"ما بعد الظلام" ودهشة موراكامي التي لا تنطفئ

 

 

تندر الكتب التي تصنع دهشة قارئها ولكن حين أقرأ هاروكي موراكامي، في كلّ مرّة هناك دهشة مختلفة. 

 

التقيت بأفكاره للمرة الأولى في رواية (كافكا على الشاطئ)؛ رواية تحتفل بسحر الحياة في أجواء غرائبية تناضل بنا نحو التغيير، ثم انطلقت إلى روايته (نعاس) التي تجعلنا نقف على ضفة أخرى من ضفاف الوجود، ضفة اليقظة، إذ أيقظت فّي إدراك حقيقة النوم الذي إن لم آخذ منه القليل أخذ مني الكثير!

 

أخبرتني مرةً صديقتي أنها شاهدت مقابلة للكاتب موراكامي حين سُئل -لا أذكر نص السؤال- ولكن فيما معناه: كيف تستلهم أفكارك؟ كانت إجابته -غير نصية- أنه يكتب كما لو أنه يشاهد المدينة من الأعلى عبر منطاد طائر في الهواء، وأظنه قصد بذلك تحديدًا روايته (ما بعد الظلام). اقرأ أيضًا: لماذا تتغيّب مشاهد الولادة عن الأدب؟

 

 

عودة لها؛ فالرواية تتحدث عن ليلة واحدة من ليالي طوكيو المؤرقة، إذ نغوص معه في الظّلام الوديع أحيانًا والمريب دائمًا، تدور أحداثها في سبع ساعات من الترقّب والدهشة التي يصنعها موراكامي في تفاصيل حكاياته المتفرقة في فصولها والمتلاقية تحت أستار ذلك الظلام.

 

إنه الليل، الوقت الممتلئ بالأسرار والأحلام التي تحرّك رحى العقل:

 

"يتّحد كل إنسان بآخر في احتياجاته على نحو يفوق ما يفرّقهم من ظروف متباينة يجلّيها النهار، فكل الأفكار الصباحية هي نتاج رحى الآمال الليلية."

 

 

تبدأ الرواية وكأن عيونًا ترصد المدينة من أعلى في نظرة شاملة وعلى نطاق واسع، لتُظهر ذلك الكيان الإنساني الاجتماعي الذي يشكّل الحياة.

 

تبدأ الرواية في الساعة 11:56 ليلًا حيث تاريخ اليوم يوشك أن يتغيّر. ثلاث حكايات متباينة تترابط فيما بعد لتشكّل الحياة التي تتواصل بصوت عميق لأنين المدينة في ساعات الليل المتأخرة. اقرأ أيضًا: المؤمن الصادق: أن تتحرر من الحرية.

 

الفتاة ماري التي تجلس في ذلك الوقت على المائدة تقرأ كتابًا في مطعم المدينة، الشخصيّة البطوليّة التي جعلها موراكامي ممثِّلةً للشخصية الغامضة والمستقلة في ذاتها وأفكارها ومبادئها، ومن الجانب الآخر تظهر أختها إيري التي تتمتّع بالجمال الساحر؛ ثنائي يختلف في كل شيء، إيري الهائمة في الظهّور والتجمّل والاستعراض وماري حيث العقل والحكمة. 

 

يربط بينهما الفتى الموسيقيّ تاكاهاشي، يتحدّث إلى ماري عن أختها، ويُبدي اعجابه بماري وتعاطفه معها ومع أختها الغارقة في اللاوعي!

 

حكايتان تتوازيان في أستار الظلام، لتتلاقيا مع ضوء الصباح القادم. 

 

على صعيد آخر، يظهر وجه الحياة الذي يُنبئ بالشّرور، شيراكاوا، إحدى الشخصيات المراوغة اللّعوبة، التي تنتعش بروح الجريمة والسّطو وتجارة الجسد، مستترةً بالعتمة، كأن لا شيء يشهد عليه بما يفعل. 

 

تتعدّد شخصيات موراكامي في أحداث ليلية متباينة المظاهر، متشابهة المعاني إلى حدٍّ ما. نسبُر متاهات النفس البشرية، حيث الآمال مختلطة بالآلام،هناك دائمًا ما يختبئ في الفؤاد ولا يستطيع صاحبه إلا أن يشعر به ليلًا، وحده، دون أن يخترقه بالمعرفة شخص سواه، لذلك كان الليل مليء بالأسرار. اقرأ أيضًا: رؤية مارون عبود للأدب والأديب والكتابة الأدبية.

 

حتّى "الساعة 6:52 صباحًا، إذ يبدأ الليل بالانجلاء، وحيث يبدأ يوم جديد، تتحول زاوية الرؤية العلوية عن وسط المدينة إلى ضاحية سكنية هادئة حيث تعود الحياة إلى شوارعها، يجري توصيل صحف الصباح وأشخاص يسيرون إلى واجباتهم وأناس يحيّون بعضهم بعضًا. 

 

ربما يكون يومًا كباقي الأيام أو قد يكون يومًا مميزًا من نواح عديدة على نحو يُرسخه في الذاكرة."

 

"تدلف ذات العين إلى بيت من البيوت المتشابهة، تحديدًا إلى نافذة غرفة إيري شقيقة ماري، إذ ثمّة شيء يحاول ارسال الوعي إلى إيري، ودون أن تعوقها الأشياء الأخرى، تستغرق علامات الأشياء القادمة وقتًا حتى تكبر في ضوء الصباح الجديد…"

 

 

هكذا ينهي موراكامي روايته بنهاية مفتوحة وعلى قرّائه أن يروا نهايتها في الحياة التي يعيشونها من وحدة، اغتراب أو توق إلى التواصل الإنساني؛ فحتى الآن، في بداية كل يوم جديد وبالنسبة إلى معظم الناس، ما زال يومهم صفحة بيضاء لم يُسَطّر بها شيء. 

 

 

اقرأ أيضًا: 

تعيسة ووجع الهوية في السودان

ثقافة تويتر: حرية التعبير أو مسؤولية التعبير كما يراها الغذامي

لماذا عليك أن تقرأ المزيد من الروايات الرومانسيَّة؟

50 اقتباسًا ملهمًا عن القراءة