ما الذي يحدث ما وراء حقول الأرز؟

"عاريةً في كوخٍ أُفرغَ من كل محتوياته، حُفِرت في أرضه حفرةٌ وضِعت فيها سلةُ من سعف، تجلس على وسادةٍ صغيرة، وجهها إلى الشرق وساقاها ممدودتان. سيرغمها القضاةُ على شرب ماءٍ جُمع بالأيدي، ثم سيصب منه على رأسها، صدرها و قدميها. الماء بارد. أفكرُ في أنها ترتجف وأسمعُ شهقة. سيرغمونها على أكل القليلِ من الأرز استعداداً لتناول التنغينا (...) يضع القاضي قطعةً من جلدِ الطيورِ على لسانها و يأمرها أن تبلعها. يتكرر الأمر ثلاث مرات. قِطَعُ الجلدِ ستشهدُ على قدرتها على استفراغِ السم، و ستقرر حياتها أو موتها. يصبُ القاضي ملعقتين من التنغينا في كوب (...) يصبُ التنغينا في فمها. لها طعمٌ مر. اسمعها تتنفسُ بعمق فيما تبتلعُ السم. ذاك-الذي-يستدعي-روح التنغينا يضعُ صمغاً من ورقة موزٍ على جبينها، و يلهجُ بدعاءٍ لروح التنغينا". (ص.216)

 

تُسقى باو إبريقينِ كاملينِ من مرقِ طحين الأرز، و لكنها لا تقوى إلا على استفراغِ قطعةِ جلدٍ واحدة من الثلاثة التي أُجبرت على أكلها، فتموتُ باو متهمةً بشعوذةٍ لم تأت بها، و يجرُ جسدها إلى هوةٍ ما، سبقها إليها الكثير و سيلحق بها الكثير،غير بعيدة عن حقول الأرز. ليس على فارا و جدتها بيبي إلا أن تتجلدا، فأي مظهرٍ حزين تبديانه، هو اعتراض على حكم التنغينا، على حكم الملكةِ وحكمِ الأسلاف.

 

محاكمُ التنغينا تستندُ إلى ذاتِ المنطقِ الذي تستندُ عليه المحاكمُ الحديثة: المتهمُ برئ حتى تَثبُتَ إدانته، و لتبرئ المتهمينَ من المسيحين و المشعوذين و حتى الخصوم السياسين في محاكم التنغينا، يتوجب على المتهمِ أن يتقيئَ الجلودَ الثلاثةَ و سمَّ التنغينا الذي تجرعه. إنْ أخفقَ المتهمُ في استفراغِ جوفه ولم يمتْ من فوره، لا يتوانى القضاةُ في الاجهازِ عليه تنفيذاً لرغبةِ الملكةِ في استئصالِ كل ما قد يعترضُ حكمها.

 

هذه مدغشقر على مشارفِ القرنِ التاسع عشر، خلال حكم الملكةِ رانافالونا الأولى، التي تولتَ الحكم في 1828 بعد وفاة زوجها الملك رادما الأول مقصيةً راكوتوبي ابن شقيقته الوريث التقليدي للملك المتوفي.  

اعتمدتْ الملكةُ في جزءٍ من مغامرتها السياسية على التقليديين من السياسيين والأعيان الذين استنكروا، ولو بصمت، احتضانَ الملكِ رادما وانفتاحه على المبشرين المسيحيين وتهميشه التقاليد المالاغاسية التي تُعلي سلطةَ العرافين المستغيثين بقوى الأجداد، وزناهاري السيدُ المبجل.  

 

بين حقولِ الأرز في قريةِ ساهاسوا، جنوب العاصمة أنتانانريفو، وبأعوامٍ قليلة قُبيل تولي الملكة رانافالونا الأولى للحكم، يتناوبُ تسيتو العبد، وفارا سيدته التي تصغره بعامين في سرد تاريخهما وشيءٍ من تاريخِ مدغشقر المتنافر-المتجاذب، بين القريةِ والمدينة، والرغبةِ في التحديثِ والدعوةِ إلى الثشبثِ بالتراث.

 

يصلُ تسيتو إلى ساهاسوا رفقةَ رادو الذي يشتريه شفقةً وإحساناً ويتركه مع عائلته: الجدة بيبي راوية الحكايا، الزوجةُ باو غريبة الاطوار، وفارا الابنه التي يلعنُها مشعوذُ القريةِ حتى قبل مَولدها، ليقوم على حاجاتهم أثناء غياباته الطويلة.

 

يجدُ تسيتو في نساء هذه العائلة عائلةً أخرى تعوضهُ عن تلك التي شُرِّدت وبيعت، فيشِبُ كفردٍ من أفرادها، حتى يشعر أنه لا ينتمي إلا لساهاسوا، ولعائلة رادو، وإلى فارا، التي يعودُ إليها بعد أن يشتري حريته.

لا ينكرُ تسيتو مشاعره إزاء فارا، ولكنه يحترمُ المسافةَ التي توجبها الأعراف الاجتماعية بين العبيد وأسيادهم، في وقتٍ كان السيدُ فيه يمتطى العبدَ ليجولَ في الأسواق، فينصب جُلُّ اهتمامه على ايجاد موضعِ قدمٍ في المجتمع يؤهله لأن يُعتق نفسه.

 

يبدأ بامتهان حرفٍ بسيطة ثم يدرج نفسه في خدمةِ أحد الأسيادِ الطموحين سياسياً، فيغادر معيته إلى العاصمة على الرغم من كرهه لها، ويجدُ لنفسه بعد ذلك عملاً في خدمة المغامر الفرنسي لابورد، والعمل في مشاريع ولي العهد راكوتو بعد ذلك.

يشهد تسيتو على مدغشقر الساعية إلى الحداثة بدءًا بتمرسه في النجارة في مشاغل العاصمة، حتى تحطَ رحاله في المملكة المتحدة ليتعلمَ أسرار صناعة السفن، سعياً لوضع مدغشقر مجدداً على خارطة العالم، كما كان يأمل ولي العهد.

 

هذه الحداثةُ لا يمكن أن تكونَ كمضعِ التبغ، كما يقول تسيتو، "تمتصُ كل النكهة، و تبصقُ ما يتبقى" (ص.125)، فلابدّ لمضعِ التبغ من تأثيراتٍ جانبية: استقبالُ المبشرين، السماحُ باعتناقِ الدين الجديد، انتشارُ التعليم، تغيرُ أنماطِ التفكير.

 

لا يتوقفُ الأمرُ عند هذا الحد، قد يصلُ الأمر إلى المطالبة بإلغاء العبوديةِ، إهانةِ الأسلاف والتخلي عن المعتقدات.

هذه الحماسةُ في طلبِ العلم والتكنولوجيا المتقدمة بمقاييس القرن الثامن عشر، لا تصمدُ طويلاً أمام الرد الذي تبديه الملكةُ وبِطانتها من التقليديين. كان لزاماً على مدغشقر أن تقتلَ بعضَ أبنائها رفضاً للتوغلِ الأجنبي، أن تموتَ في وقتٍ لاحق تحت وطأةِ الاستعمار، قبل أن تولدَ مجدداً.

 

في الرواية أكثرُ بكثيرٍ من مجردٍ سردٍ مستفيض لقصة حبٍ جميلة وبائسة في الآن ذاته بين تسيتو وفارا.

كثيراً ما تفتتحُ فارا فصولها في الكتاب، خصوصاً في مطلعه، بالإشارةِ إلى تسيتو، تفكيرها فيه حين لا يكون في المنزل، أرسلته الجدة إلى السوق، أو طلبت منه الأم صيد السمك للعشاء، متى يعود تسيتو، متى يُستأنف اللعب، الحكايا والمغامرات.

 

بعد زيارتها الأولى إلى العاصمة تظنُ فارا أن في حياةِ المدينة وصخبها حريةً أكبر مما قد تمنحه لها القرية، فتتوق إلى المغادرة، لكن ارتباط العائلة بالأرض، بحقول الأرز التي تستلزم الاهتمام والرعاية، تمنعانها من ذلك.

سنواتُ الجفاف، والفقر والمجاعة، تكاد تجبر فارا على حياة العبودية لتدفع ديناً اقترضته لتصريف شؤون الأسرة، فتستذكرُ تسيتو وعبوديته رغمَ المحنة، وتتأكدُ رغمَ كلّ الظروف من أنها لن تكون إلا له.

لكن على فارا أن تقضي نحبها، كما والدتها، بعضُ كبار قريتها، وأصحابُ الطفولة، وألوفٌ أُخر من الملاغاسيين من أجل أن تمضي مدغشقر فيما اختارته لها الملكةُ من سبيل، وليمضي تسيتو كما مدغشقر، وإن مُثقلاً بالفقدِ والألمِ والمسؤولية، قُدماً.

 

الحبكةُ الروائية بسيطةٌ بلا شك، إلا أن القارئ قد يتوه في زحمةٍ من التواريخ والأحداث والمصطلحات المفهرسةِ في ذيل الكتاب لتعينَ القارئ على فهمِ ما قد يستغلقُ عليه من تاريخِ مدغشقر وثقافتها.

فالعقيدةُ والتقاليد المالاغاسية محورٌ رئيسي موازٍ للتبشيرِ بالمسيحية والحداثة، وإن تشابكتْ خطوطهما وتعقدتْ، يمكن تبسيطهما فيما تقصهُ الجدةُ بيبي على فارا حول الأجانبِ في مدغشقر:

 

 

"يقول القدماء أنه حينَ بدأت زراعةُ المانيهوت والبطاطا في هذه الأرض، لم يعد للقلقاس والجذريات الأخرى ذاتُ الحظوةِ عند الناس، فأخذتْ هذه الأخيرةُ تذوي وتجف. أكنتِ تعرفين أن للفازاها لونَ المانيهوت بعد أن يُقَشّر ويُطبخ؟" (ص.56)

 

 

تختارُ المترجمةُ أليسون تشاريت أيضاً أن تبقي على العديدِ من التعابيرِ والمصطلحات الملاغاسية. لا تشيرُ الترجمةُ على الاطلاق إلى كلمتي غريب أو أجنبي في الانجليزية، بل تعتمد كلياً على توصيفهم بالمالاغاسي: فازاها (Vazaha) مما يخلقُ مسافةً لغويةً تشي بعدم القبول الكلي للأجنبي. تختار المترجمة أيضاً الإبقاء على بعض الألفاظ الانجليزية التي جاء بها المبشرون محوّرةً كما يلفظها المالاغاسيون، فعيسى المسيح، يصبح عيسوي مسيحي (Jesusy Kristy)، والإنجيل يصبح الإنجيلي (Baiboly) في مظهر آخر من الاتصال اللغوي والاجتماعي المجتزء.

 

كلٌّ هذا يحدث في "ما وراء حقول الأرز"، رواية نايفوهريوسا رامامونجيوسا، أو نايفو اختصاراً، التي صدرتْ باللغةِ الفرنسية في 2016، وسرعانَ ما توّلت دار رستلس إصدار النسخة الانجليزية العام الذي يليه، مما يجعلها الروايةَ الملاغاسية الأولى التي تنقل إلى الانجليزية، وسط ترحيبٍ وإقبالٍ كبيرين  في عالم الآداب المُترجمة.

 

آملُ أن لا يكون على القارئ العربي أن ينتظر طويلاً حتى تتلقف إحدى دور النشر حقوق الترجمة والنشر.