مؤنس الرزّاز يذوب في شخصيّاته الروائية

 

 

 

 

يربط العراقيون رأسه بحبل ويشدّونه إلى رافعة، يتداعى قليلاً، ثم يسقط وسط صخب الشعب.

ما زالت تثيرني هذه التماثيل! إلى أين يريد أن يصل صانعوها؟ ما الذي كان يطمح له هذا الرجل؟ بشاربه الكثّ وشعره المفروق باتجاه اليمين وغرّته الكثيفة ويده الممدودة نحو الأعلى؟.

ما زلت أذكر الإنتاج الكرتوني المسمى “عدنان ولينا”، ما زلت أذكر شخصية “الدكتور رامي” وأربطها بصدام حسين! هل أراد منتجو العمل دفعي لذلك وأنا صغير؟ لماذا كنت أعتقد أنه مخلّص البشرية بالفعل من القوى الاستبدادية والاستعمارية التي تريد السيطرة على العالم من خلال سلب الشعوب إرادتها وتسخير طاقاتها لمشروعها الاستعماري.

في العدد 301 من مجلة أفكار الأردنية في مقال للكاتب العراقي ماجد السامرائي يتحدث فيه عن علاقته بمنيف الرزاز وكيف كشف خيطًا مهمًا جدا قامت عليه رواية (اعترافات كاتم صوت)التي كتبها ابنه مؤنس الرزاز، والأخص سؤال أثارنا كثيراً”من هو الختيار؟”، حين تحدث هذا الكاتب مع منيف الرزاز عضو القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي في بغداد يسأله فيها عن كتابه “فلسفة الحركة القومية العربية” فرد باعتذار قائلا: ” لا ماجد، هناك قضايا أهم.. أنا شايف أن هناك انحرافاً في فكر الحزب، وعليّ أن أقوّم هذا الإنحراف”.

وبعد اعتراضاته على تصرفات صدام حسين مع العديد من قيادات الحزب أمر صدام باحتجاز منيف الرزاز ووضعه تحت الإقامة الجبرية والمراقبة المباشرة.

الختيار، بعد أن كان من أهم قيادات حزبه، يثيره هذا الانحراف لمبادئ الحزب، مما يضعه في الإقامة الجبرية مع زوجته وابنته، يقتلعه الحزب شيئاً فشيئاً من ذاكرة الشعب، ولكنه يصرّ على الحياة من خلال كتاباته التي يصادرها الحزب عندما يضع قلمه على الطاولة، كتاباته التي لن يقرأها أحد.

الختيار الذي يعلم أيّ حربٍ نفسية يخوضها الحزب معه من خلف جدران الإقامة الجبرية، ويبقى صامدًا، يكسرهُ ضياع ابنه وموته في النهاية، هذا الكسر الذي أراد منيف أن لا يصل له عندما كان يشدد على ضرورة تقوية ابنه مؤنس ومعاملته كأي صبي وليس كإبن مسؤول رفيع في الحزب.

تحمل ابنته بعد وفاة والدها ووالدتها عنصر الخوف وعنصر الخشية من كل شيء، عندما يخرجونها من الإقامة الجبرية تشعر أن الجميع يقرأ أفكارها وكأن دماغها من الخلف مفتوح للجميع، هذا الخوف والخشية والترقّب يحملهما مؤنس الرزاز في شخصيته الذاتية ويطلقهما في شخصية “جمعة القفاري”.

لننتقل هنا لتداعيات هذا الأمر على مؤنس الرزاز وصناعته لشخصية جمعة القفاري ” دون الكياشطة” وهي شخصية ضعيفة مهزوزة لا تقوى على فعل شيء ولا تعلم ما هو سعر علبة السمنة في المحلات، شخصية فقدت بوصلتها في مدينة عمان وبدأت ترسم صورة متخيلة لدون كيشوت الأردني الضاربه أصوله في عمق البداوة الأردنية والزاهدة المثقفة المتصوّفة والتي لا يكسرها شيء، هذان التردد والإنهزام اللذان صبّهما مؤنس من روحه إلى جمعة القفاري ليبقى ذلك الشخص المهزوز والمتردد.

وبين “الختيار” و “جمعة” يكمن السؤال المهم، أي تلك الشخصيات هي التي شعر مؤنس معها بأنه يضع عن كاهله زمنًا كاملًا من الألم والوجع والتعب؟ هل هو شخصية القوي المتمرد الذي لا تلين له قناة، أم شخصية الضعيف الخانع الذي يجد أنه هو سبب البلايا في هذا الكون ويجب أن يتحمل كل شيء على حساب نفسه؟.

 

 

اقرأ أيضًا:

قراءة الذات في الأدب والسينما

ماذا قدّم جلال الدين الرومي للإنسان؟

كافيه فيروز: رواية باستثناء فصل واحد