ماذا تقرأ في عيد الحب: العالم في أعين 5 شخصيات نسائية

يقدّم فيلم دارين أرونوفسكي "أمَ - Mother" – 2017 مرافعة خرقاء عن المرأة/الأم، التي شُوّهت صورتها تاريخيًا بواسطة الإله/الذكر. تعيش "أمّ" أرونوفسكي دور الضحية، تظهر عاجزة عن إظهار صوتها، لينتهي بها الحال وقد تمّ استبدالها بامرأة أخرى، لتعيش ذات التاريخ مرّة أخرى.

 

ثمّة أكثر من مشكلة هنا، فإن قلنا أنّ على الفن ألا ينزل ليصير خطابًا مباشرًا للدفاع عمّن يعتقد أنّهم مظلومون. فهذا الطرح في ذاته خطاب، يتوقّع صورة ما للفن، وينادي بها. وحتّى لا أنزلق أكثر فيه، ولأنّ مادّة هذا المقال هي البطلة/الأنثى في الرواية، سأتوقّف قليلًا، فاسحًا المجال للحديث عنهنّ، وفقط أرتجي ألّا يمثّل هذا العرض إضافة في خطابات الضحيّة/المُسيطر.

 

اقترب عيد الحُبّ، وقد يرغب بعضكم في قراءة شيءٍ مختلف، ولأنّ القوائم محكومة باختيار ثيمة واضحة لها، فقد وقع الاختيار على 5 شخصيّات نسائيّة مميّزة فنيًّا، مع محاولة بالانفتاح على خيارات أوسع جغرافيًا. أودّ الإشارة أيضًا، إلى أنّ عرضًا كهذا، بالضرورة مُختزِل. سواءً على مستوى العدد، أم على مستوى التقديم.

 

 

1- إيمّا بوفاري – مدام بوفاري - غوستاف فلوبير

يهرُبُ الكتّاب عادةً من الأسئلة التي تُقارب بين سيرة الكاتب وشخصيّاته، مؤكّدين على دور الخيال بالكتابة. لكنّ غوستاف فلوبير، وإن بدا ما يقوله غريبًا بدايةً، سعى للتأكيد على أنّ "إيمّا بوفاري هي أنا". وإذا نحّينا ما عاناه فلوبير من تضييق ومحاكم لنشره الرواية، فإنّ إيما بوفاري تستحقّ تصريحًا كهذا.

 

اشتُهرت بطلة فلوبير بخياناتها لزوجها الطبيب شارل بوفاري، عن حنينها لشيءٍ أكبر، لا تملكه، قبل أن يدخل في حياتها ليون، ثمّ رودولف، الذي صاحت بعد معرفته: إنّ لي عشيقًا.

أجاد فلوبير التقديم لشخصيّته، الراهبة المفتونة بأبطال الروايات الكلاسيكيّة، التي تنفرُ من المناظر الريفية، وتتوق دومًا لأبعد، كأنّ فيها شيئًا من بيت المتنبّي: حتّام نحنُ نساري النجم في الظُلَمِ ... وما سُراهُ على خُفٍّ ولا قدمِ"

 

 

2- ليدي مكبث – مكبث – شكسبير

يحاول شكسبير في مسرحيّته هذه أن يقبض على لحظة التحوّل من الخير إلى الشر عند مكبث. ويتبدّى ذلك في مشهدين؛ الأوّل حين تتنبأ الساحرات الثلاث لمكبث بالمُلك، والثانية في اللحظة التي ينقل فيها مكبث هذه النبوءة إلى زوجته.

لا نعرف الكثير عن ماضي الليدي مكبث، لكنّها تستجيب فورًا لهذه النبوءة التي طرحها مكبث أرضًا في البداية، وبسرعة بالغة، تكشف عن خطّة متكاملة لقتل الملك دنكن.

رغم ما تبديه الليدي مكبث من ثباتٍ في الموقف على عكس زوجها الذي يأكله الإحساس بالذنب، فإنّ ثمّة إشارات في المسرحية، مثل مشهد مشيها أثناء نومها، إحساسها المتأخر بالخوف من العتمة، والغموض المُصاحب لطريقة موتها، يجعل منها شخصيّة أكثر فتنة، أعند من أن تُظهر الندم أو الذنب، فتظلّ عصيّة في قوّتها وضعفها.

 

 

3- سارة – أنا سارة، سارة أنا – ربيع علم الدين

يقدّم ربيع علم الدين في روايته هذه، شخصيّة بالغة الجمال. تردُّد سارة، إقبالها وإدبارها، ينعكس ببراعة في التقنية التي كتب بها الكاتب روايته (أو الرواية التي تكتبها سارة)؛ فكلّ فصلٍ في هذه الرواية هو الفصل الأوّل، أو محاولة إعادة كتابة الفصل ذاته.

سارة، التي أخذت اسمها من الممثلة الفرنسية سارة برنار، فنّانة لبنانية تعيش في أمريكا. نعيش معها علاقتها المتردّدة مع أهلها في لبنان، مع أمّها التي تعيش في أمريكا أيضًا، مع ابنها المراهق، ذكرياتها عن الحرب الأهلية، وإصرارها على الكتابة.

 

 

4- يارا – سنة الراديو – رينيه الحايك

تبدو الرواية، للوهلة الأولى، مسلسلًا لبنانيًا يثرثر عن علاقاتٍ لا معنى لها. لكن، ما أعطى للرواية نفسًا آخر، أحالها من مجرّد مسلسلٍ فارغٍ، إلى رواية مهمّة، هي شخصيّة "يارا".

ثمّة، في شخصيّة يارا، رغبتان حادّتان ومتضادتان في نفس الآن: رغبة بتدمير الذات، ورغبة بحيازة كلّ شيء، ما جعل منها شخصيّة مركّبة، أو لنقل بوجهين، فهي قد تكون باهرةً على الورق، لكن ربّما ستشتمها لو صادفتها في الواقع.

 

 

5- فسون – متحف البراءة – أورهان باموق

في روايته قبل الأخيرة، يقدّم أورهان باموق، شخصيّتين نسائيتين، الأولى سيبيل، خطيبة كمال المُنحدرة من طبقة برجوازيّة، وقريبته فسون الفقيرة. يدّعي كمال سروره بعلاقته مع سبيل، قبل أن يلتقي بفسون، البائعة في محلٍ لتقليد الماركات العالميّة. ينقلب كيانه بعدها، مكرّسًا حياته للحظات الفرح التي يسرقها مع فسون. فسون، تلتقي مع إيما بوفاري بتوقها لما هو أكثر، راغبة بأن تحوز أكثر من المُتاح لها، لكنّها تفترق معها بهوسها بحيازة كلّ شيء أو لا شيء. تحضر حفل خطوبة كمال على سبيل، لتختفي ما يقارب السنتين بعدها، رغم وعدها كمال أن يلتقيا، كما اعتادا بعد خطوبته. وتكمل على هذا الحال من الظهور والغياب، كأنّها سرابٌ، لولاه، لما أكمل الظمآن البحث عن الواحة، حتّى نهايتها التراجيديّة.

أنشأ أورهان باموق مُتحفًا حقيقيًا، كما ذلك المذكور في الرواية، للأشياء العاديّة التي احتفظ بها كمال من وراء فسون. وإن بدا هذا الفعلُ سالبًا لوجودها، جاعلًا إياها موضوعًا لا أكثر، فإن حقيقة أنّ هذه الأشياء تخصّ امرأة بعينها، هي فسون، تلغي الفكرة السابقة، مثبّتًا صورة واحدة على جدار المُتحف، هي صورة فسون.