مذكرات يوسف ميخائيل؛ التركيّة والمهديّة والحُكم الثنائي في السودان

 

تعددت قراءات فترة حكم المهدية في تاريخ السودان بين مادحٍ وقادحٍ، فلماذا مذكرات يوسف ميخائيل؟
يرى مقدم ومحقق هذه المذكرات د. أحمد إبراهيم أبو شوك، الأكاديمي والباحث التاريخي المتميّز، أنها بخلاف معظم المذكرات التي دُوّنت في هذه الفترة، فهي لم تصُب في الحرب الدعائية التي نظّمها قلم المخابرات المصرية ونجت باشا، لكسب تأييد الرأي العام البريطاني لسياسة حكومته الإمبريالية التي هدفت إلى تشويه صورة المهدية، وذلك بقياس البُعد الزمني للمذكرات التي دُوّنت بعد خمسين عام من  انتهاء  المهدية، بعكس بقية المذكرات والتي كانت  أثناءها وبعدها مباشرة، كما أن كاتبها دوّنها وهو متحرر من سلطة المهدية حيث كان من المقربين للخليفة.

 

 

يمكن إدراج مذكرات يوسف ميخائيل تحت نمط السرد الإخباري، حيث نلاحظ تركيزه على تقديم الكثير من التفصيل الحضاري الاجتماعي، مع شُح السردية الذاتية، باعتباره شاهد عيان لتلك الحقبة، ومطلع على دقائق وتفاصيل بحكم قربه من رأس الحكم، مما يسمح بقراءة وبحث الأحداث بصورة تحليلية موضوعية .
 

 

من اطلع على كتاب السيف والنار في السودان، مذكرات سلاطين باشا، يتفق مع د.أبو شوك، لأنه ورغم الاتفاق في الكثير من الحقائق التاريخية إلا أن روح الكتابة مختلفة بينهما.
 

 

من هو يوسف ميخائيل؟

يوسف ميخائيل مليكة، قبطي مصري، سوداني المولد والنشأة، قدِم والده إلى السودان ضمن أربعين كاتبًا بُعثوا للعمل الإداري عام 1839م وتمّ توزيعه في مديرية كردفان غرب السودان، حيث ولد يوسف ونشأ وعاصر قيام المهدية، دخل في الإسلام حفاظًا على نفسه وأسرته وعمل كاتبًا في الراية الزرقاء، وبعد هزيمة الأنصار في واقعة كرري جدد ولاءه للكنيسة القبطية مرة أخرى وعمل بالتجارة وآخر المطاف رجع إلى مدينته الأولى الأبيض.

عمل على توثيق هذه المذكرات بتشجيع من ضابط إداري وهو مسجون بتهمة صناعة الخمور، ولذا جاءت مذكراته مكتوبة بالدارجة لأهل المنطقة واعتبرها المهتمون مرجعًا للتمازج الاجتماعي في المنطقة بين العناصر العربية الوافدة بالسكان الأصليين من النوبة والفور والقبائل النيلية .
 

 

الكتاب مقسّم لفصول تبدأ بسرد يعكس الواقع الاجتماعي للمنطقة في نهاية الحكم التركي وقبل المهدية وخلالها وبعد انهيارها، في الفصل الأول يحكي لنا الكاتب عن نفسه وأسرته وواقع البيئة الكردفانية، والمزيج الاجتماعي الموجود في روح عالية من التسامح والتعايش، بعكس للوضع السياسي والهيمنة التركية وحالة التضجر من الضرائب المفروضة، حتى ظهور الدرويش محمد أحمد في صورته الدعوية، وكيف أنه أتى بصيغة ذكر تختلف عن المعهود مما أوجد له القبول من الأهالي إضافةً لكريزمته الخاصة التي وصفها بإسهاب.

 

 

هنا يلفت نظرنا محقق النص أن يوسف ميخائيل بهذه السرديات المفصلة يُخرجنا من أحادية القول بنجاح المهدية في كردفان نتيجةً للدور الكاريزمي الذي لعبه محمد أحمد المهدي وإنما حركة المجتمع الذي كان يُمثِّل أكثر المجتمعات ملاءمة لاستقبال الثورة، وذلك بتفاصيل المصالح والانشطار بسببها مابين مؤيد للحكومة التركية ومعارض تائه في حالة انتظار لمخرج من الجور والظلم.

 

ينقلنا الكتاب بعد ذلك من فترة الدعوة إلى قيام الثورة، التي كان في مركزيتها بُعد عقدي، لكنه لم يكن الدافع الأكبر للاستقبال أو الرفض، فنجد العلماء الذين انضموا تحت لواء المهدي فقط لأن الحكم المركزي أبعد كل من لم يكن لديه شهادة أزهرية، ونجد من جاءت به المنفعية والانتهازية وسارع إليها من أراد العزوة، كما نجد المعارضة أيضًا لأسباب شبيهة .

 

وبكل هذه الأسباب لا ينفي دور المهدي في الاستيعاب والقبول الذي أحاط به، وسياسته التي تُقرأ بإيجابية من ناحية عدم التمحور والانفتاح والشراكة المجتمعية.

 

نتتبع مع يوسف ميخائيل قراءته لفترة المهدي وحركته الثورية حتى تحرير أم درمان وبداية تأسيس دولة الحكم ووفاة المهدي، ينتقل بِنَا بعد ذلك للفترة العصيبة في تاريخ المهدية وهي فترة خليفة المهدي عبد الله التعايشي؛ فترة انتقال ما بين الدعوة والدولة، وكيف لا يلزم من نجاح الأولى نجاح الثانية؛ إذ جاء الخليفة إلى دور القيادة وهو غير مؤهل فكانت السياسة الإقصائية الدموية هي الحل عنده، إضافة إلى التمحور الجهوي بالاستناد إلى القبيلة وتعزيزها على حساب المفهوم الكلي للمشاركة وغياب الدولة الوطنية بالكامل، حتى ضعف الانتماء الوطني للمهدية ووصل إلى مرحلة الخيانة الوطنية عندما واجهت الدولة المهدية العدو الخارجي، والتي تحولت إلى سيادة قبلية تحكمها تطلعات الخليفة وأخيه وابنه.

 

 

في هذه الجزئية من المذكرات وثّق للصراع الداخلي ويُقرأ منه صلة الخلافات الدموية بين الخليفة وبين الأشراف بالسيكولوجية الاجتماعية والنفعية المادية، وكيف يتولد النفاق السياسي من الاستبداد، ومنه ترى وجه الواقع السياسي لتلك الفترة الذي تخلص من أسس البناء واحتفظ بالمتملقين؛ ذلك الواقع الذي يُدار بغيبيات وأحلام الخليفة وليس بالوقائع على الأرض، فجاءت النتائج الكارثية.

 
يرى المحقق أن لا عجب في أن تلك المشاهد التاريخية قد أسهمت في تكوين العقلية السياسية السودانية في القرن التاسع عشر الميلادي، وهي تصلح كخلفية تاريخية لتحليل المشهد السياسي المعاصر، وفهم طبيعة القوى السياسية التي تحكم عملية تنازع السلطة والولاء في السودان.

 

كما أن هشاشة البعد الاستراتيجي لسياسة الخليفة الخارجية وفتحه لبؤر النار شرقًا وشمالًا وعدم الاستفادة من الراية الفرنسية التي قُدمت له لتثبيط التقدم البريطاني على حدود خلافته، مع كل هذه الحيثيات، نتابع مع المذكرات انهيار الدولة المهدية وعودة الاستعمار ممثلًا في الحكم الإنجليزي المصري.
 

 

عمومًا، وجدت الكتاب جميل، رغم أن لغته الدارجة قد تشكل على البعض وكما يقول المحقق يجب دعمه بما أُنتج عن تلك الفترة، فالإشادات بمحتوى النص لا تنفي أن المذكرات فيها بعض القضايا الخلافية والمسائل الإشكالية التي تحتاج إلى المقايسة مع غيرها.