مذكرات "انهيار" ديناصور

 

بداخل كل منا قدر كاف من الكآبة ليتعرف عليها في كتابة مؤنس الرزاز ل “مذكرات ديناصور”.

 

أعتقد أنه لا يمكن لكاتب ألّا يترك بصمته على شخوص روايته، وانطلاقاً من اعتقادي هذا، فلا يمكن أن يكون مؤنس إنساناً مشرقاً مرحاً بينما “عبدالله الديناصور”، الشخصية الرئيسة في الرواية (إن صح تسميتها بذلك) هو شخص يعاني من الاكتئاب الذي دفعه إلى حافة الذبول وزجّ به إلى نوبات من الهذيان والصراع الداخلي.

 

أما كون عبدالله الديناصور الشخصية الرئيسة أو إحدى الشخصيات المحورية التي تدور حولها الرواية فهو موضع تساؤل بالنسبة لي، حيث أن الرواية بالشكل الذي قدمه لنا مؤنس الرزاز لا تعرض نفسها كرواية تقليدية تتصاعد فيها الأحداث حتى تبلغ الذروة، وعلى الرغم من موجود عقد كثيرة في حياة صديقنا الديناصور إلا أن العقدة المميزة للقصة ليست واضحة ولا يوجد تصعيد في الأحداث يؤدي إلى انفراج أو تدرج في الحل. كما أن شخصية عبدالله هي مثال للعند والثبات وإذا سلّمنا بأنه الراوي، فإن وصفه لنفسه في مراحل حياته المختلفة ثابت لا يتغير، فليس أثبت من ديناصور مناضل مقاوم لكل تغيير، محتج على كل تنازل عن مبدأ كان قد آمن به في يوم من الأيام.

 

عبدالله الديناصور: مثقف يعمل محرّراً لزاوية ثقافية في إحدى الصحف المحلية ورجل حزبي، ومواطن عربي يحب عبدالناصر ولينين وسيد قطب بنفس القدر، ولا يهتم بتفاصيل حياته اليومية ولا يرى زهرة الأنثى، ولكنه يرى ما تمثله زهرة بالنسبة له: النقيض والمرجعية!

 

فهو يتعرّق كثيراً فقط لأنها لا تعرق أبداً. مسألة وجوده برمتها متعلقة بكونه محور حياة زهرة، التي احتال عليها قبل الزواج واتكل عليها لبقية حياته. كان يتوقع منها أن تشدّه إلى الحياة وتعيده إلى سريرهما كلما داهمته الكوابيس وهام على وجهه مخلّفاً زهرة وراءه.

 

يحدث هذا من أول الرواية إلى آخرها، فالرواية هي أشبه بانهيار، هي بنية مهدّمة مع سبق الإصرار والترصد. تتكرر المشاهد غير عابئة بملل القارىء، أو تململه عند ذكر رائحة إبط الديناصور وطلبه الملّح لزهرة بتناول البصل هي أيضاً حتى يستطيع تقبيلها.

 

لا يمكننا التحليق بعيداً عن حياة مؤنس الرزاز أو عبدالله الديناصور الشخصية، حتى ونحن نراجع معلوماتنا التاريخية عن الوطن العربي، والأوضاع السياسية التي عايشها الآباء والأجداد في مذكراته. فالحياة الحزبية وتبعاتها النفسية على الأفراد وعلاقاتهم الشخصية، وطبيعة العمل الحزبي وأثره على على العلاقات بين أفراد التنظيم الواحد كانت مصدر الكآبة والحزن في قلب مؤنس، والإلهام في كتاباته. يحدثنا عبدالله الديناصور عن تنقله بين بيروت وعمّان وبغداد، ويتذكّر رفاقه المثقفين المقاومين، وقد وجدوا في بيروت واحة سعادة وإن كانت سعادة ملغومة مشروطة بالانتهاء. بعض أصدقائه قاموا فعلاً بوضع حد لحياتهم إما بانتحار جسدي-روحي أو بانتحار معنوي.

 

مؤنس الرزاز -رحمه الله- توفي بعد دخوله في غيبوبة مفاجئة ولم يتجاوز الواحد والخمسين من العمر، مخلفاً وراءه عمّان قديمة، وأخرى جديدة يسكنها “عمّانيون” وديناصورات يخشى عليها من الانقراض المبكّر إذا لم تبعث عمّان من روايات مؤنس ورفاقه، ليعرفها العمّانيون الصغار وتسكن ذاكرتها فيهم.

 

اقرأ أيضًا: 

في البحث عن ذاتنا: العمى لجوزيه ساراماغو

سلطانة غالب هلسا

محمد شكري والخبز الحافي