

 

لذلك هذا هو الدين الكبير الذي أدين بهِ للكتاب؛ فمن نواحٍ عدة، السبب الذي يجعلني أكتب هو أن أصل إلى يدٍ ما تحتاجني وأسحبها إلى الأعلى.

 
 
المقال مترجم؛ لقراءة النص الأصلي اضغط هنا.