لوركا؛ عندليب الأندلس

 

 

 الكلمة هي الوقود الذي يشعل الحماس بداخلنا، يبدد الخوف ويكسر القيود التي يفرضها المجتمع والعادات والتقاليد؛ هذا ما يجعل الكلمة من أخطر الأسلحة التي تهدد الأنظمة التي تستخدم القمع وسيلة لفرض سلطتها.

فدريكو غارسيا لوركا أو كما يسمى شهيد الكلمة، ولد عام 1898 في ضاحية من ضواحي غرناطة بالأندلس -إسبانيا حاليًا-، عاش بالريف بين الخضرة والبساطة الذين كانا سبب إظهار بذرة الشعر داخله، فكان أول ديوان له بعنوان "انطباعات ومناظر".

لم ينسَ لوركا يومًا فضل غرناطة عليه فكان يقول:

"إذا نلت بمشيئة الله المجد، فإن الفضل يعود إلى غرناطة التي أنشأت كياني وجعلت منى شاعرًا بالفطرة ".

بعد سفره إلى مدريد سنة 1919 وإقامته فى بيت الطلبة الذي كان يعتبر مركز الإشعاع الفكري والفني في إسبانيا بدأت تتسع معرفته، وأخذ ينشر بواكير شعره الذي كانت له نكهة أندلسية جديدة لم يألفها الشعر الإسباني من قبل، ثم أغراه بعد ذلك المسرح وبدأ فيه عالمه المميز الخاص الذي يقتبس ألوانه من الواقع الإسباني، فكان للمأساة فيه نصيب كبير.

قرر لوركا بعد ذلك السفر إلى نيويورك أو "مدينة الحمأ والحديد" كما كان يسميها، لعله يجد فيها ما يروى ظمأ روحه، وهناك كتب قصائد عنونها بـ" شاعر فى نيويورك". سافر بعدها إلى أمريكا اللاتينية يتنقل بين مدنها لينشر مسرحياته الشعرية، فنعتته شعوبها بأعظم شاعر أنجبته أسبانيا.

فى عام 1930 قرر العودة إلى موطنه الأصلي؛ بدأ ينشر قصائده واهتم بالمسرح، لأنه رأى فيه أفضل وسيلة لتثقيف الشعوب، وشكّل فرقة أسماها "الباراكا " كانت تجوب المدن والريف تقدم العروض للشعب البسيط، لم يتوقف الأمر عند ذلك فقد استخدم المسرح كأداة فعالة فى انتقاد أوضاع مجتمعه وتجسيد معاني الحرية والثورة والطغيان، من ضمنها مسرحية "ماريانا بينيدا " وهي قصة المرأة المناضلة الثورية التي قتلها الملكيون عام 1831 لأنها طرزت فوق علم الثورة بخيوط ذهبية ثلاث كلمات؛ عدالة، حرية، مساواة؛ الكلمات التي نادت بها جميع الشعوب الثورية ضد الطغيان والفساد وما زال صداها يتردد في كل الميادين.

تعتبر مسرحية "عرس الدم" من أفضل ما كتب لوركا لما تحمله من قضايا مثل الحرب الأهلية، القهر، الظلم والذل الذي تعرضت له المرأة الإسبانية. كما تميز مسرحه بانعدام البطل المنفرد؛ فكل شخصية هي البطل وهي المحرك الأساس في المسرحية؛ أي أن كل الشخصيات تشترك في تطور الأحداث.

أما في قصائده فإننا غالبًا ما نجده يصوّر الشمس والقمر قاصدًا بهما الحياة والموت، وقد انعكس ذلك في مسرحية عرس الدم، إذ يقول:

ويترك القمر مدية

فى فضاء الليل الذي يوحشه

وتتربص المدية من عل

لتضحي الألم الذي ينطف بالدم

افتحوا صدورًا إنسانية

لألج فيها وأنعم، ثمة دفء

 

استخدم لوركا الكلمة؛ السلاح الذي يتقن استخدامه لمجابهة الظلم والطغيان، فكانت قصائده ومسرحياته ومحاضراته تحتوي بين طياتها ثورة ضد الفساد بكل أشكاله؛ فهجا فى بعض قصائده الكتائب اليمنية التي كانت تقتل الأبرياء وتشعل الحرائق وتخلف الخراب والدمار، وقف إلى جانب الشعب المنهك من الظلم والطغيان وتبنى موقف واضح إلى جانب النظام الجمهوري.

في يوليو 1936 انطلقت الشرارة الأولى للحرب الأهلية بعد اغتيال زعيم الحزب الملكي اليميني، لتتحد الأحزاب اليمنية لإسقاط الحكومة الاشتراكية وإلغاء الجمهورية، لم تعد مدريد آمنة[E1]  للوركا بعد قصائده التي انتشر صداها بين الناس وأشعلت بركان الثورة بداخلهم، فعاد لغرناطة يحتمي بها، لكن ما لبثت شرارة الثورة أن انتقلت إليها عندما اعتصم المناضلون بحي البائسين المعروف فيها.

من ضمن الكتائب اليمنية التي شُكّلت كتيبة "الفرقة السوداء"، التي تعتبر وصمة عار فى تاريخ الحرب الأهلية الإسبانية، حيث كانت تقتل وتمثل في الجثث وتسوق من ترأف بهم إلى حاكم غرناطة ليحكم عليهم بالإعدام دون محاكمة أو تحقيق.

احتمى لوركا ببيت صديقه الشاعر لويس روزاليس بعد أن أصبح بيت عائلته غير آمن، في تلك الأثناء قُتل بعض المحاصرين فى حي البائسين ومنهم صهره الاشتراكي مانويل مونتسينوس واستسلمت غرناطة، لكن لوركا لم يكن يعلم بذلك.

رئيس الكتيبة السوداء "رامون ألونسو" المعروف بقسوته وجهله وحقده على كل مثقف كان يتربص بلوركا بطبيعة الحال، إذ لعب دور الغراب الأسود الذي تربص بالعندليب واعتقله، ثم جرى عليه ما جرى على من سبقه؛ حُكم لوركا بالإعدام دون محاكمة أو تحقيق، وتم تنفيذ الحكم فى 19 أغسطس من عام 1936. قتل لوركا دون أن يتخلى عن دوره كعندليب لآخر لحظة من عمره؛ إذ ظل يردد شعره الذي أخافهم حتى عندما انهمر رصاصهم على جسده.

 

 

اقرأ أيضًا: 

سرير الغريبة: صوت درويش المختلف

أنا الموقع أدناه

أفضل 10 روايات أمريكيّة لاتينيّة على الإطلاق