مارون عبّود؛ قمّة لبنانيّة مطمورة

 

 

 

ولد مارون عبود عام ١٨٨٦م، لكنه يعتبر نفسه وُلد عام ١٩٣٤ وهو تاريخ أول مقال نقدي كتبه، كان منذ طفولته شقيًا حاد الملاحظة عيارًا طويل اللسان، كأنما رُزق في فمه مخلبًا لا لسانًا، حاضر البديهة ساخر الإجابة.

تأثر عبود كثيرًا بجده الذي لازمه وعلمه السريانية والدين، ولو أن أباه كان يعتقد أنه راضع لبن بقر لن يفلح، لازم جده فترة وحمله على التدين والصلاة أغلب الوقت

 

"فكانت صبوته صلوات متتابعة فكأنه كان كاهنًا بالمقلوب، نشأ نشأة زميتة في كنف رجل يرى الضحك جريمة، فكان يهز له العصا كلما خف وقاره فيعود إلى الترصن، وكان صباه وشبابه رصانة لا قيمة لها لأنها مصطنعة وضد طبعه، فأضاع ذاته زمنا طويلا ولم يعثر عليها إلا في ظهر العمر وصار أخيرًا كما يقول أبو نواس: وشيبي بحمد الله غير وقارِ!"

 

 

 

ترك المدرسة عام ١٩٠٦م ولم يكن سلاحه من المعرفة قويًا، ولكنه ثقّف نفسه ففاق الكثيرين "فهو رجل لا خلفه ولا قدامه، ولولا الدرس ما عرف كوعه من بوعه".

 

لم يكن يقيم وزنًا لا لكبار قومه ولا لتقاليدهم الدينية اعتدادا بنفسه وثقة بها، عوقب كثيرًا على هذه الهرطقة من أهله ومدرسته، لكن لم يردعه شيء عما يريد، فقد سمى ابنه (محمد) نكاية بالطائفيين وثار عليه كثيرون فيه هذا (راجع رسائله مع الريحاني)، وتجد هذا الاعتداد والثقة في كل ما يكتب فهو رجل قد "عمِل نفسه على ذوقه" وأحيلك على (أحاديث القرية) و (وجوه وحكايات) (وأقزام جبابرة)، ففيها من قصص القرية وأخبار دراسته أيام الصبا ما يُرقص قلب من كان له ذوق ورهافة حسّ. اقرأ أيضًا: ألف عام وعام على المسرح العربيّ.

 

 

أنشأ وهو طالب صحيفة مدرسية أسماها الصاعقة، كأنما ظن نفسه إله البرق، كان شعارها: "إياك ترفعْ هامةً تهوي عليك الصاعقة"  وسخر فيها بما أغضبَ إدارة المدرسة فوبخته وأزالتها.

 

امتهن الصحافة أولَ أمره وهو ابن عشرين سنة تقريبًا؛ "يوم كان الصحافي منتوفًا يعدّ نهاره سعيدًا إذا دعي إلى غداء أو عشاء"، وظل ممارسًا لها ثمان سنوات، في جريدة الروضة وجريدة النصير التي كان لا يتنازل عن كتابة مقالها الافتتاحي لأحد ولا حتى أفلاطون لو بعث كما يقول، وجريدة لبنان ثم أخيرًا في جريدة الحكمة التي أسسها في جبيل، والأدب ربيب الصحافة، فتمرّس فيها وتعلم أصول النقد ووصف الشخصيات.

 

تنقل في حياته من صحفي إلى مدرس إلى مزارع وبائع أيام الحرب لشدة الفاقة، ثم إلى موظف حكومي ثم إلى مدرّس مرة ثانية فمدير مدرسة فناقد! وكان النقد لذته التي لا يشبع منها. اقرأ أيضًا: طبل الصفيح؛ تعدد السرد وطرح التساؤلات.

 

كان ثائر النفس عصاميّا لا يتسلق على أحد ولا يرضخ لصعب، عنيدًا حرًا، وربما حرّض طلاب المدرسة إذا ثاروا أو أضربوا لسبب يستحق، ويخطب فيهم إذا لزم الأمر، وإذا كان سبب الإضراب تافهًا ثناهم عنه بحزم، وسرعان ما يستجيب له الطلاب لشدة حبهم له لدرجة العبادة.

 

أما أسلوبه فواقعي رومانسي، وكان يحب السجع أول نشأته، وله في هذا قصة في غاية الظرافة والحلاوة مع جده حيث طلب منه كتابة رثاء لوفاة إحدى عجائز القرية ليلقيها في القداس فملأها بالسجع وتجاوز بالعجوز حدّ القديسين فغضب جده وما تركها له، ويعتبِر مارون أن ما كتبه في هذه العجوز هو أول موضوع أدبي، كان ثمَـنُه تحية حارة من عصا جدّه، فأحيلك -عزيزي القارئ- على القصة في وجوه وحكايات ولن تندم على قراءتها، وبعد هذه القصة طلّق السجع والغريب، وصار أسلوبه عذبًا كأنما يطعمك سكرَ نبات، يكتب كأنما يحدثك حديثاً له روح، سهل العبارة صحيحَها، يكثر من العامي الفصيح فكأنّ كتابته بعضُ حديث أهل بيتك لك، وهذا رأيه فيما ينبغي أن يكون عليه الأسلوب:

 

"فالعامية تصير فصيحة بعناء يسير وتهذيب قليل، ولا بد من طمر الخندق الذي حفرَه التحذلق بين الكتّاب وبين القراء والسامعين"

 

 

والفصحى التي يريد هي الفصحى النديّة لا الجافة اليابسة، لا يحب الغريب، ليس كأستاذه الذي لم يكن يرضى عن الكلمة إذا كان وزنها أقل من رطل، نادرًا ما يُغرب، وإذا فعل قصد به السخرية أحيانًا أو إذا انفعل ناقدًا، وأسلوبه العام كأحاديث السّـمَـرْ حلوٌ خفيف ساخر ضاحك لا جمود فيه ولا تصنّع، وهو أيضًا سَمَرٌ نقدي فصيح عذب معرفيّ، يلذّ لقارئه ولا يمله مهما أطال، ومهما أخذ مارون في أنواع الموضوعات فسواء عليه وعرُها وسهلُها، جدّها وهزلها، يتصرّف فيها أبرع تصرّف، ويأتي بالكلام فيها صافيًا كالبلّور المذاب، ترى من خلال صفاء روحه جمال قريته وثبات جبالها وصحة هواءها، ولطالما تاه مارون في قريته ووصفها وصفًا جميلاً، ولا عجب فإنه "يحب في الدنيا أربعة أشياء: الله ولبنان وعين كفاع (قريته) .. وكلَّ كلمة كتبها"، لكنه لم يحب بيروت ولا ضجيجها ورفض الانتقال لها. اقرأ أيضًا: مذهلات توجب قراءة "الحب في زمن الكوليرا".

 

 

أما قصصه قصيرَها وطويلَها ففي غاية العذوبة والسلاسة، وهي في القرية ومن القرية ولكنها لكل أحد.

 

دافع مارون عبود عن إقليمية الأدب، واعتبر أن كل القُصّاص العالميين كانت قصصهم إقليمية ولهذا السبب أحبها الناس، تجد في قصصه تاريخ الزمن الذي عاش فيه والزمن الذي قبله بقليل، وأخبارَ ذلك العهد وطبيعة عيشه وتعاملهم وشيئًا من المسميات العثمانية وكلماتها، بأسلوب يترقرق عذوبة وجمالًا، على فكاهة جُبل عليها.

 

 

في أسلوبه الكثيرُ من التضمين للأشعار والأمثال عاميّها وفصيحها والفصيح أكثر، وقلما يخلو مقال له عن قصة أو نكتة أو مَثـَل، يستلهم القران والتوراة والإنجيل وأساطيرَ الأخيرتين، وأساطيرَ العرب وشخصياتهم وأخبارهم واليونان وقصصهم وأعلامهم، ومن لم يعرف طرفًا من هذه الأساطير والأخبار يفوته الكثير من سخرية الرجل وحلاوة نقده.

 

 

الألفاظ لدى مارون عبود "كالأحياء: مواليد ووفيّات وهو لا يحب إحياء الموتى"، لذا كان يهرب من اللفظة التقليدية المنتشرة ولا يصكّ بها وجه القارئ، فالكلمة عنده "كالمرأة متى كثر عشاقها لا تبقى تلك العقيلة المصونة".

 

 

تأثر عبود كثيرًا بالجاحظ، فهو الذي "فتح له الدربَ" وتأثر بالشدياق ولم يُفلِـته، حامي الدم، سريع الغضب بلا جهْلٍ ولا غطرسة، خفيف الروح يسكنه المرح وحب الحياة والسخرية وحديث الناس والحديث إليهم، أحب الحياة فعاش شابّ الروح طيلة عمره. اقرأ أيضًا: أفضل أماكن القراءة في بيروت.

 

 

وكتاباته السياسية والاجتماعية متنوعة وجادة وناقدة، ناقش فيها التربية والطلبة والدراسة ونُظُـم لبنان الدراسية والسياسية، بالإضافة إلى العثمانيين وطرفًا من حياتهم، واشتدّ وأرخى وسخِر وصوّب وبيَّـن، وهو في هذا المجال لا يقل عذوبة وحلاوة عن نقده الأدبي ولكنه لم يبلغه، فإنه في الحديث الأدبي طار وحلّق ورقّص وغنّى بما لم يستطعه في الكتابات السياسية والاجتماعية، فإنه كان إذا أخذ في الأدب والنقد كتب بكل بروحه وعقله بل وبكل جوارحه وطاوَعَه طبعُه وامتدت له ثقافته، واسترسل كفرَسٍ أُطلق عنانه فاستولى على الأمدِ.

 

 

يقول عن طقوس كتابته:

 

"أرأيت الدجاجة البيّاضة كيف تحوّم طويلا على باب القنّ ولا تدخل؟ هكذا أظلّ أفعل حتى أرى نفسي ربخَت [كذا] على الطاولة وكتبْت، إني أقاسي كثيرا قبل البدء في الكتابة، ومتى بدأت مضيت إلى النهاية"

 

 

 

تُرجم أدب عبود كثيرًا إلى الروسية، يعزو ذلك إلى واقعية أدبه التي تناسب المزاج الروسي.

 

إلى جانب مرحه وفكاهته، كان عبود جادّا في حياته، لم ينقطع -منذ رشده- عن الكتابة يومًا واحدًا!

 

لا تجد للمرأة والحب أثرًا في كتبه بل في روحه فقط كما قال، وكان شديد الجلد صبورًا على القراءة، يستيقظُ باكرًا ويعتزّ إذا صاح الديك بعد استيقاظه، ويجلس في مكتبته التي تحتوي ستة آلاف كتاب وما لا يحصى من المجلات، جدير بالذكر أنه باعها مرتين واحترقت أخيرًا بضربة صاعقة، فكأنها بيعت مرة ثالثة للسماء عام ١٩٥١. اقرأ أيضًا: أغانٍ أدبية مقتبسة عن كتب.

 

 

 

يجلس عبود في مكتبته إلى المساء مطالعا قارئًا، ولا يصعب عليه كتابٌ مهما كان ثقيلًا "فله معدة تقطع الصوّان وما على ضرسه مرّ"، ويجيب على من يستغرب غزارة إنتاجه:

 

"إنهم لو عرفوا أنني صرفت حياتي كلها في هذا الميدان ما استغربوا، ولو كنت حرصت كما يجب على عدم ضياعها لكان لي أضعاف ما لي".

 

 

 

ولقد ظل إلى آخر حياته يُنتج إنتاجا ذا قيمة، يقول لك كتابه: هذا رجل مات منذ زمن، وربما سلَخ الأشهر في درْس أديب واحد قبل نقده، فهو لا يقرأ الكتب التي ينقدها قراءة عجلى "إنه يقرأ وشهوده الكتب: يتصفحها بكل ما لكلمة تصفّح من معنى، راجع المعجم إذا شئت" ورجعتُ له وإذا التصفّح: نظرُ التعرّف للشيء، وأصل المادة يدلّ على عَرْضٍ وعِرَض.

 

 

كان صاحب وسواس في صحته، واشترى كتاب طبٍّ يطالع فيه فكان إذا سمع انتشار مرض في بلد ما، سارع إلى ذلك الكتاب وقرأ عن ذلك المرض، وهكذا "صار اختصاصيًا يُصابُ بالمرض الذي يريد ساعة يريد، كلما أحس بحركة في جسده انتقى لها أخطر الأمراض وتوهم أنه مصاب به". اقرأ أيضًا: 9 أغلفة مميزة لأعمال أدبية.

 

كان يدخّن قرابة مئة سيجارة في اليوم، نصحه الدكتور أن يخفضها إلى عشرين سيجارة فقط، يمنعه الأطباء من القراءة فكأنهم يحرّضونه عليها، وما قصّر في الأعمار طول.. النظر!

 

إنه يحارب بالكتب ويتحارب مع الكتب، ولا هدنة بينه وبينها، ظلّ إلى آخر عمره صالحًا للمعارك.

 

 

سأله أحدهم كم كسبتَ من أول كتاب طبعته؟ قال اسألني: كم خسرت!

حسنًا.. كيف أنت مع القروش؟ قال: قم نبّشني!

 

 

عارك الحياة وطاحنها فما طحنت له عزيمة، عمل بائعًا للخمر الذي كان يقطّره ويخمره بنفسه، ويتنقل به من قرية لقرية أيام الحرب العالمية الأولى يوم أن أكل الناسَ الجوعُ فأكل الناسُ بعضهم حقيقة لا مجازاً، وباع مكتبته من الفقر ودفن بيديه ما لا يُحصي، ورأى من هول الحرب ما يقصف العمر، وأعال أهله وأقاربه حينها، وله رسائل مرة ومحزنة بينه وبين أقاربه، وتجد مارون يشير في ثنايا كتبه إلى هذا التعب والمرض والحرب والانقطاع والفقر إشارة من يريد أن ينسى، لأنه كالحياة لا يقف، فلم يَثنه ذلك عن الاستمرار في النقد والكتابة والإنتاج، توقف أثناء الحرب عن الكتابة لسدّ لقمة العيش، وبعد الحرب العالمية الأولى عاود الكتابة ولم يتوقف، ولماذا يتوقف؟

 

 

"أليس إذا وقفنا عند كل كارثة سنقف طول العمر؟

 

أنقعد في دنيانا كمن يتلهى في غرف الانتظار؟  فلأمضينّ في مهمتي فلا حربَ، لا غارات جوية ولا غازات خانقة تعوقني عن أداء رسالتي، ومتى فطست فما أنا بأول ولا بآخر من فطسوا! فلنمضِ! إن الصمت ليس للأحياء"

 

 

 

 

في آخر عمره، حين جاوز الخامسة والسبعين، كان يحس بدوّار يتزايد مع الأيام، إلى أن أقعده المرض، كان يقوم من فراشه فيدركه دوّاره ويطرحه أرضًا، ولكنه يقوم مرة واثنين، يحاول النهوض جاهدًا فقد صعب عليه الانقطاع عن العمل وهو الذي قضى حياته نشاطًا محمومًا مستمرًا، وفي هذه المرحلة مع العمر كانت بعض أعماله الأدبية مخطوطة مثل الشعر العامي وفارس آغا الذي يعتز به كثيرًا ويعتبره قمة أعماله، وكل أعماله قمة.

 

تطور الدوار إلى أن أصبح يصيبه إذا قرأ أو تكلم طويلًا، فامتنع عن كل هذا، ودونك هذه القصة اللطيفة في آخر عمره:

 

زاره سعيد عقل وكان مارون في غاية من المرض والتعب، فقال له بعد حديث: بتجدّد شبابك مارون بك؟ بدّي جبلك فيروز معي بأقرب فرصة! ارتعش مارون عندما سمع: فيروز تجديد شباب صوت فيروز! حقيقة أم خيال؟ وفي لحظة صمت انطلق مارون وبعفوية مطلقة يغني: مين قال؟ حكيتو وحاكاني.. عا درب مدرستي.. كانت عم تشتي.. ولولا وقفت.. رنخت [كذا] فستاني.. وشو همّ.. كنا زغار.. ومشوار شفتو وما رجع مشوار"

 

وكانتْ من كلمات سعيد عقل، ثم قال مارون: لا تعجب.. أحفظ كثير من شعرك، فقال له سعيد متأثرًا: المرة الجيّة منزّل السما عا الأرض، ونسمع فيروز تغنّي لك!

 

 

 

توقف أخيرًا عن القراءة والمشي وشرب الكحول والقهوة التي أدمنها طيلة عمره، وكان يأخذ إبرة في العضل يوميًا ولا يأكل إلا الطعام الخفيف وكان آخر لقاء صفحي معه في ١٩٦٢م قام به رياض الريّس لجريدة المحرر.

 

 

فقد القدرة على الكلام آخر أيامه واكتفى بالإشارة، وآخر مرة أمسك القلم لم يستطع أن يكمل التوقيع الذي أراده.

توفي الأحد ١٩٦٢م ونعته الإذاعة اللبنانية نعيًا جميلا نكتفي بصدره:

 

"هوى من سماء لبنان مساءً كوكبٌ طالما أشرقَ في دنيا الأدب وعالمِ الفكر، …، هو المرحوم الأديب الكبير مارون عبود".

 

 

 

يستطيع المرء هزيمة أي شيء، إلا المرض والموت، كذا قال مارون.

 

لقد عاش هذا المحارب مخلصًا للأدب زاهدًا في الناس وقربهم، عاشقًا للنقد والمعرفة والحياة، عارك الحياة ولم يستسلم قط، خلّد قريته ولولاه ما عرف الناس عين كفاع، وإنك لتحزن لقلة شهرته بين الناس على طول عمره وغزارة إنتاجه، ولعل هذا راجعٌ إلى شدته في النقد، وصراحته فيه وعدم مجاملته لأحد، ولو صانع وجامل لحصل على أصدقاء كثيرين وارتاح من كثير من المتاعب، ولكنه حبّ الأدب ومثالية المعنى.

 

 

اقرأ أيضًا: 

كيف تحوّل القراءة وقودًا للكتابة؟

الساعة الخامسة والعشرون؛ ساعة النهاية المؤلمة للإنسان

القراءة السريعة: كيف تضاعف سرعتك في القراءة؟

أنطون تشيخوف: ما بعد حداثيّ سابق لزمنه